تحقيقات

فيديو وصور| من ينقذ 38 ألف مريض بالسرطان في معهد الأورام بأسيوط؟

 

إعداد – كوثر حسين وأميرة محمد ومحمد الجزار:

في قسم طب أورام الأطفال بمعهد جنوب مصر للأورام بمحافظة أسيوط حيث ممر كبير يصل بين عدة غرف في آخره غرفة العناية المركزة يتواجد أطفال لا يعبأون بشيىء حتى “الكالونا” التي لا تفارق أجسادهم، فهم يلهون ويمرحون في الممر وداخل الغرف وبين أحضان أمهاتهم.

فنقص الأجهزة وغياب بعض الأدوية يظل شبحًا يطارد أرواحهم، ولكن الطامة الكبرى هي تعطل المعجل الخطي منذ 3 أعوام، إذ أنه يسهم في علاج قرابة 5 آلاف مريض بالإشعاع سنويًا، ويرحم المرضى من معاناة السفر والعلاج في المحافظات الأخرى، ورغم ذلك عجزت الدولة عن توفير 20 مليون جنيه لشراء جهاز جديد من أجل إنقاذ هؤلاء المرضى.

ألم وأمل

يختلف قسم الأطفال عن بقية الأقسام، حيث أنه صغير نسبيًا وداخل غرف الأطفال تتزين الحوائط بالرسوم الكرتونية، ومؤخرًا تم تزويده بشاشات تلفزيونية كنوع من وسائل الترفيه عن الأطفال.

التقينا فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الـ 9 أعوام ملامح وجهها الملائكي يضفيه الحجاب جمالًا فوق الجمال، تجلس أمام إحدى الغرف اقتربنا منها وسألناها عن سبب جلوسها فذكرت: “مستنية الدكتورة كرستين عشان تديني الحقنة”، وتضع يديها جنبًا إلى جنب في نظرات مشوشة إلى “الكالونا”.

تقول ندى عبدالله، من محافظة سوهاج، إنها مريضة بسرطان الدم منذ فترة طويلة، بعد أن لاحظ والدها ظهور غدد في قدميها وذهابه بها للطبيب وإجراء عملية طبية تسببت في اكتشاف مرضها بسرطان الدم، فتم تحويلها لمحافظة أسيوط لتتلقى العلاج وأجرت عملية، مضيفة: “بعد العملية خفيت وروحت البيت وقالولى تعالى كل أسبوع علشان أخد جرعة”.

تتابع ندى حديثها أنها ذهبت للهو في إحدى الحدائق فتعرضت لانتكاسة ما أدى لاحتجازها في المستشفى كانت ما بين الحياة والموت واحتاجت لأكياس دم كثيرة حتى تحسنت حالتها قليلًا، وتضيف أنها تفرح في أيام تواجدها بالمستشفى لأنها تلقى معاملة طيبة واحتفالات ترفيهية ينظمونها لهم واللعب في حديقة المعهد، مردفة: “بحب المراجيح اللي في الجنينة ولو مقفولة الأستاذ ياسين بيفتحهالي علشان ألعب”.

وتتمني الطفلة الصغيرة أن تصبح طبيبة مثل التي تقدم لها العلاج بالمستشفى لأنها تحبها كثيرًا، لأنها تعطيها حقن تساهم في تخفيف مرضها.

وعلى سرير آخر تجلس سيدة بجانب زوجها وتجري بعض التمرينات الرياضية لطفلها وهو ينهرها بصوت خافت “كفاية خلاص سبيني”، وما أن لمحنا حتى اعتدل في جلسته وطالبنا بتصويره ضاحكًا، ثم استدار وصمت كثيرًا حتى قالت أم عبدالله، إن ابنها يبلغ من العمر 4 أعوام، وجاءت به من محافظة سوهاج منذ قرابة أسبوعين، بعد اكتشاف مرضه بسرطان الدم وحاجته لعمل أشعة، متمنية أن يعجل الله سبحانه وتعالى شفاءه.

تبرعات

يحدثنا الدكتور خالد فتحي، أستاذ مساعد قسم الأورام ورئيس قسم الأطفال، قائلًا إن القسم به 40 سريرًا، لكن يظل منهم 10 أسرّة خاليين، وبالتالي عدد المترددين على القسم يكون أقل دائمًا.

ويشير الطبيب إلى أن علاج الأطفال قائم على التبرعات، فالناس يتعاطفون بصفة دائمًا مع الأطفال المرضى بعيدًا عن كبار السن، مضيفًا أن المعهد يعاني من نقص في بعض الأدوية، أي أن حوالي ثلث العلاج غير متوفر، ويتم استقدامه من خلال التبرعات.

ويتابع فتحي أن أكثر ما يعاني منه القسم هو غياب ثقافة الوعي لدى أقارب المرضى والمتمثلة في كثرة الزيارات، فمن المعروف أن علاج الطفل المريض يتمثل في العزل التام وهذا لا يتلائم مع الأمهات والأقارب الذين يريدون زيارة مرضاهم.

ويكمل رئيس قسم الأطفال بالمعهد: نعمل خلال الفترة المقبلة على الاهتمام بمنظومة النظافة، فعلاج الأورام 30% علاج والباقي رعاية ونظافة.

وعن العناية المركزة، يقول إن بها 13 سريرًا، حيث أنها بحاجة لبعض التكييفات، وجهاز معقم الهواء، وأجهزة ضخ المحاليل، والتي ذكر أنهم طالبوا بها كثيرًا، كما أنهم بحاجة أيضًا لمضخات وشفاطات لتعقيم الهواء داخل العناية، لافتًا إلى ضرورة الاهتمام بكبار السن المرضى ومساعدتهم في توفير جهاز المعجل الخطي لأن حياتهم لا تقل أهمية عن الصغار.

معاناة

يُعد قسم أورام النساء من أكبر الأقسام في المعهد بسبب تزايد أعداد السيدات المصابة بالسرطان، وأدى إغلاقه بسبب مرور الأطباء في توقيت بعد الظهر لتكدس المرافقين والزائرين أمام القسم وفي الطرقات وعلى السلالم في انتظار الدخول لذويهم، منهم من استغل ذلك في تناول الطعام ومنهم من لجأ للتوسل والدعاء ومنهم من يضرب كفًا على كف يائسًا مما يحدث.

تقول س.م، مرافقة مريضة تُدعى يمنه مرسى، 66 عامًا، من قرية بني سميع بمركز أسيوط، إن حماتها مصابة بسرطان الرحم، وطلب منهم الطبيب توفير 4 متبرعين بالدم دون تحديد فصيلة دم المريضة، فما كان منها سوى التواصل مع أقاربها والاتصال بهم للتبرع، “بقا لنا 3 أيام منتظرين الطبيب يعرفنا نوع فصيلة دم المريضة وكل يوم يقول بكرة وبعده، ومش لاقيين حد يدلنا ولا يعّرفنا حاجة”.

ومن أورام النساء إلى أورام الرجال لا يختلف الحال كثيرًا.. مراحل عمرية متعددة بداية من العشرينات وحتى التسعينات من بينهم رجل بائس ملامحه عاجزة عن التعبير بعد إصابة والده ص. ح، الذي يبلغ من العمر 86 عامًا بسرطان القولون فيأتي به ليتلقى جلسات العلاج الكيماوي ويعود به إلى بلده بعد رفضه احتجاز والده بالمستشفى.

ويردف أنه يخشى على والده من الإهمال الذي يُشاع عن المستشفيات وغالبًا ما يطلب منه الطبيب شراء بعض الأدوية وأكياس الدم من الخارج.

المعجل الخطى

يقول الدكتور محمد إبراهيم، رئيس قسم الأشعة العلاجية والطب النووي، عن كارثة تعطل جهاز المعجل الخطي، إن الجهاز كان يعمل منذ عام 1998 وخدم قطاعات كبيرة من المرضى من بني سويف حتى أسوان، حيث أن القسم كان يستقبل 120 حالة يوميًا، أي ما يزيد على 5 آلاف مريض سنويًا وأكثر من 270 طفلًا، ويعمل به الفنيون حتى الصباح، وبعد توفيره في أحد مستشفيات المحافظات المجاورة قل الضغط على معهد أسيوط وانصب الاهتمام على مرضى أسيوط وسوهاج والمنيا، ولكن ما يميز العلاج الإشعاعي في المعهد هو العلاج ثلاثي الأبعاد ولا يوجد إلا في أسيوط والقاهرة.

ويضيف أن العمر الافتراضي للجهاز الواحد من 8 إلى 10 سنوات، ولكن الجهاز المُعطل ظل يعمل نحو 16 عامًا وهذا بسبب صيانته بصفة دورية، مردفًا: نحن الآن بحاجة لجهاز جديد يتخطى ثمنه الـ 20 مليون جنيه، فمنذ بداية 2009 طالبنا بتوفير جهاز لقرب تهالك المتواجد.

ويرى رئيس قسم الأشعة العلاجية أن المريض هو المتضرر الأول والأخير من تعطل الجهاز لأنه كان يتلقى خدمة علاجية على أعلى مستوى وانقطعت فجأة، فيذهب لمستشفيات الجامعة في المنيا وسوهاج، ما يشكل عبئًا كبيرا عليه من مصروفات ومعاناة.

ويذكر أن إدارة المعهد تواصلت مع كل المسؤولين في الدولة، خاصة مع ارتفاع سعر الجهاز، وتم إعداد دراسة جدوى لشراء الجهاز بالجهود الذاتية وتوصلنا في النهاية لشراء الجهاز بالتقسيط وفي طريقه للوصول بعد الانتهاء من تشطيبات الغرفة الخاصة به وتركيب القاعدة.

ويوضح إبراهيم أن مرض السرطان ينقسم لمراحل من الأولى وحتى الرابعة، ويتلقى مريض السرطان علاج متكامل قائم على ثلاثة عناصر الجراحي، والكيماوي، والإشعاعي، ولا تكتمل منظومة علاج مريض السرطان في غياب واحدة.

ويشير إلى أن نقص أي من تلك العناصر يؤثر تدريجيًا بالسلب على صحة المريض وانتشار الورم داخل جسده فيعوق عملية شفاؤه، وتختلف مراحل الاكتشاف سواء مبكرة أو متأخرة وهذا يساهم في نتيجة الشفاء المتوقعة، وباستخدام جهاز المعجل الخطي يتم تسليط أشعة جاما أكس لقتل الخلايا السرطانية، ويتحكم في عملية الشفاء نوع الورم ومكانه وكذلك مرحلة الإصابة.

كارثة

ومن جانبها تقول الدكتورة إيمان مسعد، أستاذ التحاليل الطبية ووكيل معهد الأورام لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، إن الكارثة الكبرى بالمعهد تتمثل في تعطل جهاز المعجل الخطي، لأنه يعمل منذ عام 1998، وتم تكهينه منذ 3 أعوام.

وتوضح أن المريض يتلقى علاجًا كيماويًا وإشعاعيًا معًا جنبًا إلى جنب وبدون العلاج الإشعاعي يكون العلاج ناقص ودون تأثير، لافتة إلى أن المعجل الخطي يحتوى على مادة مشعة يتم تسليطها على الأجزاء التي بها ورم لضمان عدم عودتها مرة أخرى، ويبلغ ثمن الجهاز أكثر من 20 مليون جنيه.

وتضيف أستاذ التحاليل الطبية أن المرضى منهم من يلجأ إلى تلقي جلسات الإشعاع في مستشفى الشرطة وتكون الواحدة بمبلغ باهظ لا يقوى على دفعه الكثير ومن لا يملك تلك الأموال يتلقى العلاج ناقصًا.

وتذكر الطبيبة إيمان أنهم طرقوا كل الأبواب في سبيل الحصول على جهاز جديد دون جدوى وأولها كان اللجوء لعمل إعلان تلفزيوني مرة واحدة في اليوم لمدة دقيقة بمبلغ مالي 70 ألف جنيه وهو ما باء بالفشل.

وتكمل: حاولنا جمع أموال من بعضنا البعض وامتنع الأطباء معللين بالاستفادة من التبرعات في جلب العلاج للمريض، كما خاطبنا جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية من وزراء ومحافظين وصندوق تحيا مصر وأعضاء مجلس النواب وهيئات مجتمعية للمساهمة في جمع تبرعات، ولكن المبلغ المالي يفوق كافة الإمكانات، وتلقينا وعودًا دون تنفيذ.

وتشير وكيل المعهد إلى أن الجهاز المُعطل كان يخدم نحو 5 آلاف مريض سنويًا، خاصة أن معهد الأورام هو المعهد الوحيد القومي والباقي كله مراكز صحة ويخدم جميع المحافظات من الجيزة وحتى أسوان.

وتضيف: “إحنا تعبنا ومفيش حد غني مع السرطان”، وحاولنا جمع المبلغ من ميزانية المعهد القائمة على التبرعات وهي حوالي 5 ملايين جنيه نصرف منها على المعهد والأدوية والأجهزة ومستلزمات المرضى، لكنها غير كافية.

نواب المحافظة

في الخامس عشر من نوفمبر عام 2015 استقبل معهد جنوب مصر للأورام النواب محمد حمدي الدسوقي، ومرتضى العربي، ومديح عمار، ونعمان أحمد فتحي، وجمال عباس البدري أبوضيف، وراشد أبو العيون، وإبراهيم نظير، وممتاز محمد عامر، ومحمد علي عمر رشوان، في لقاء لمناقشة المعوقات التي تواجه المعهد.

وعرض الدكتور مصطفى الشرقاوي، عميد المعهد، إنجازات المعهد خلال الأعوام الثلاثة الماضية رغم نقص الأجهزة المعاونة من هيئة التمريض وتعرض جهاز المعجل الخطي للإتلاف التام، علمًا بأنه يعتبر من أهم الأجهزة لكونه جهاز علاجي تشخيصي، مشيرًا إلى أنه قدم طلب لشرائه لأكثر من جهة مانحة، وخاطب رئيس الوزراء السابق وعددًا من الوزراء مثل التعاون الدولي والصحة والتعليم العالي، وتم إرسال عروض الأسعار، لكن دون جدوى.

وفي النهاية، طالب النواب من المعهد بتقديم مذكرة تشمل جميع احتياجاته يوقع عليها جميع النواب، ليقوموا بعرضها على الأجهزة المختصة لتوفيرها من قِبل الأجهزة التنفيذية، ولكن حتى الآن لم يُحرك ساكنًا.

مناشدة

وناشد الدكتور مصطفى الشرقاوي، عميد معهد جنوب مصر للأورام – في تصريحات صحفية- وزارة التعليم العالي بسرعة إمداد المعهد بالمبلغ الكافي لشراء جهاز المعجل الخطي، أو أي من الأجهزة الأخرى التي يحتاجها المعهد كأجهزة الرنين والأشعة والتخدير والتنفس الصناعي والتحاليل.

ويشير إلى أن المعجل الخطي جاء بمنحة من وزارة التعاون الدولي في عام 1998، والحل الوحيد لهذه المشكلة هي استبدال الجهاز بآخر، ولكن لارتفاع ثمن تكلفته والتي تتعدى 20 مليون جنيه لا يستطيع المعهد شراؤها إلا من خلال التبرعات.

وحدة زراعة النخاع

وفي سياق متصل أعلن الدكتور أحمد عبده جعيص، رئيس جامعة أسيوط، افتتاح وحدة زراعة النخاع بمعهد جنوب مصر للأورام لخدمة المرضى الذين لا يستجيبون للمعالجات القياسية، مشيرًا إلى أن تلك الوحدة تسهم في تخفيف العبء المادى والنفسي وتقليل قوائم الانتظار للمرضى الذين يعانون من أورام خبيئة ومزمنة، لافتًا إلى استكمال إجراءات إنشاء معهد جديد للأورام بمدينة أسيوط الجديدة بمساحة تتراوح ما بين الـ 30 إلى 40 فدانًا.

عن المعهد

جاءت فكرة إنشاء المعهد في عام 1990 وبدأ العمل به رسميًا كمعهد علمي مستقل تابع لجامعة أسيوط في 29-12-1999، ويخدم 8 محافظات بصعيد مصر وهي المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان والبحر الأحمر والوادي الجديد، بما يزيد عن 25 مليون نسمة تعداد سكانهم، ويتردد عليه نحو 38 ألف مريض سنويًا، ويضم 10 أقسام وهي قسم طب الأورام، وقسم الأطفال، وجراحة الأورام، وقسم التخدير والإنعاش وعلاج الآلام، وقسم الأشعة العلاجية والطب النووي، وقسم الباثولوجيا الإكلينكية، وقسم أشعة الأورام التشخيصية، وقسم بيولوجيا الأورام، وقسم الإحصاء الطبي ووبائيات السرطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى