بين الناستحقيقات

مجلات الحائط الجامعية.. من التعبير عن القضايا الوطنية والاجتماعية إلى تقلص دورها

الفيوم ـ صفاء عزت وداليا شعبان:

“رشاد عويس مات من التعذيب، مات من الحسرة من كتر حزنه، لما بلد يبقى الحرامية والقوادين وبنات الليل فيها أحرار، لما التفكير في البلد تبقى تهمة، لما كلمة لأ تبقى كلمة ممنوعة، لما الرد على الكلمة يبقى الكوي بالنار، لازم البني آدميين تموت من الحسرة والحزن”.. كلمات يصرخ بها الفنان الراحل ممدوح عبد العليم في أحد مشاهد فيلم “البريء”، وخلفه مجلة حائط مكتوبة بخط اليد، علقها لتوه، بينما يلتف حوله المئات من الطلاب، لتدور مناقشة ساخنة تنتهي بمسيرة طلابية، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

هكذا جسدت السينما المصرية في مشهد من المشاهد النادرة دور مجلة الحائط داخل الجامعات.

“ولاد البلد” ترصد هذا الدور ومدى تراجعه من خلال لقائها بعدد من طلاب فترة السبعينيات، والتي ازدهرت فيها مجلات الحائط داخل الجامعة، إضافة إلى عدد من الطلال الحاليين بجامعة الفيوم وأساتذة الجامعة.

محرك للمظاهرات

“لوحة وبعض من أقلام ووريقات، كانت وسيلتنا للتعبير عن آرائنا، وآلية لتواصلنا مع زملائنا الطلاب، عبر مجلات الحائط داخل الجامعة”.. هكذا بدأ أحمد عبد القوي، المحامي، حديثه وهو يستعيد ذكرياته مع مجلة الحائط، حينما كان طالبًا خلال بداية فترة السبعينيات، بكلية الحقوق جامعة القاهرة، واصفًا ما كان يحدث حينها، وكيف أصبحت مقالات الطلاب بمجلات الحائط، محرك للمظاهرات الجامعية، والتي كانت تنطلق بشأن كافة القضايا الوطنية والاجتماعية، وكيف رصدت كل ما يدور في المجتمع وما أضافه الطلاب من رؤى مختلفة لتلك القضايا.

القضايا الاجتماعية والسياسية

ويروي الباحث السياسي والاقتصادي علي عبد التواب، أحد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، في فترة السبعينيات، عن مجلة الحائط، فيقول: كانت توضع مجلة الحائط عادة في مدخل الكلية، عبارة عن لوحة من الكارتون المقوى، مثبت عليها أوراق تحمل مقالات للطلاب ورسوم كاريكاتير، تتحدث وتعلق على كافة الأحداث السياسية والاجتماعية، وكانت غالبًا يومية، فتعلق المجلة اليوم لتحل محلها أخرى في اليوم الذي يليه.

ويشير عبد التواب إلى أن أغلب الطلاب الذين كانوا يكتبون في هذه المجلات كانوا منتمين للتيار اليساري، وكانت تتضمن المجلات رصدًا وتعليقًا من قبل الطلاب على القضايا الاجتماعية والسياسية، وأسهمت موضوعات المجلة – حسب عبدالتواب – في فتح نقاشات واسعة بشأن هذه القضايا وحركت احتجاجات داخل الجامعة، كما تنوعت موضوعاتها من أدب وفن ورياضة، ولكن كانت الأحداث الاجتماعية والسياسية هي المسيطرة على الموضوعات، وكان إقبال الطلاب عليها كبير وكانت موضوعاتها اليومية تناقش بشكل واسع.

ويرى عبد التواب أن وسائل التواصل الاجتماعي قللت من فاعلية مجلة الحائط في الجامعات إن لم تكن ألغت وجودها تمامًا.

ظهور الجماعات الدينية

ومن جيل السبعينيات أيضًا وصفي وديع، معلم، يحدثنا قائلًا: في هذه الفترة ظهرت قضايا التحرر الاجتماعي وتعليم المرأة وانشغل الشباب بقضايا حيوية، في مجال التعليم وكان العقل المصري في هذا الوقت يتمتع برقي ينعكس بالطبع علي مناقشة هذه الأمور بين صفحات مجلات الحائط.

ويضيف وديع كان الشباب في هذه الفترة مليء بالتفاؤل والنشاط والإبداع إضافة إلى رقي العقل الجامعي، مشيرًا إلى دوره في مجلة الحائط حيث كان يشارك بأبيات شعرية من تأليفه، إضافة لبعض المقالات.

ويستكمل وديع حديثه: “مع ظهور الجماعات الدينية بدأوا فرض نوعًا من الحجْر على الآراء المخالفة لهم، وحدث أن مزقوا مرات عديدة مجلات الحائط المخالفة لتوجههم”.

وسائل التواصل الاجتماعي

ويرجع أحمد ممدوح، الطالب بكلية التربية، جامعة الفيوم، الغياب الكبير لمجلات الحائط إلى التغيرات التي طرأت من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم اهتمام الكثير من الطلاب بقضايا المجتمع الأساسية.

لا تزال موجودة

ويضيف إيهاب علي، طالب بكلية دار العلوم بالفيوم: مجلات الحائط تستطيع أن تتناول موضوعات ثقافية وأدبية وعلمية، تفيد الطلاب وتثري أفكارهم، وهي وسيلة هامة لنشر موهبة الطلاب بين زملائهم، يتم استخدامها منذ وقت طويل، ويرى أنه رغم انتشار آليات التواصل إلا أنها لا تزال موجودة رغم أن دورها تغير الآن عما كان في الماضي.

من أهم وسائل التواصل المباشر

ويقول أحمد سيد، أمين اللجنة الثقافية باتحاد طلاب كلية الآداب بجامعة الفيوم، إن مجلة الحائط من أهم وسائل التواصل المباشر بين الطلاب، وتساعد الطلاب على إبراز مواهبهم الصحفية و الفنية والأدبية.

ويشير سيد إلى أن الكلية أصدرت مجلة حائط في الترم الأول، ولكن ليس هناك اهتمام من جانب غالبية الطلاب بمجلات الحائط، لافتًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي أضحت الوسيلة الأكثر انتشارًا بين الطلاب.

ويرى محمد عبد العال، رئيس اتحاد كلية الهندسة بجامعة الفيوم، أن مجلة الحائط ما زال دورها قائم، حيث تصدر بكلية الهندسة مجلة حائط ولكن بشكل غير دوري، ومجلة ورقية وهي تطبع شهريًا ويتم توزيعها مجانًا على الطلاب، وينشر بها مقالات الطلاب في جميع المجالات وتشمل المجلة مساحة للمناظرات بينهم.

ويشير عبدالعال إلى أن الإقبال على قراءة مجلة الحائط جيد، خاصة لوجود مبارزات ثقافية ودورات علمية وهذا ما يهتم به الطالب.

تراجع دورها

على عكس ذلك يرى أيمن فاروق، الطالب بكلية الطب، وأمين عام اللجنة الثقافية باتحاد جامعة الفيوم، أن دور مجلات الحائط تراجع بشكل كبير، رغم أنها وسيلة هامة لتنمية الوعي وإثراء حالة النقاش في القضايا المختلفة بين عموم الطلاب، مشيرًا إلى غياب النقاشات الطلابية في القضايا الفكرية والوطنية، رغم أهمية هذه المناقشات في تكوين جيل واع داخل الجامعات، كي يستطيع الطالب إفادة مجتمعه بعد تخرجه ليس فقط في مجال عمله، ولكن أيضًا كمواطن واعي مثقف.

إعادة الفاعلية

ويقول الدكتور وائل طوبار، مسؤول التواصل الطلابي بجامعة الفيوم: في عام 2000 كانت مجلة الحائط خاصة بالأسر، فكان لكل أسرة داخل الجامعة مجلة إضافة لمجلة خاصة باتحاد الطلاب، وكان دورها فعالًا فتنوعت قضاياها ما بين فنية وأدبية.

ويتابع: أما بالنسبة للقضايا السياسية فغابت عن تلك المجلات لأن النظام لم يكن يعطي مجالًا للحديث في السياسة، وكانت غالبًا ما يتم كتابة موضوعاتها بخط اليد، مشيرًا إلى أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حجمت من فاعلية مجلة الحائط إن لم تكن أنهت دورها.

ويقول الدكتور أحمد أبو عميرة، الأستاذ بكلية الآداب قسم اللغة العربية إن مجلات الحائط الجامعية تعد من أهم أدوات التعبير وطرق التواصل سواء في ساحات المدارس أو أروقة الجامعات وهي من أهم وسائل تعبير الطلاب عن قضاياهم ومشكلاتهم وآرائهم، وهي أيضًا فرصة كبيرة لكثير من الموهوبين في التعبير الفني والرسم التصويري والكتابات الأدبية مثل الشعر والقصة، مشيرًا إلى أنها أخذت الآن طابعًا شكليًا وافتقرت إلى المضمون الجيد وابتعدت عن طرح القضايا الوطنية وترسيخ القيم والأعراف المجتمعية.

ويرى أبو عميرة أن ما نحتاجه اليوم هو إعادة الفاعلية لهذه الأداة لتقوم بدورها في دعم النشاط الطلابي بما يسهم في التعبير عن قضايا المجتمع وحل مشكلاته وتحقيق التنمية الثقافية والنهضة الفكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى