رأي

الروائي محمد جمال الدين يكتب: عندما تقرأ من جديد

عندما عاودت قراءة رواية “عناقيد الغضب” للكاتب الأمريكي الأشهر “جون شتاينبيك”، تلك الرواية التى هزت الوسط الأمريكى وقت صدورها فى ثلاثينبات القرن الماضى، والتى وضعت الرئيس الأمريكى روزفلت فى مأزق حقيقى وحركت الرأي العام الأمريكى ضد طبقة الإقطاعيين  التي ملأت البلاد بجثث الأمريكيين الذين ماتوا جوعا، و تسببت بعد ذلك فى تغيير الكثير من القوانين الأمريكية وتعديل التشريعات وخففت من الاحتقان الشديد الذى أصاب أبناء الشعب الأمريكى الكادحين.

وما أدهشنى أن الرواية التى صدرت منذ ما يقرب من 80 عاما استطاعت أن تفعل كل هذا  فهي كما قالوا عنها رواية ملعونة مأفونة بذيئة مدحها النقاد ولعنوها فى نفس الوقت، فهي رواية بلا قيود على أى شئ فى الحياة والموت، والإيمان والكفر، والتحرر الذى لا يحده سقف فى أقصى درجات التعبير عن الحريات التى عاش الإنسان ومات من أجلها.

وما آلمنى كأديب كيف يمكن لرواية أن تصنع كل هذا الجدل وأن تصبح آداة قوية للتعبير والتغيير وعرفت أن بعض الروائيين بعيدا عن مواهبهم الخارقة أمثال شتاينبيك محظوظون بحجم هذا الخلود الإنسانى الذي يمكن أن تصنعه إحدى رواياتهم،  وأدهشنى أن أجد بين سطور تلك الرواية المكتوبة منذ عدة عقود كل هذه “الطزاجة” واللغة المعبرة النقية السهلة التى لا صلف فيها ولا استعلاء ولا بهلوانية أو إدعاء كما يحاول البعض الآن أن يصنع ما يظنه جديدا ولافتا ومتغيرا ومحدثا لكنك لا تجد شيئا إلا مجموعة من الخطوط  التى خطت على أوراق ربما لو بسطناها لكان الوضع أفضل ولو أعدناها إلى شكلها الكلاسيكى المفهوم لكان الفاهمون أكثر.

وبالحديث عن الرواية وعن الإجرام الذى ارتكبه الإقطاعيون فى حق الشعب الأمريكى، وتوحش رأس المال المستبد فإن لحظتنا الحالية ليست بعيدة عن ذلك خصوصا بعد أن علمت بإختفاء بعض أصناف الدواء من السوق لأن أصحاب شركات الدواء يريدون رفع الأسعار والحكومة ترفض لحرج موقفها فرجال الأعمال قد يصبحون أكثر لعنة من شخوص رواية “عناقيد الغضب”، والفقراء سيعانون كثيرا من جشعهم  مع عدم وجود سقف معقول لأرباحهم، وأن ما نتوهمه عن وجود رجال أعمال وطنيين صار وهما حتى لو تشدق البعض بذلك، فلا شك أن الكثيرين منهم ما زالوا جاثمين على جثث الفقراء، والرواية التى أشعلت الغضب الأمريكي لم تكن إلا بداية، لكنها ولا شك حاصرتنى بالكثير من الأفكار عن الكتابة وعن تكسر الآمال وانسحاقها وجشع رجال  الأعمال، والشعوب التى لا تقرأ ولا تقدر قيمة الكاتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى