بين الناستحقيقات

الحصان العربي الأصيل.. تغنى له الشعراء وأهانه جفاف الصحراء

لشهب عريض الصدر بو بريمة.. كامل تواصيفه تقول غزال

عايش مدلل.. وماعمر جنبه ما الركاب تملل.. في الصيف ظِل وفي الخريف مجلل

وعليقه زم مايعرض على كيال

وإن صار الندر يبقن هناك سلايل.. يجي منقطع قدامهن منشال

يجى متقاوي.. ويجي منعزل منهن تقول نداوي

يجلي همومك وين حط وشال

أيامه عدن.. أيامه معانا ما عمرهن يرتدن

قديمات صنعتهن بنى ويهدن.. حديثهن بلا معنى مغير إهمال

من التراث البدوي

اقترنت الخيول وشهرتها بأصولها العربية التي ميزتها، بالمهارة والسرعة والشجاعة والأخلاق الكريمة، كما اقترنت بالفارس العربي الأصيل، الذي لا يقل في صفاته عن خيوله، وكلاهما يرمزان لحياة الصحراء والبداوة والأصول العريقة.. هكذا كانت وستظل الخيول جزء أصيل من حياة البادية والقبائل العربية بمطروح، وإن كانت تعرضت في فترة من الزمن لكبوة شديدة لأسباب عدة، إلا أنه تلاحظ في الآونة الأخيرة عودة العلاقة الوطيدة بين الخيول وأبناء القبائل مرة أخرى، وكل يوم في تزايد وفي تطور، ومتوقع في المستقبل أن تلعب هذه الصحوة دور هام في تاريخ الخيول العربية الأصيلة في مصر والعالم العربي.

“الكحيل” المقاتل

يقول عبدالله راغب الجميعي، أحد مقتني الخيول سابقا، إن القبائل العربية قديما كانت تهتم بسلالات الخيول، التي كانت عربية أصيلة  ترجع أصولها إلى شبه الجزيرة العربية، ويطلقون عليها “الكحيل” فيعرفون أبوها وأمها وسلالتها جيدا لما تتميز به الخيول العربية من مواصفات تجعلها مختلفة عن سائر السلالات الأخرى من الخيول كما كانوا يفضلون اقتناء الإناث “الفرسة” للحفاظ على هذه السلالة الأصيلة ويفضلون الذكور “الحصان” في الركوب  فيقولون “الفرس جِنِيه والحصان ركوبة”.

ويضيف: قديما استخدمت الخيول بالأساس في القتال أو الحروب فكان يركبها الفرسان المقاتلين من أبناء القبائل إما لحماية القبيلة من القبائل الأخرى المغيرة أو للدفاع عن الأرض في الحروب التي خاضوها منخرطين في سلاح الفرسان وقتذاك، بالإضافة إلى كبار القبائل من العمد والمشايخ.

ويتابع: كما استخدم الفرسان الخيول في الكشف عن مناطق الرعي والمياه، فحياة البادية قديما كانت قائمة على الترحال من مكان إلى آخر على حسب سقوط الأمطار وتوافر المراعي الطبيعية، فكانت القبائل يرحلون على الإبل ما بين مصر وليبيا بدون حدود أو جوازات سفر، وكان الفرسان بخيولهم يسبقون القبيلة لتوسيع الطريق أمامهم  وتأمينهم للوصول إلى مكان وجود المياه.

شرطة الصحراء

وكذلك استخدمت القبائل الفرسان بالخيول للبحث عن الإبل التائهة في قلب الصحراء فمعروف عن الإبل أنها تخاف من الخيول، وكان الفرسان يقطعون الأميال بحثا عن الإبل في قلب الصحراء بخيولهم السريعة ليعودوا بها إلى ارض القبيلة، وأيضا كانت تستخدم في توصيل “العروس” في الزفاف، فكانت تحمل “العروس” داخل “الهودج” على ظهر الناقة ويسبقها زفة من الخيول.

تقدير الفرسان

ويضيف عبدالله أن القبائل قلما كانت تشتري الخيول، فكل قبيلة لديها سلالتها التي تتوالد وتتكاثر داخل القبيلة بينما كانت ثروات القبيلة تقاس بما تملك من ماشية وأغنام وإبل، مشيرا إلى أن الخيول الوليدة “المهر” تتلقى تدريبات من صاحبها وأحيانا يوجد عدد من الأشخاص داخل القبيلة يشتهرون بتدريب الخيول وترويضها ويكون الهدف من التدريب أن يطيع “الحصان” صاحبة “الفارس” وأن يكون طيعا للركوب وكذلك يتم تدريبه على السرعة والشجاعة حتى لا يهاب القتال في الحروب.

كما يتم تدريب الفرسان من الصغر على ركوب الخيل فلابد أن يتعود كل من الفارس والحصان على بعضهما البعض، وتصبح بينهما علاقة صداقة حميمية ليفهم كل منهما الآخر وقت الحروب وغيرها، مشيرا إلى أنه من العادات التراثية الجميلة عند القبائل قديما أن الفارس دائما ما تجبره الظروف في الليل فينزل إلى أحد النجوع الغريبة  فلا يبيت إلا على ذبيحة، أي يكرمه أهل النجع الذي حل بهم بذبح ذبيحة له إكراما لضيافته.

ويتطرق عبد الله إلى أن من الثقافة التراثية القديمة أن القبائل تتفاءل بالخيل بحسب لون الحصان وشكل “البريمة” علامة مميزة بالخير أو بالشر، وإن كانت هذه المعتقدات خاطئة ولكنها كانت موجودة قديما.

زى الفارس وسرج الخيل

ويتحدث عبدالله الجميعي، عن زي الفرسان قائلا إن قديما لم يكن هناك زي معين لراكبي الخيول، ولكن الفارس في المناسبات لابد وأن يرتدى “الرنس والعباية والطقم الملف والحزام الجلدي ويحمل سلاحه”

أما الحصان نفسه فله “عِدة” أي “سرج” يصنع من الجلد الطبيعي وأحيانا تطعم بالفضة والقاعدة حشو “لباد” محمل ومن الخلف “الجصعة” وتكون عريضه والتي يسند عليها ظهر الفارس  و”الاقربوز” أو “الجربوز” ويوجد في المقدمة أمام الفارس و”اللباب” يلتف على صدر الحصان ويربط في “العدة” أو “السرج” من الأمام و”الشريحة” تربط بالأسفل في الأقدام الأمامية والخلفية على بطن الحصان لتثبيت “السرج” على ظهر الحصان.

ويضيف الجميعي أنه في فترات ما بعد انتهاء الشتاء وبداية الربيع، أي مابين “الحصيدة والربيع” تكون فترات المرح بين القبائل، فتقام المسابقات الودية بين فرسان القبائل لاختبار السرعات وإجادة الفارس للركوب والتحكم وتدريب الحصان.

سباقات الخيول

وتتضمن هذه السباقات “السرعة والتقاط الطاقية “الشنه” من الأرض وقذف الأعيرة النارية بالسلاح في الهواء عدة مرات والتقاط السلاح بيد واحدة بعد إلقائه لأعلى في الهواء، وعند التقاطه يقوم الفارس بإطلاق طلقة نارية على يمين الحصان وطلقة أخرى على يساره والهدف منها تدريب الحصان على عدم الفزع من أصوات الأعيرة النارية وقت القتال والحروب كما تتضمن المسابقات لعبة المبارزة بالسيوف من على ظهور الخيول والوقوف على ظهر الخيل وهي تجرى بسرعة وفك الشريحة واللباب  من السرج وإعادة ربطها والحصان يجري مسرعا.

انقراض الخيول

وعن غذاء الخيول يقول عبدالله راغب الجميعي “يحتاج الحصان إلى أقل شىء “نصف كيلة” من الشعير في المساء وبالنهار يأكل “تبن” الشعير أما في فصل الصيف فيأكل البرسيم والأعشاب الخضراء الطبيعية من مراعي الصحراء.

ويشير إلى أنه في منتصف الستينات شهدت الصحراء الغربية موسم جفاف وقلة سقوط الأمطار وبالتالي قلت المراعي الطبيعية، فتدهورت الثروة الحيوانية إلى جانب غلاء الأعلاف فتحولت تربية واقتناء الخيول من موروث أصيل إلى عبء على أبناء القبائل بتكلفة تغذيتها ومراعاتها بالإضافة إلى عزوف الفرسان الأصليين عنها مما أدى إلى قلة تربية الخيول واقتنائها بين القبائل واستمرت هذه الحالة فانقرضت تربية الخيول بانقراض فرسانها، ولكن في السنوات الأخيرة الماضية بدأت تنتعش من جديد ثقافة تربية الخيول لدى أبناء القبائل ولكن لسلالة معينة من الخيول لارتفاع أسعار الخيول العربية الأصيلة.

خيول مجنسة

وفي السياق ذاته، يؤكد “رزق بوعبيد” فارس من رابطة الفروسية بمطروح أنه وغيره من محبي الخيول أصبح شغلهم الشاغل تشجيع أعداد أكثر من أبناء القبائل لتربية واقتناء الخيول لما فيها من متعة كهواية وأجر يثاب عليه قائلا إن الخيل عند كل فجر تدعو إلى صاحبها.

ويضيف أنه خلال الـ 10 أعوام الماضية عاد من جديد الاهتمام بتربية الخيول، التي فى الغالب سلالتها خليط من الخيول العربية والإنجليزية معا، فتتحمل برد الشتاء والسقيع وتتميز بالسرعة أيضا وكان مصدرها  من دولة ليبيا الشقيقة قبل الثورة فكان سعر الحصان يبدأ من 1500 جنيه وحتى 2000 أو 3000 آلاف جنيه، وكان الإقبال في البداية من أبناء القبائل شرق مطروح، ولكن الآن أصبح الشباب أكثر اهتماما ودراية بأهمية الخيول في ثقافتنا وموروثنا العربي وأصبحو يهتموا بعدم أهانة الخيول وإكرامها، وهذا شجعنا نحن محبي الخيول على البدء في تجنيس سلالات جديدة بمطروح بهدف الوصول إلى السلالة العربية الأصيلة في المستقبل القريب، مشيرا إلى أن الفرس من نوع “الكحيل” يبدأ سعره من 15:7 ألف جنيه، وتصل إلى 100 ألف جنية بينما يبلغ سعر الخيل العادي 3 آلاف جنيه فقط.

إحياء التراث

ويقول بوعبيد إنه بجانب تجنيس السلالات نحرص على إحياء الموروث التراثي بالمشاركة من خلال رابطة الفروسية، ومحبي الفروسية من أبناء مطروح في إحياء المناسبات والاحتفالات القومية وعلى رأسها العيد القومي لمطروح الذي يحيي ذكرى موقعة “وادي ماجد” السنوية والتي خاض فيها أجدادنا الفرسان معركتهم ضد الإنجليز من على ظهور الخيل.

وأشار إلى أن هناك استعدادات يقوم بها الفرسان مع خيولهم تبدأ قبيل الاحتفالية أو المناسبة بشهر تقريبا ولأن الحصان من أذكى الحيوانات يتم تدريبه على ما يريده ويرغبه منه الفارس في الاحتفالية فيتم تجهيزه أولا بالمشي يوميا لمدة شهر للتدريب على السرعة وقوة النفس والتفاهم مع الخيل، أيضا يتم تدريبه على ارتداء “العدة او السرج” في حالة إذا كان الحصان غير مدرب عليها، كما يتم تدريبه بالتعود على الأماكن التى بها ناس وازدحام حتى لا يرتبك عند حضور الاحتفال بين الجماهير.

تدريب الخيول

ويؤكد “رزق” على أن تغذية الحصان أيضا من الأمور الهامة التي يهتم بها الفارس في التدريب، فلابد أن يتعود الحصان على تناول وجبة الشعير بعد المغرب مباشرة ونعطية في الصباح البرسيم ليكون نشيطا، حيث إن تعود الحصان على موعد وجبته والتي إذا أخطأ الفارس وجعلها قبل المغرب قد تتزامن مع موعد العرض في الاحتفالية، وبالتالي نجد الحصان ينتظر الطعام بدلا من الاستعراض، مشيرا إلى أهمية أن يتناول الحصان أعشاب المراعي الطبيعية التي تقوم بدور المطهر المعوي للحصان من الديدان والبكتريا وينمو جسمه بشكل صحي وسليم.

ويضيف أن الحصان يصبح جاهزا للتدريب بعد عمر سنتين، ويستغرق مدة شهرين فقط ليتم تدريبه فأول شهر يتعود على اللجام ثم يتمشى من أجل أن يعرف الشمال واليسار والتعود على “الجربجة” أي الشموخ برفعة الرأس. أما الفارس فيبدأ تدريبه من عمر 7 سنوات ويحتاج من 20 يوما إلى شهر ليتدرب على ركوب الخيل بعد ما يعتاد عليه، ومن ضمن التدريبات التي يتعلمها كيفية إمساكة للجام “الصروع” بيد  واحدة وأن يكون الظهر مفرود ورأسه إلى أعلى وقدمه مضمومة للأمام على بطن الحصان.

أنواع الخيول وألوانها

وعن مواصفات الخيل العربي الأصيل، يقول بوعبيد إن “الكحيل” أنواع فهناك “الطحاوي” وهو عربي والوجه ليس مرسوم أي لا توجد به إنحناءت أسفل العين، والنوع الثاني “البيور” وهو العربي الأصلي، والنوع الثالث “مراسيم” وهو صاحب الوجه المرسوم، أما ألوان الخيول فمنها “الأسود” وتنقسم إلى نوعيات  وهناك “الخضر” وهو الذي يولد باللون الأسود لأب وأم لونهما أبيض فتجد آخر الذيل لونه أبيض وباقي الجسم أسود، ويبدأ يتحول لونه من الأسود إلى الأبيض وعند سن 5 سنوات يتحول إلى الأبيض كاملا، وهناك “الخضر الحمامي” وهناك “الأشقر” وهناك “الحمر” وأشهرها ” الحمر الصم” فيقولون عنه “الحمر الصم كي بنت العم” أي هذا اللون تحرص القبيلة على الاحتفاظ  به داخلها فلا تبيعه ولا تفرط فيه بسهولة كحال بنت العم التي تشترط العادات زواجها من ابن عمها أو داخل القبيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى