بين الناسوجوه

إبراهيم رمزي.. من مدح الخديوي إلى داعٍ لقيم الحرية والتمدن

ظهرت الصحافة الإقليمية في مصر عام 1879 وهو عام صدور جريدة “التجارة” بالإسكندرية على يد أديب إسحاق، وكانت الفيوم على موعد لتكون ثاني إقليم مصري تظهر فيه صحافة إقليمية، ففي 26 يناير 1894 ظهرت صحيفة أسبوعية سياسية هي “الفيوم” أصدرها الشاب إبراهيم رمزي، الذي ولد في الفيوم عام 1867م، وألحقه والده بمدارس الفيوم الابتدائية، ولم تطل مدة تلقيه العلوم فيها حتى دخل مدرسة مارسيل التجهيزية الفرنسية في القاهرة، والتي درس بها الفرنسية وأتقنها ونبغ أيضًا في اللغة التركية.

مقابلة خاصة

شغف رمزى، بالأدب فأسس فى الفيوم جمعية “النهضة الأدبية” وكانت من أول الجمعيات الأهلية التى عنيت بالنشاط الأدبى والثقافى، وانتخب رئيسا لها لثلاث دورات متتالية، كما كان من مؤسسى المحفل الماسونى فى الفيوم، وهو واحد من أكثر من 150 محفلا ماسونيا فى مختلف محافظات مصر، كما كان من مؤسسى النادى الاجتماعى” كلوب الفيوم”.

في 26 يناير 1894 أصدر العدد الأول من جريدة “الفيوم” وكانت جريدة سياسية علمية، وقد وافق صدور عددها الأول زيارة الأمير عباس حلمي للفيوم بعد جولة سياحية له في الوجه القبلي، وقدم رمزي عدد الجريدة الأول للأمير الذي سمح له بمقابلة خاصة، ومدحه رمزي، في قصيدة بمناسبة زيارته للفيوم قال فيها:

زرت فيومنا فكاد يرى الأفــ لاك من تحت أرضه والسماك

جئته في الشتا فعاد ربيعا زاهرا البشر يانــعا من نداك

صاح هذى مآثر الملك العا دل فـأبشر فقد بلغت مناك

قل لفيومنا تفاخــــر وأرًخ بـهناه الخـديوى نلت عـلاك

تاريخ الفيوم

فتحت جريدة “الفيوم” الباب واسعًا أمام إبراهيم رمزي، ليجول في قرى الفيوم ومدنها فأصدر كتاب “تاريخ الفيوم” تناول فيه تاريخها منذ نشأتها وحتى أواخر القرن التاسع عشر، وقسَّم الكتاب إلى خمسة أقسام: الأول ذكر فيه سبب التسمية وظروف النشأة والتطور حتى بداية عهد محمد علي، ورصد في القسم الثاني الأحداث التي توالت عليها في ظل حكم الأسرة العلويَّة.

وتحدث في القسم الثالث عن مشاهير الشخصيات الفيوميَة، أما القسم الرابع فكان عن موقع وجغرافية الفيوم ومعالمها، ونشاط سكانها، وفي القسم الخامس عرض تراجم لأبرز معاصريه من أبناء الفيوم.

التمدن وتحديث المجتمع

سافر إبراهيم رمزي، إلى باريس وأقام بها سنة وشهرًا، طورت من تفكيره وهو ما ظهر بعد عودته حيث لم يعد للإقامة في الفيوم، وسكن في القاهرة، وأصدر بها مجلتي “المرأة في الإسلام” وجريدة “التمدن” وكان يشغل مثقفي مصر وقتها فكرة التمدن وتحديث المجتمع المصري، ولشدة إيمان رمزي، بقضية تمدن المجتمع المصري، حيث كان مثقفوه ونخبته يناضلون من أجلها في كل اتجاه ومنحى، أطلق على مسبك أنشأه سنة 1899، لصنع الحروف العربية “مسبك التمدن”.

فهم ليبرالي

ربطت رمزي، علاقة وطيدة بـ أحمد لطفي السيد، أحد قادة التنوير والتثقيف في مصر، منذ أن عُين نائبًا للأحكام بالفيوم.

وخلال تلك الفترة أسس أحمد لطفي جمعية سرية باسم “جمعية تحرير مصر”، وتبنى إبراهيم رمزي أفكارها التي تقوم على المفهوم الليبرالي للحرية، ونادي رمزي، بالحرية وبتحديد مفهوم للشخصية المصرية، وضرورة تعليم المرأة، وساعد إبراهيم رمزي، صديقه أحمد لطفي، في تحرير وإدارة جريدة ” الجريدة” التي كان يصدرها أحمد لطفي السيد.

لخدمة القضية

تولى رئاسة قلم الترجمة بديوان السلطان حسين كامل، وقد ترجم عن الفرنسية كتابين أعتقد أنه اختارهما ليخدم على قضية تحديث وتمدين مصر فقد ترجم “أصول الاخلاق” لـ ” ي. دني” والذي يتناول الأخلاق كعلم مستقل بذاته بطريقة علمية، ويستعرض طرق تربية الأطفال في المدارس، وأساليب تنشئتهم وهو ما كان يجاري فيه العديد من الكتاب والمفكرين الذين حملوا على كاهلهم مهمة التنبيه والتأكيد على بناء الشخصية المصرية.

أما الكتاب الآخر الذي ترجمه فهو “مبادئ التعاون” الذي يتناول مبادئ ومعالم نظام التعاون وأصوله وخطته وأنواع شركاته، وخاصة الشركة التعاونية الزراعية، وهو ما يمكننا من القول أن فكرة بناء وتحديث وتمدين المجتمع المصري لا تنفصل عن تطوير العلاقات الفلاحية وتكوين تنظيمات فلاحية تعاونية تسهم في التقدم وتحقق حياة أفضل للفلاح.

في مسألة الرقيق

هاجم إبراهيم رمزي، النخاسين والباشوات، واتهمهم بالوحشية والبربرية، وكتب في مقالة له “أن هؤلاء الباشوات الأعضاء في مجلس شورى القوانين كان يُفترض بهم أن يكونوا أشد الناس حرصًا على قيم ومبادىء الأمة، فإذا فسدوا فإن المجتمع كله سيصاب بالفساد”، خاصة بعد أن لجأ علي باشا شريف، رئيس مجلس شورى القوانين، إلى السفارة الإيطالية ليعامل على إنه أحد رعاياها وهو ما أفلته من العقاب.

جاء ذلك على خلفية اتهام خمسة نخاسين ببيع رقيق إلى ستة من رموز المجتمع وهم علي باشا شريف رئيس مجلس شورى القوانين، وطبيب مرموق يدعى عبد الحميد الشافعي، وزوجته، وزوجة حسين باشا واصف مدير مديرية أسيوط، ومحمد باشا الشواربي عضو مجلس النواب وأحد أعيان قليوب، وذلك في الأول من أغسطس عام ‏1894 في القضية التي عرفت صحفيًا حينها بـ”مسألة الرقيق”‏.‏

وتشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة كل من اشترك في الجريمة، وانحصر دفاع المتهمين من الباشوات في أن الإثم في الاتجار فقط، أما الشراء فلا يعاقب عليه القانون، وعليه فالاتهام يوجه للنخاسين وليس للمشترين.

استغرقت المحاكمة نحو عشرة أيام فقط، وصدر الحكم ببراءة حسين باشا واصف ومحمد باشا الشواربي، أما الدكتور عبد الحميد الشافعي فقد أدين وصدر حكمٌ بحبسه خمسة أشهر، كما صدرت أحكام على النخاسين وصلت إلى السجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة.

ومدح إبراهيم رمزي، المجلس العسكري العالي على حكمه وقال:

دعوى الرقيق أبانت عدل من حكموا فيا بنى مصرأنتم خير أقيال

ويا رجال العلا فى المجلس انشرحوا صدرا فذكركم يبقى لأجيال

حكمتم حــكم عــدل أتبــعوه غدا بحكم عدل بدا فى أمرنا التالى

إلى أن قال

فبــائع الناس ذو إثــم بفـــــعلته لكن شاريهم خل لهم غال

وما الهدى كالضلال عند من عقلوا ولا الشريف بمجزى كمغتال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى