رأي

تامر المهدي يكتب: بنات الطويلة والثانوية

كنا نستذكر دروسنا على ضوء “لمبة الجاز”، وحينما تطور الأمر وظهرت أعمدة الكهرباء في الضواحي الراقية بمدينة المنصورة، نقلنا استذكارنا أسفل الأعمدة على ضوء اللمبات الكهربائية لتوفير الجاز، يا بني الفقر كان يقطع في أوصالنا مثل برودة الجو أسفل أعمدة الإنارة، ولكن كان أمامنا طريقا واحدا وهو النجاح كي يتم توظيفنا في الحكومة، وعملت في أشهر الصيف في مهن مختلفة وكنت أتقاضى قروشا بحلول أول الشهر”.

ما سبق كان درسا يلقيه علي أبي “رحمة الله عليه” بشكل مستمر، مللت منه، لدرجة أنه حين كان يبدأ في سرد معاناته قبل أن يصبح مدرسا، كنت أكمل له القصة التي حفظتها عن ظهر قلب إلى أن رحل عن قبل سنوات، وتذكرت هذه التفاصيل مرة أخرى قبل أيام وتحديدا بعد الإعلان عن نتيجة الثانوية العامة، شرفت بمقابلة هبة وياسمين طبيبات المستقبل المتفوقتين، بنات قرية الطويلة بمركز طلخا محافظة الدقهلية، تشابهن كثيرا في ظروفهن، لدرجة أنهن اخترن دخول كلية الطب وتحديدا تخصص القلب، ولهن مثل أعلى وهو الدكتور العالم الجليل مجدي يعقوب.

قالت هبة محمد التي حصلت على ٤٠٩.٥ من إجمالي ٤١٠ إنها حصلت على هذا المجموع في ظل ظروف قاسية حيث مرضت وأطباء التأمين أخبروها أنهم لن يستطيعوا منحها أكثر من ١٠ أيام إجازة، هكذا التعليمات والسلطات الممنوحة لهم، تفوقت على نفسها وظلت تستذكر دروسها بجد واجتهاد، وفر لها والدها الموظف بالإدارة الزراعية هو ووالدتها ربة المنزل الأجواء المناسبة للنجاح والتفوق.

هي كان لديها الدافع الحقيقي كي تتفوق رغم كل الظروف المحيطة، توفي شقيق والدها الذي كانت تحبه كثيرا بمرض في القلب، فاختارت أن تكون طبيبة لقلوب الجميع وخصوصا قريتها وأكدت أنها ستعالج الجميع، واتخذت من الدكتور مجدي يعقوب مثلا أعلى ستصل إليه، وهاهي تحقق أولى خطوات النجاح، مبروك لمصر طبيبة قلب متفوقة ومنحازة لفقراء قريتها، فاحتلت قلوبنا جميعا.

أما ياسمين، ابنة الحاج محمد عبدالعزيز المزارع المكافح من نفس القرية “الطويلة”، يكسوها الخجل وابتسامة لا تفارق وجهها، قبل أن تقول إنها أصغر أشقائها وشقيقاتها فهي رقم ٩ في الترتيب، وحصلت على ٤٠٨ من إجمالي ٤١٠ لأن لديها هدف أيضا وهو أن تصبح طبيبة قلب، مثلها الأعلى الدكتور مجدي يعقوب أيضا، كي تعالج والدتها بنفسها وكي تريحها من آلامها وتسهر على راحتها، كما أنها تطمح في علاج الفقراء أيضا، مؤكدة أن لديها مثل أعلى آخر وهو شقيقها مصطفى الذي استطاع أن ينظم أوقاتها، وأن يحفزها ويشجعها باستمرار من أجل أن تكون ما تريد، وللمشاركة في إسعاد الحاج محمد والأم التي تنتظر ابنتها أن كي تعالجها.

فاجأتني ياسمين أنها سمعت عن “شاومينج” مثل آخرين، غير مهتمين بالثانوية العامة من الأساس، مؤكدة أنها ليس لديها أية حسابات على صفحات التواصل الاجتماعي، ولا تعرف ماذا يدور عن الثانوية في العالم الافتراضي، ونصحت كل من يرغب في التفوق في الثانوية العامة بأن يركز ولا ينشغل بأقاويل وشائعات.

ربنا تذكرت والدي الفقير الذي استذكر على لمبة الجاز وتحت أضواء أعمدة الإنارة إلى أن توفاه الله وهو على درجة وكيل وزارة التربية والتعليم، وكان دائما يفخر ويتفاخر بصراعات حياته، فرأيته في عيون هبة وياسمين المتفوقتين وتغلبن على ظروف حياتهن وصعابها من أجل أهداف نبيلة تخدم الجميع.

بكل فخر شرفت بأن صافحتهن في قريتهن، وبكل فخر أعلن أن أبي حي في عيونهم وفي قلبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى