بين الناستحقيقات

الزوجة الثانية.. بين المشروعية الدينية والدوافع الاجتماعية- الاقتصادية

الفيوم- أحمد خليفة، هاجر مسلم:

“قبلت أن أكون زوجة ثانية لأنه لم يكن أمامي سوى ذلك، فقد وصلت لنهاية العقد الثالث من عمري، ونظرات الناس كانت مؤلمة لي، فإما أن أقبل بالفرصة الوحيدة التي أتيحت أمامي، أو أظل وحيدة طيلة عمري” بهذه الكلمات القليلة تلخص منى أحمد، ربة منزل، حجم المشكلة، إذ يبدو من حديثها أن الواقع الاجتماعي هو الدافع الأكبر لقبول الفتيات بالزواج من رجل متزوج ولديه أسرة، وهو ما يطرح السؤال حول الدوافع الحقيقية لقبول حواء بأن تكون زوجة ثانية، رغم طبيعة المرأة الرافضة لهذه الفكرة على مر العصور؛ مع اختلاف الثقافات.

الظروف الاقتصادية

يقول رمضان الليموني، الباحث الاجتماعي إن ارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات تسبب في استسلامهن ليصبحن زوجات ثانية، وفي بعض الأحوال قد تكون الرغبة في العيش في مستوى اقتصادي مرتفع أو اجتماعي سببا في القبول بالزواج من رجلٍ متزوج ولديه أسرة وأبناء، وهو ما يدفعنا إلى ضرورة السعي نحو معالجة الأسباب التي قد تؤدي إلى عنوسة الفتيات، مثل غلاء مستلزمات الزواج وارتفاع تكاليفه، وارتفاع معدلات البطالة، التي قد تؤخر أو تمنع عددا كبيرا من الشباب عن الإقبال على الزواج”.

“الزوجة التانية ماتفرقش عن الأولى.. كلها عيشة صعبة بس الاسم متجوزين” هكذا ترى ياسمين توبة، معلمة، مضيفة “قبلت أن أكون زوجة ثانية لأنني أريد أن أحصل على لقب متزوجة خشية من نظرة الناس لي، رغم أن واقع حياتي الآن كله مرار وزوجي لا يشعر بأي شئ، وكأنه يعيش في عالم آخر لا يشغله سوى نفسه، فهو لم يتزوج مرة ثانية إلا ليرضي ميوله الشخصية”.

ليس حقا مطلقا

ويضيف الليموني “ربما لا يمكننا التأكد من الأسباب التي قد تدفع الرجل للزواج من ثانية، فهي دوافع مختلفة، وبالتالي ليس منطقيا أن نعمم سببا واحدا رئيسا ونشرك فيه معظم الرجال، ولكن ما يبدو واضحا أن الرجال جميعا يجدون مبررا للزواج الثاني بصرف النظر عن دوافعه المختلفة”.

ويتابع الباحث الاجتماعي قائلا “من المفهوم المغلوط لدى المجتمع تجاه حقيقة التعدد المشرّعة فقهيا، فأتصور أن معظم أفراد المجتمع رجالا ونساء يرونه حقا مطلقا دونما شروط أو ظروفٍ معينة، حيث يمكن للرجل الزواج بثانية، وهو ما قد يؤدي إلى التفكك الأسري وتفاقم المشكلات الأسرية”.

ويردف الليموني قائلا “ساهمت بعض الأفكار الدينية المغلوطة في تحفيز فكرة الزواج بالثانية لدى الرجال باعتباره تطبيقا لسنةٍ نبوية، وهي في رأيي محاولةٍ للتهرب من مشكلات عدم التوافق الفكرية والاجتماعية والنفسية والجنسية التي تحدث بين الزوجين دون البحث عن جذور تلك المشكلات، والسعي إلى حلها، ومعالجتها معالجةً نفسية واجتماعية حقيقية، لكن عجز المجتمع عن مواجهة تلك المشكلات يدفع أفراده للتهرب منها تحت غطاء عدم ملاءمة الزوجة الأولى للحياة وبالتالي يصنع لنفسه مبررا للزواج بالثانية تحت غطاء ديني مدعوم بكمٍّ هائل من الآراء الدينية التي تدفع بالرجال دفعاً نحو المشروعية المطلقة للزواج بالثانية”.

أسباب استثنائية

وتأتي الظروف الاقتصادية والاجتماعية، بحسب الباحث الاجتماعي، محرك أساسي لقضية الزواج الثاني وأسبابه، لكن هذا لا يمنع بالطبع وجود أسباب أخرى حتى ولو كانت استثنائية، فإنه لايمكن نفيها.

تقول أميرة الخطيب، ربة منزل، 27 عاما “تزوجت منذ 7 سنوات من شاب في نفس سني، ولكنني لم أستطع أن أكمل معه، فقد أحببت شخصا آخرا كان متزوجا، حيث رأيت أن حياتي معه ستكون سعيدة، وقررت الانفصال عن زوجي وارتبطت بمن أحب”.

وحول هذا تعلق رباب مجدي، الباحثة الاجتماعية، بقولها “الحب يمكن أن يكون دافعا قويا لبعض الفتيات للإقبال  على الزواج من رجل متزوج، بحثا عن الاحتواء، فكثير من الفتيات نتيجة قلة خبرتهن وتجاربهن، ونظرا أيضا لقلة خبرة الشباب الذكور واضطراب مشاعرهم في المجتمعات الشرقية، فقد تقع الفتيات في حب رجال أكبر منهن بعشرات الأعوام”.

عبء ولوم 

لكن اختيار أميرة الزواج من رجل متزوج عن حب واقتناع لم يمنع أن تلاقي نفس ما تلاقيه أي امرأة أخرى أرغمت على أن تكون زوجة ثانية نظر لظروف اجتماعية أو اقتصادية، حيث تقول أميرة “لكنني لم أعرف أن الزوجة الثانية يجب عليها أن تتحمل كل هذه الأعباء لمجرد أنها تزوجت من رجل متزوج، فزوجي الآن يحملني عبء أولاده وتقصيره في حقهم”.

وهنا يقول سعيد رضوان، باحث اجتماعي، إن “الزوجة الثانية تشعر دائما بالكسرة وتخجل من المطالبة بحقوقها، لأنها تشعر دائما بالنقص، وهذا الإحساس يلازمها دائما في علاقتها بزوجها، نتيجة لميراث اجتماعي متراكم، دائما ما يخطئ المرأة ويلقي عليها اللوم”.

التعدد مشروط

وحول المشروعية المطلقة للرجل في تعدد الزوجات، يقول الدكتور نصر الزغبي، باحث فى علم الحديث، إن الإسلام شرع تعدد الزوجات، وهو تعدد مباح في حالات معينة، ربما لم تأت صريحة، لكن إذا تمعنا في قول الله تعالى: “وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ”، سنجد أن التعدد لابد أن يكون مشروطا بتحقيق مبدأ العدالة بين الزوجات، وتحقيق العدل يصعب القيام به، بدليل قوله تعالى “ولو حرصتم”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى