بين الناسوجوه

رفات طيار ألماني.. ما تبقى من ذاكرة الحرب العالمية بـ “وادي الحيتان”

الفيوم- هدير العشيري وياسر محمد:

سقطت طائرته، لم يعرف كم مر من الوقت؟ وحده وسط وحشة الصحراء، وتلال رملية صغيرة، ونتوءات صخرية من الحجر الرملي ذات أشكال متنوعة، جعلت المكان أشبه بمنطقة قبور وتلك النتؤءات شواهدها.

أسند جسده الذي غطته الجروح و الكدمات، رفع عينيه للسماء وسحبها البيضاء فوق رأسه، عرف أن لا غيث، الخوف وحده كان سيد الموقف، كان المدى أصفر.. فقد إحساسه بكل شيئ عدا إحساسه بالموت الذي يحاصره.. مازال في أذنه صوت زملائه وأزيز الطائرات وأصوات المدافع وانفجار القنابل.

يكابد الموت، يعاني وحيدًا لحظة اقترابه، الظمأ يأكل روحه التي تخبو، وحريق طائرته التي تحولت لهيكل فحمي لا فائدة منه، لم يجد قطرة الماء التي يريدها ويبحث عنها في محيط سقوطه.

داهمه ليل الصحراء، أدرك أن لا مفر من مواجهة مصيره المظلم، فلا البكاء ولا الألم ولا الظمأ سيغيرون قوانين الموت المحتم، فاستسلم، لكن قبل لحظة استسلامه والخوف الساكن فيه وهو في العراء يغوص في الرمال وتغوص الرمال بدورها فيه، نهض واقفًا فمرت في ضلوعه لحظة الزمن، وقبل أن تسري الرعشة الغبية في جسده، أمسك بقطعة حديد من حطام طائرته ونحت في الصخرة التي يستند عليها اسمه وبضع كلمات باللغة الألمانية، ربما ترمز إلى مدلولات لا يفهمه سواه.

الموت في الصحراء أصعب موتة، كونه لايأتي فجأة ولا يأتي بسرعة، ففي جولته الأولى يرمي حفنة من الرمال في فم وعيني ضحيته، وفي الجولة الثانية يحكم سيطرته ويشتد الظمأ، ثم بالقاضية حين ييبس الحلق وتكون لحظة النهاية.

عتمان عبد العاطي، 32 عامًا من أبناء مركز يوسف الصديق، يعمل في مجال السياحة منذ عشر سنوات، قادته الصدفة إلى العثور على رفات هذا الطيار، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، التي كانت نزاعًا دوليًا مدمرًا بدأ في الأول من سبتمبر 1939 في أوروبا وانتهى في الثاني من سبتمبر 1945، وشاركت فيه الغالبية العظمى من دول العالم، في حلفين رئيسيين الحلفاء ودول المحور، وتعد الحرب الأكثر كلفة في تاريخ البشرية، حيث شارك فيها أكثر من 100 مليون جندي، وتسببت بمقتل ما بين 50 إلى 85 مليون شخص ما بين مدنيين وعسكريين، أي ما يعادل 2.5% من سكان العالم في تلك الفترة.

ونظرًا لاتساع بقعة الحرب وتعدد مسارحها وجبهاتها، فقد شهدت منطقة العلمين بمحافظة مطروح طوال شهور عام 1942، مجموعة من المعارك التي تمثل أهم معارك التحول في الحرب العالمية الثانية، كما شهدت الصحراء الليبية معارك طاحنة بين قوات الحلفاء ودول المحور، ويحتمل أن تكون طائرة هذا الطيار المقاتل سقطت أثناء هروبه من المعارك الضارية التي دارت في الصحراء الليبية القريبة من حدود محافظة الفيوم.

يقول عتمان: كان لي معرفة بقصة الطيار الألماني، من رواية المحيطين بي سواء من عائلتي أو أهالي قريتي، فقد كانت القصة الشائعة منذ طفولتي عن سقوط الطيار الألماني بمنطقة “المنفردة” التي تبعد عن وادي الحيتان بحوالي 7 كيلو متر، بجوار صخرة أطلق عليها أهالي القرية “صخرة الألمان” كان الطيار مصابًا نتيجة سقوط طائرته طراز “جانكر 88 أ”، فدون على هذه الصخرة العالية الدائرية الشكل علامات باللغة الألمانية، وترك بطاقة تعريفه المعدنية.

ويتابع عتمان أنه منذ ثلاث سنوات وأثناء تجواله بالمنطقة، نبش بعصا كانت معه تحت الرمال فوجد بعضًا من رفات الطيار، عبارة عن قدم غير متحللة وتحتفظ بشكلها، فدفنها مكانها ولم يخبر أحدًا سوى بعض أقاربه من المحيطين بالمنطقة، وما زالت القدم مكانها وبالشكل نفسه الذي كانت عليه منذ ثلاث سنوات.

ويشير عتمان إلى أن زوار ألمان كانوا يأتون لزيارة المكان، منذ سنوات طويلة، وانقطعوا عن الزيارة بعد أحداث 25 يناير.

ويتمنى عتمان أن يحول المكان إلى مزار سياحي يحفظ ذكرى مقاتل خلال الحرب العالمية الثانية، على غرار مقابر “الكومنولث” ومقابر “العلمين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى