بين الناسوجوه

“علي الروبي” ابن الفيوم.. رفيق “عرابي” الذي رفض تقديم التماس بالعفو ومات بالسودان

من خلال الانخراط في الجيش والتعليم، وتملك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية؛ منح المصريين فرصة للصعود الاجتماعي، وهو ما ساهم في ظهور الطبقة الوسطى التي تشكلت منذ أوائل القرن التاسع عشر، مع بداية حكم محمد علي، والأسرة العلوية ومحاولاتها تحديث مصر، وهو ما أدى إلى حلول هذه الطبقة تدريجيا محل الأجانب من الأتراك والمماليك والأرمن، لتلعب دورا ثوريا ظهر في الثورة العرابية، التي رغم هزيمتها وانتهائها بالاحتلال الإنجليزي لمصر في عام 1882، إلا أن الدور الثوري الذي لعبه أبناء هذه الطبقة سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ.

وسنتخذ ابن الفيوم على الروبي، أحد زعماء الثورة العرابية، مثالا على كفاح هذه الطبقة.

وكيل أول وزارة للسودان

ولد على الروبي بقرية دفنو، إحدى قرى مركز طبهار، حينذاك، ومركز إطسا حاليا، وهو ابن لأحد الأعيان الذين كانوا يهتمون بتعليم أبنائهم، فقد تعلم في كتاب القرية وأجاد القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ولما بلغ الخامسة عشرة درس بالأزهر، والتحق بالجيش بعد إنهاء دراسته، حين أمر الخديوي سعيد بإلحاق أبناء المشايخ و الأعيان بالجيش.

شارك في حملة الخديوي سعيد، التي وجهت إلى الحبشة في الفترة من 1868 إلى 1876م، التي ‏تكبد فيها الجيش المصري خسائر فادحة في الرجال و المال، ورقى إلى رتبة قائمقام، ثم رتبة أميرالاي، عندما شغل أحمد عرابى وزارة الحربية، وعين كبيرا لمعاوني وزارة الداخلية، ثم رئيسا لمحكمة المنصورة، ثم نقل رئيسا لمحكمة مصر، وانضم مرة أخرى للجيش عندما بدأت تباشير الحركة العرابية، ونال لقب الباشوية، وتم تعيينه وكيلا لوزارة السودان، فكان وكيل أول وزارة للسودان في تاريخ مصر.

علاقته بعرابي

تأسست الجمعية السرية لضباط الجيش المصري الوطنيين عام 1879 م، أواخر عهد الخديوي إسماعيل، وكان أهم ما تهدف إليه فتح باب الترقي أمام المصريين، وتوطدت علاقته بأحمد عرابي أثناء حرب الحبشة عندما عين علي الروبي رئيسا لفرع المهمات.

وكان من بين أعضاء المجلس العسكري الذي شكله عرابي وتكون من خمسة عشر عضوا لمحاكمة الضباط الشراكسة الذين اتهموا بالمؤامرة على عرابي، بعد قيامه بقصر الترقية على الضباط المصريين، ما أدى إلى تدبير مؤامرة لإغتياله، وصدر ضد أربعين ضابطا شركسيا حكما بالنفي المؤبد إلى أقاصي السودان وتجريدهم من الرتب والامتيازات العسكرية والنياشين.

رفض الخديوي توفيق، الذي تولى مقاليد الحكم بعد إسماعيل، التصديق على الحكم، وأعلن مجلس النواب ضرورة خلع الخديوي ومحاكمته، كما أعلن المجلس تضامنه مع محمود سامي البارودي، الذي عينه الخديوي وزيرا للحربية بعد عزل عثمان رفقي.

المجلس العرفى يناصر الثورة

وبسبب سوء الأحوال الاقتصادية، والتدخل الأجنبي في شؤون مصر، اندلعت في 9 سبتمبر 1881 الثورة العرابية، وشارك فيها مدنيون من جميع فئات الشعب، ونجحت الثورة في فرض “البارودي” رئيسا للوزراة الجديدة، التي تشكلت بعد عزل حكومة رياض باشا.

وعلى أثر ذلك، حشدت انجلترا وفرنسا أسطولهما في الإسكندرية، وقدم قنصلاهما مذكرة بضرورة نفي عرابي، وتحديد إقامة بعض زملائه، وعلى أثر ذلك استقالت حكومة البارودي بعد أن رفضت هذه المطالب، وقبلها الخديوي توفيق.

ضرب الإنجليز الإسكندرية وظهر وقوف الخديوي بجانب سلطات الاحتلال الانجليزي، واجتمع مجلس إدارة الحكومة “المجلس العرفي” الذى أسسه عرابي للتشاور في أمور البلاد، وكان علي الروبي من بين أعضائه، واستقر رأي المجلس على عقد اجتماع بديوان وزارة الداخلية، حضره وكلاء الوزارة وبعض كبار الضباط والموظفين ودعى إليه الأعيان والعلماء ورؤساء الطوائف الدينية والملل والوجهاء وكبار موظفي الحكومة في هيئة جمعية عمومية أسموها مجلس العموم، لاتخاذ ما يلزم من قرارات نيابة عن الأمة، وتولى هذا المجلس سلطة الحكم، وظل كذلك خلال الحرب بين العرابيين والإنجليز.

وقد قرر المجلس بعد مداولات ضرورة لزوم الاستمرار في الاستعدادات الحربية مادامت عساكر الإنجليز في الإسكندرية، ومراكبهم في مياهها، ما أثار حفيظة الخديوي فقرر في 20 يوليو عزل عرابي من وزارة الحربية وتعيين عمر باشا لطفي، محافظ الاسكندرية، بدلا منه.

مناصب مؤثرة

قرر المجلس العرفي بقاء عرابي في منصبه، وخطب “الروبي” في أعضاء المجلس، موضحا دور عرابي في الدفاع عن الوطن، منددا بالخديوي الذي يريد تسليم البلاد للإنجليز، موضحا ضرورة الاستمرار في الحرب حتى لا يدخل الإنجليز البلاد ويهتكوا الأعراض ويعتدوا على المقدسات، وبعد أن انتهى علي الروبي من كلمته، تعالت أصوات الحاضرين بحياة عرابي وبضرورة تواجده على رأس الجيش.

تولى علي الروبى مناصب كانت مؤثرة في مسيرة الثورة، فبعد قيام الحرب بين العرابيين والإنجليز، عينه عرابي قائدا لمنطقة مريوط العسكرية، وبعد إصابة راشد باشا حسني، وعلي باشا فهمي، في معركة القصاصين استدعي عرابي “الروبي” لقيادة منطقة التل الكبير.

حضر علي الروبي عصر يوم 12 سبتمبر 1882م إلى التل الكبير وكانت المعركة فجر 13 سبتمبر، وهي المعركة التي هزم فيها جيش عرابي هزيمة نكراء، وذهب عرابي والروبي إلى مقر وزارة الحربية بالقاهرة حيث كان يجتمع المجلس العرفي وشرح عرابي أسباب الهزيمة، لكن المجلس قرر تسليم مصر للإنجليز.

محاكمة علي الروبي

قدم علي الروبي إلي المحاكمة، وأعلن تحمله مسؤولية كل الأعمال التي قام بها أو شارك فيها، ورفض أن يدافع عنه محام انجليزي، ورفض وحده من بين زعماء الثورة العرابية تقديم التماس بالعفو إلى الخديوي، وحكم عليه بالنفي إلى السودان لمدة عشرين عاما، وتجريده من رتبه ونياشينه، ليموت بسواكن في السودان .

لم يكن على الروبي هو الفيومي الوحيد الذي شارك في الثورة العرابية بفاعلية، فقد كان من بين الجمعية العمومية التي تشكل منها المجلس العرفي، الذي أوكلت له مهمة إدارة شؤون البلاد، وضم مجموعة كبيرة من أعيان وعمد وضباط وموظفي الحكومة من أبناء الفيوم.

فقد حكم على أدم الأرناءوطي أحد الأعيان بالنفي لمدة سنتين لبيروت وتجريده من الرتب والامتيازات والمناصب وعلامات الشرف، كما قضى على سعداوي الجبالي، والسيد مصطفى، وعلي الهواري، وخلفية طنطاوي، والسيد مؤمن، وعمدة عربان البراعصة، وعبد النبى عبد الله البياضي، وجميعهم من عمد الفيوم بالإقامة في قراهم تحت ملاحظة الضبطية ودفع تأمين مالي وتجريدهم من الرتب والامتيازات .

ومن الموظفين الذين حكم عليهم بالإقامة في قراهم تحت ملاحظة الضبطية وتجريدهم من الرتب والنياشين والامتيازات: يعقوب بك صبري، مدير الفيوم، وحسن فراج ومحمد المسيري .

كما تم فصل ضباط وتجريدهم من رتبهم وامتيازاتهم وحرمانهم من مرتب الاستيداع ومعاش التقاعد، بتهمة اشتراكهم في العصيان وهم يوزباشي أحمد سيد أحمد، من مركز سنورس، و يوزباشي السيد عبد الرحمن من بندر الفيوم، ويوزباشي منجود محمود من قرية ترسا، وأحمد حمدي ملازم أول سواري من بندر الفيوم، وإبراهيم حسين، ملازم أول بيادة من قرية إبجيج، ومحمد رمضان ملازم أول بيادة من قرية هوارة عدلان، ومحمد على ملازم أول بيادة من بندر الفيوم .

مصادر

  • كتاب تاريخ الفيوم لـ إبراهيم رمزى
  • الثورة العرابية لـ عبد الرحمن الرافعى

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى