بيئةرأي

رأي| بحيرة قارون وغياب دور الدولة

كتب – عنتر معوض:

يتجلى نجاح الدولة في حضورها وتفاعلها، ومساندة كافة مؤسساتها، لتحقيق التزاماتها الدستورية، وحماية ثرواتها القومية.

ومن المقرر أن غياب الدولة عن القيام بالتزاماتها الأساسية المنصوص عليها في الدستور، الذي هو أساس النظام السياسي الحاكم، والقائم على سيادة القانون وسيادة الإرادة الشعبية، والدولة التي يغيب حضورها في الكوارث التي تحيق بالوطن وما يتهدده من مخاطر، وما يهدد تراثه الحضاري والثقافي والسياحي، ومقوماته الطبيعية، وآثاره التاريخية وملكيته العامة، وحقوق مواطنيه وعماله، دولة بعيدة عن النجاح، وأقرب إلى الفشل من أي شيء آخر.

والتزام الدولة بحماية الثروة السمكية، وحماية ودعم الصيادين وتمكينهم من مزاولة أعمالهم، ووقف الأضرار التي تلحق بالبيئة، كما أناط بها الدستور في مادته الثلاثين، هو من صميم تحقيق التزامات الدولة الدستورية.

والواقع أن غياب الدولة عن أداء دورها الدستوري، لا ينحصر فقط في جهازها الإداري وسلطتها التنفيذية، وإنما يمتد إلى مجلسها النيابي الذي يتولى سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة وممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

وينبئ تعدد ذلك الغياب وتنوعه عن مخاطر حقيقية تصب في الإخلال بالأمن القومي، ومخالفة النصوص الدستورية الآمرة، وسوف أذكر نموذجا صارخا لتجسيد ذلك الغياب، والقصور وعدم إدراك دور الحكومة التي هي الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة، لمهامها واختصاصاتها الدستورية ومنها المحافظة على أمن الوطن وحق مواطنيه ومصالح الدولة العليا، وتوجيه أعمال الوزارات والهيئات العامة والتنسيق بينهم ومتابعتها.

يتمثل هذا النموذج في ماتعانيه بحيرة قارون بالفيوم منذ سنوات، من تعرضها للاندثار نظرا لارتفاع معدلات التلوث الشديد بسبب الصرف الصحي بنسبة عالية، بما ينتج عنه الأمونيا ذلك العنصر السام، وكذلك الارتفاع الشديد في نسبة الملوحة، بما يؤدي إلى حدوث تغير في خصائص ونوعية المياه، التي أثرت سلبًا على انخفاض الإنتاج السمكي، وهو ما يسبب كارثة حيث تعتبر البحيرة المصدر الرئيسي لدخل ما يزيد عن خمسة آلاف صياد، لا يمارسون سوى مهنة الصيد.

والسؤال الملح هل تعجز الدولة عن تنفيذ منظومة متكاملة للصرف الصحي في القرى التي تقوم بالتخلص من مخلفاتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المصارف التي تصب في البحيرة للحد من أعمال التلوث وتحسين في جودة وخصائص مياة البحيرة التى طبقا لتقرير صادر عن لجنة فنية تم تشكيلها بمعرفة رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية، و سكرتير عام محافظة الفيوم، بتاريخ 24 / 6 / 2015 لبحث جميع المشاكل التي تعاني منها بحيرة قارون ووضع الحلول وكيفية إزالتها،

وقامت اللجنة بما يلزم من دراسات وأبحاث، ومقترحات وتوصيات كان منها ضرورة الإسراع في بدء تنفيذ برامج لرفع كفاءة وإحلال وتجديد وعمل توسعات في محطات الصرف الصحي بالمحافظة، وتوفير منظومة متكاملة للصرف الصحي في القرى التى تتخلص من مخلفاتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المصارف التي تصب في البحيرة، كذلك إحكام الرقابة على المنشآت السياحية والفندقية وخاصة شركة “إميسال لاستخراج الأملاح” التي تقوم بالتخلص من مخلفاتها في البحيرة.

وتم رفع التقرير إلى رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية ومحافظ الفيوم الذي لم يكن تحركه ملائما لحجم الكارثة التي تتعرض لها البحيرة، ولم تتعامل الدولة معها كأزمة تهدد البحيرة بالتحول إلى مستنقع جالب للأمراض ومتوقف عن الإنتاج الذي أدى إلى هجرة صيادي البحيرة للعمل في محافظات أخرى.

إن غياب الدولة عن المحافظة على الثروات القومية وعدم قيامها بدورها الإداري والسياسي هو أشد ما يصيبها في مقتل ويبعدها عن التقدم ويقودها إلى الفشل، ويمثل غياب السلطة التشريعية في مجلس النواب أحد وجوه هذا الغياب، فلم  يتقدم أحد أعضاء البرلمان من نواب محافظة الفيوم، باستجواب لأحد الوزراء المعنية وزاراتهم بالبحيرة، أو طلب مناقشة أو إبداء اقتراح أو حتى طلب إحاطة أو بيان عاجل عما آلت إليه بحيرة قارون، ووادي الريان وبحيراته الذي له قصة لا تقل إيلاما وحزنًا لما وصل إليه حاله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى