رأي

رمضان الليموني يكتب: لماذا ندين بالولاء لنظرية المؤامرة؟!

لقد أصبح بريق نظرية المؤامرة يفتن العقول، ويتسلط على المنطق في تحليل الأحداث، ولما لا فمن شأنها أن تغذي الشعور الجماعي بنشوة التميّز والتفرّد عن سائر أفراد البشر والأمم، وهي في الوقت ذاته عامل مريح جداً من عناء الشعور باللوم نتيجة الفشل أو التقصير، وهي من جانبٍ آخر مهمة كحالة تبريرية لكل ما نعتقده من أفكارٍ وسلوكياتٍ على مدار حياتنا.

وبرغم أن ” نظرية المؤامرة” تعتبر مجرد أفكارٍ وتصوراتٍ تحتمل الصواب أو الخطأ لكنّها قد أصبحت متجذرة في ثوابتنا الفكرية وثقافتنا اليومية التي نرجع إليها فشل الكثير من قراراتنا الحياتية، وربما قد ساهم في ذلك هو توافر التربة الخصبة التي نجمت عن انخفاض وتدهور التعليم وانتشار الجهل وتشبّث أفراد المجتمع بالخرافة بديلاً عن التفكير العلمي.

ففي أغلب الأحيان يصرّ الأفراد على تحليل الأحداث من منظور نظرية المؤامرة وهي حالة تحدث بسبب عدم الرغبة أو قدرة المواجهة على التفكير في الواقع والنظر إلى الأحداث كسلسلةٍ مترابطةٍ، وبرغم افتقاد معظم نظريات المؤامرة إلى الأدلة التي تدعّم التاثر بها، لكن يظلّ المطلوب هو الحصول على مجرّد جزءٍ بسيطٍ من الحقيقة، ثم الشروع في إقامة فقّاعةٍ ضخمةٍ من الخيال وصناعة وقائع غامضة وملتبسة ترسّخ إيمان الأفراد بنظرية المؤامرة.

إننا نتعايش على رؤيةٍ مستمرةٍ نابعةٍ من ذلك الشعور، لكننا في بعض الأوقات قد نحيد عن تلك النظرية ونعمل على تصديق نظرية أخرى ربما تناقضها تماماً، وفي كلّ حالةٍ نجتهد ونرهق أذهاننا في صناعة تبريراتٍ لموقفنا في كلتا الحالتين، والأغرب أننا إذا ما اكتشفنا أو تكشّفت لدينا أدلةٍ ما قد تساهم في تغيير موقفنا تجاه حدثٍ معين، فإننا قد نعتبر تلك الأدلة الجديدة بمثابة تأكيدٍ لنظرية المؤامرة التي نؤمن بها بدلاً من نفيها أو التشكيك فيها.

لقد تغذت الأمة العربية منذ قرون على الشعور بالتميز والعظمة عن سائر الأمم والشعوب، في الوقت الذي نسبح فيه على مستنقعٍ من التخلف الحضاري والمعرفي، وهو أمرٌ متناقض، ومن ثم نسعى دائماً للإيمان بنظرية المؤامرة لإراحة أنفسنا وعقولنا من التفكير في أسباب هذا التناقض، ونبذل قصارى جهدنا في تدعيم الشعور بالمؤامرة بأدلةٍ جديدةٍ وتفسيراتٍ مشوشةٍ ومشتتة وغامضة.

ربما تثبت أحداث التاريخ ما تعرّضت له الأمة العربية من مؤامراتٍ استعماريةٍ، لكن ولدى جميع الشعوب العربية يؤتي الاعتقاد بنظرية المؤامرة ثماره وفاعليته كعاملٍ مريحٍ للمجتمع من الشعور بالفشل أو مواجهة الذات بالنقد والتحليل.

ولأننا كثيرا ما نميل إلى الأشياء البسيطة، الواضحة والمفهومة، فقد ننفر من التعقيدات والتفسيرات الغامضة والملتبسة للأحداث، وهو ما يدفعنا إلى اللهث وراء الأسباب الواضحة أو المبرر البسيط الذي يمكننا أن نلقي عليه تبعة كل المشكلات والعقبات التي تواجهنا في حياتنا التي حشرناها داخل صندوقٍ ضيّق ولا نريد إخراجها منه.

بقدر ما يسهم الشعور بنظرية المؤامرة بالراحة النفسية والهروب اللا إرادي من مواجهة الذات ونقدها، فإن تغلغل نظرية المؤامرة في كل سبل حياتنا إنما يعزز مكانة الأنظمة الديكاتورية والتسلطية ويساهم في التلاعب بالجماهير وتضليلها، وجرّ المجتمع إلى معارك فرعيةٍ وهزيلةٍ سواء بين أفراده بعضهم البعض أو بين المجتمع وبين السلطة الحاكمة.

كاتب المقال باحث اجتماعي وسياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى