تحقيقات

حرمان المرأة من الميراث.. معاناة رسختها تقاليد المجتمع “الذكوري”

حفل النص القرآني بالعديد من الآيات التي ترسخ مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، فلم يضاعف من ثواب الرجل ويخفف من عقابه، ولم يضاعف بالمقابل من عقاب المرأة ويخفض من ثوابها ودل قوله تعالى في القرآن الكريم: “يا أيها الذين آمنوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (سورة الحجرات – الآية 13) على أن معيار إكرام المرء عند الله هو التقوى، وليس شيئًا آخر.

ونصت الشريعة الإسلامية على حق المرأة في الميراث بعد أن كانت محرومة منه في السابق، فقد كان الإرث محصورًا على من يقاتل للدفاع عن القبيلة وعلى من يحوز الغنيمة ويحمي الديار، حتى أن المرأة نفسها كانت جزءًا مما يورث.

“ولاد البلد” تسلط الضوء على مشكلة الحرمان من الميراث، والتي تؤرق المجتمع المصري، لاسيما في محافظة الفيوم، والتي تنتشر فيها هذه الآفة وتتسبب في العديد من المشكلات.

طريق شاق

وفاء رسمي، ربة منزل، 42 عامًا، وأم لثلاثة أبناء بنتين وولد، توفي زوجها منذ ست سنوات في حادث، ترك لها الشقاء والمعاناة ليس في تربية أبنائها والطريق الشاق الذي أمامها، لكن ما تواجهه من شقاء للحصول على حقها في ميراثه كان الأصعب، في تركة عبارة عن شقة من مساكن الإسكان “الشعبي” وقطعة أرض حصل عليها الزوج في مشروع ابني بيتك بمدينة الفيوم الجديدة، والتي اقترض المال للانتهاء من المرحلة الأولى في بناءها، إضافة إلى قيمة الأقساط المتبقية للمحافظة.

تقول وفاء: بعد وفاة زوجي بأيام، بدأ إخوة زوجي ووالدته في مضايقتي وأولادي، فطلبوا مني أن أوافق على الزواج من أحد إخوة زوجي المتزوجون جميعهم، فرفضت، ومارسوا عليّ ضغوطًا كثيرة لبيع منزل الزوجية، وتقسيم ثمن بيعه عليهم، بحجة إنه شؤم”.

وتضيف: “كما أتعرض لمضايقات دائمة تحملني السبب في موت زوجي لأني صاحبة فكرة شراء البيت الذي مات وهو في الطريق إليه”.

وتكمل: ذهبت بعد نصيحة الجيران إلى المجلس الحسبي، وأخبرت المجلس بكل التركة، رغم أن أولادي يعيشون مع أهل زوجي الآن، وتحملت سداد المبالغ التي اقترضها زوجي، ولكن لم تنتهي مشكلاتي مع أهله، وتصر أم زوجي على عرض نصيبها في المنزل للبيع، رغم تأخري في سداد أقساط المحافظة.

وبعين يملأها الأسى والحزن تقول وفاء: “تعبت جدًا، تعلمت الأشغال اليدوية وبيع ما أنتجه، لأنه ليس لديّ معاش سوى 90 جنيهًا، لا تكفي للإنفاق على أولادي ومصروفات المنزل”.

استغلوا عدم معرفتي

أما نادية محمد عبد الفتاح، 48 عامًا، ربة منزل وأرملة تعول خمسة أولاد، فتقول: كان زوجي موظف، وهذا ما وفر لي معاش 700 جنيه، لكنه كان شريك مع إخوته في تجارة الدواجن وجرار زراعي، وكان يمتلك مزرعة دواجن، بعد وفاته أخذ إخوته كل شىء واستغلوا عدم معرفتي بشراكتهم، وقالوا لي إنه ليس لدي حق في تركته لوجود والد زوجي على قيد الحياة، مرددين المثل “اللي أبوه يموت قبل سيده الزمن يكيده”، ولم يساهموا معي بأي شىء في زيجات ثلاثة من بناتي.

رضيت بالأمر الواقع

وتروي ماجدة محمود، متزوجة منذ 20 عامًا ولديها بنتان، قصة أخرى من قصص المعاناة للحصول على الحق في الميراث، ففتقول: لم آخذ حقي كاملًا من إخوتي بل أخذت “ترضية” بلغت 35 ألف جنيهًا، وتنازلت عن ميراثي في الأرض ومنزل والدي، وما حصلت عليه لا يصل لربع القيمة الحقيقة لإرثي، بحجة إنه لا يجب أن أقف أمام إخوتي في المحاكم فرضيت بالأمر الواقع أنا وإخوتي البنات وتركنا ميراثنا لإخوتنا الذكور.

وتضيف: ما أخذته أعطيته لزوجي ليكون جزءًا من تجارته في العقارات التي بدأ الاتجار بها منذ خمسة عشر عامًا، ووعدني أن مكسبي محفوظ، وهو الآن يريد الزواج من أخرى، وحين طالبته برد أصل ما ساهمت به في الشراكة معه وأرباحه قال “مالكيش حاجة عندي لو معاكي ورق يثبت قدميه”.

وتضيف بحزن: “لو اطلقت هروح فين ماليش مكان حتى في بيت أبويا”، وليس لدي عمل كي أتمكن من الإنفاق على نفسي، وليس أمامي غير تحمل مرارة العيش أفضل من “الرمي في الشارع”.

لا يتوارثها الأغراب

تقول ملك صلاح حسان، 27 عامًا، متزوجة، إن قرية العجميين تتبع مركز أبشواي، وهي من القري التي لا تورث النساء وتحرمهم من حقوقهم، خاصة العائلات الكبيرة، اعتقادًا منهم أن هذه الممتلكات هي ملك لشباب العائلة ولا يتوارثها الأغراب من خارج العائلة مثل زوج البنت.

وتضيف ملك: أعلم جيدًا أنه بعد وفاة والدي، لن نحصل أنا وإخوتي البنات على حقنا في التركة، والتي تقدر بما يزيد عن المليون جنيه، وسوف يكون مصيرنا مثل مصير عماتي اللائي لم يأخذن حقوقهن حتى الآن بعد وفاة جدتي وجدي، رغم حاجة بعضهن، ويحكم سيدات القرية تقاليد ظالمة، ويقال إنه من “العيب أن تطلب البنت حقها في أرض الرجالة”، ولا أسمي هذا سوى ضعف إيمان وعدم تطبيق لشرع الله.

وتتفق مع ملك حماتها، نجاح ميزار، 52 عامًا، فتقول: “بعد وفاة والدي كان عمري 17 عامًا، وكانت والدتي الوصية عليّ، وكانت تركة والدي عددًا من الأفدنة والمنازل، التي باعتها والدتي صوريًا لإخوتي الذكور”.

“انتي مش محتاجة

وتكمل نجاح قصتها قائلة: عندما تزوجت وطالبت بحقي في الميراث رفض إخوتي، بحجة “أني لست محتاجة، وزوجي ميسور الحال”، وبعد نزاع أخذت أقل من حقي بكثير.

وترف نجاح: المشكلة ليست مشكلتي أنا وزوجة ابني فقط بل هي مشكلة معظم سيدات قريتنا التي ترسخ فيها عرف وتقليد أن البنت ليس لها في بيت أهلها سوى جهازها عند زفافها، وأيضًا زيارتها في بيت زوجها في المواسم والأعياد.

شكاوى متعددة

من جهتها تقول إيمان سيد، محامية بمكتب شكاوى المرأة بالمجلس القومي للمرأة فرع الفيوم، إن 70% من السيدات يقبلن بـ”الترضية” إثر وجود خلافات على حقهن في الميراث، ويفضل معظمهن ذلك خوفًا من مقاطعة إخوتها الذكور لها، كما أن بعض السيدات يعملن بمقولة “أفضل من ما فيش”.

وتضيف: معظم الحالات التي تأتي إلينا تكون متعلقة بمشكلات الميراث كالمساعدة في رفع قضايا لأخذه، أو تنفيذ أحكام بحقهن في الميراث، وفي ذلك يساعدنا مدير الأمن، اللواء ناصر العبد، والذي تعاون معنا بشكل كبير جدًا في تمكين سيدات من ميراثهن.

وتشير إلى هناك أيضًا شكل من أشكال الحرمان من الميراث، فأهل الزوج المتوفي يضغطون لتكون السيدة التي توفي زوجها زوجة لأحد إخوته بحجة “مال أخونا ميطلعش برا”، كما أن هناك أيضًا أسر تقر بحق المرأة في التركة ويكتبون ما يثبت ذلك، لكن لا يمكن للسيدة أن تمارس أي شكل يثبت تملكها لحقها وهو ما يعد توريثًا “صوريًا” وإذا رغبت السيدة في بيع نصيبها لا يمكنها البيع لأحد خارج الأسرة.

وعن ما يقدمه المجلس للحالات أو الشكاوى التي ترد له، تقول إيمان سيد، تقول إيمان: نقدم المساندة القانونية لغير القادرات مجانًا، ونتابع سير القضية في المحاكم، وهناك مسؤول اتصال خاص بالمجلس رشح من قبل مديرية الأمن لتذليل الصعاب وتنفيذ الإجراءات التي يكون الأمن طرفًا فيها.

معززة مكرمة

ويرى عبد الفتاح الجندي، مدير إدارة سابق بالتربية والتعليم، أن عدم إعطاء السيدة حقها في منزل والدها شىء جيد، مشيرًا إلى أنه أعطى حق أخته في الأرض، وسلمها ما خصها من أموال تركة والدهما.

ويضيف: لكن في منزل والدنا لم أعطها نصيبها، ليس طمعًا مني في ميراثها، ولكن حفاظًا على كرامتها فيما بعد، حتى يكون لها مكان تملكه تأت إليه وقتما تشاء بدون مضايقة من أحد، وللحفاظ عليها من غدر الزمان من جهة أبنائها وزوجها.

إجراءات المساندة

ويقول محمد إبراهيم عبدالغني، المحامي بمكتب مساندة المرأة التابع لمركز قضايا المرأة المصرية فرع الفيوم، إن المكتب يوفر ثلاثة أشكال من الدعم “قانوني ـ نفسي – اجتماعي” ولديه متخصصين في ذلك، وتترد على المكتب السيدات اللائي يردن الدعم، وبداية نتأكد من صحة ما تقوله السيدة قبل دراسة الحالة دراسة سليمة عن طريق المسؤول بالمكتب، وعند التأكد من صحة الشكوى تتم إجراءات المساندة.

ويتابع أن أغلب شكاوى المترددات على المركز تكون متعلقة بقضايا الحرمان من الميراث، موضحًا أن هناك عدة أنواع لهذا الحرمان مثل الحرمان من الميراث من جهة أهل الزوج المتوفي وتمثل نسبة 75% من الحالات، أو عدم إدراج جميع تركة المتوفي في حالة وجود قُصر في المجلس الحسبي، وهو الجهة المسؤولة عن الحفاظ على حقوق الأطفال القُصر ومنع التصرف في التركة وتسليمها لهم عند البلوغ.

ويضيف أن هناك شكلًا آخر من الحرمان من الميراث وهو الجد الولي، فعند وفاة الإبن ووجود الأب على قيد الحياة يعين بدون إجراءات كوالد بديل “الجد الولي” حتى في وجود الأم، وهناك حالات كثيرة ترد إلينا، حيث كتب الجد ثروته لأبنائه وحرمان أولاد الأبن المتوفي، وعدم التكفل حتى بنفقاتهم.

ويكمل: كما أن هناك حرمان السيدات من جانب أهلها أو أخواتها تحديدًا، ورغم وجود هذه الفئة بكثرة، لكن أغلب الحالات لا تبلغ ولا تلجأ للتقاضي خوفًا على علاقاتها مع أهلها، وهناك من يستسلمون لنظام التراضي وتقبل بأي تسوية.

ويرى عبدالغني أن هناك مشكلة خطيرة في القانون، حيث تكون جميع قضايا الميراث مدني وليس جنائي، لذلك تكون العقوبات غير رادعة، وفي حالة وجود انتهاك للقانون لا تتعدى العقوبة الإلزام برد حصة الميراث أو التعويض، ما عدا قضايا الميراث التي تخص الأطفال القصر والتي تحول للعقوبات لأنها تعد تبديد أموال أو استيلاء عليها.

ويضيف المحامي: تقدمت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، بالتعاون مع هيئة كير الدولية، بمشروع قانون سمى بـ “ميراثي حقي”، وشنت حملة حتى يضاف نص في قانون العقوبات يجرم الحرمان من الميراث، والآن هذا المشروع أمام مجلس النواب، ونتمني أن يمرر سريعًا، لتغير هذا الوضع المؤسف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى