بين الناسوجوه

صاحب آخر فرقة موسيقية بالفيوم: التطرف و”الدي جي” قضيا على المهنة

أتربة تحيط بدفوف، وطبول وآلات نفخ متراصة على الأرفف، للوهلة الأولى تمنحك إحساسا بالماضي والتأسف على أيام زمان ومجد الفرق الشعبية، خصوصا فرقة حسب الله، هذا هو حال محل المزيكا، كما يطلق عليه، آخر محل موجود بالفيوم للآلات الموسيقية، حتى أن صاحبه أصبح آخر مالك لفرقة شعبية وفرقة زفة موجودة بالفيوم.
على باب المحل؛ يجلس محمد طه، صاحب آخر فرقة موجودة بالفيوم لموسيقى الزفة وإحياء الأفراح، وهو ينظر بأسى إلى ميدان الشيخ سالم، حيث يطل محله على الميدان كله.
يقول “طه” إن هذا الميدان كان يزدحم بالمحال الموسيقية، التي كانت مقرات للفرق الموسيقية الموجودة بالفيوم، وبمثابة مكان لعقد الإتفاق على فرق الزفة أو فرق إحياء الأفراح، وأيضا الراقصات وتأجير الآت موسيقية إن طلب ذلك صاحب الفرح، وكان عدد هذه المحال حوالي 26 محلا، كل منها كان له فرقته الخاصة به، وأصبحت الآن محال للملابس والمطاعم والمفروشات ولم يتبق منها سوى هذا المحل الذي ورثته عن جدي أبو المجد.

ويصف طه يوم الخميس من كل أسبوع، قائلا إن في هذا الشارع كان يوجد ما يشبه المهرجان الشعبي، حيث كل الفرق تستعد للذهاب إلى أماكن إحياء الأفراح في القرى والمراكز، وترتدي زيها المعروف، وهو مثل زي فرقة حسب الله، وأثناء سيرها إلى موقف السيارات لكي تذهب لحفلها كانت تقدم ما يشبه العرض العسكري وتقدم موسيقى لبعض الأغاني المحببة للجمهور، مما يضفي جوا من المرح والبهجة في الشارع.
وتتغير نبرة صوت محمد لتلمس فيها الأسى والحزن، وهو يقارن بين تلك الأيام الخوالي وأيامه الحالية، حيث يقول إن “الحال زمان كان مبهجا وجميلا، وكان فيه شغل وأفراح، وكانت الناس بتحب الفرح والمزيكا، والآن بعض القرى ترفض ذهابنا إليها أو دعوتنا لإحياء أفراحها علشان الناس اللي مربيين دقونهم بيقولوا حرام وبيدخل الموضوع في منافسة لما بيجيبوا فرقهم الدينية بتاعتهم” مضيفا “أنا شفت عرايس بتبكي علشان عاوزة تتزف وتفرح” ويضيف بعد تنهيدة طويلة “إحنا بنخاف نروح الأماكن دي”.
ويؤكد أقدم صاحب فرقة في الفيوم أن الإخوان والجماعات الدينية، وظهور الـ “دى جى” هم السبب في عدم الإقبال على الفرق الشعبية.

وبعد نظرة بانورامية على ما تبقى من آلاته الموسيقية نلحظ اقتصارها على الآلات الإيقاعية فقط؛ حيث يقول: كان لدى آلات من الأساسيات في المحل، وعلى فكرة هذا المحل من أيام جدي، وهو لا يعتمد على إيجار الآلات فقط بل كان يقوم بأعمال صيانة وإصلاح كل أنواع الآلات الموسيقية والبيع أيضا، مضيفا “يا أستاذة المغرمين بالموسقى كانوا بيشتروا آلات، أما الآن فلم يعد هناك محبين للعزف ولا عشاق للموسيقى بعد موجات التحريم، لم يعد يشتري مني سوى طلاب التربية الموسيقية والكنيسة وفي الغالب أشتري طلباتهم من القاهرة”.

ويكسو الحزن ملامح وجهه وهو يتحدث عن فرقته، قائلا “كانت فرقتي مكونة من 37 عازفا، وأصبح عددها الآن 15 فقط، أغلبهم لهم مهن أخرى، ومعظمهم أبناء موسيقيين كانوا في فرقة والدي”.

وتتبدل ملامح وجهه وهو يشير بفخر إلى أنه عضو في فرقة الموسيقى العربية بقصر الثقافة، متأسفا على الحال التي وصل إليها الفن، هذه الأيام، وظهور نجوم يروجون للإسفاف والهبوط.
ويترحم طه، أول مطرب بالفيوم غنى بدار الأوبرا وأشادت به الفنانة سميحة الخولي في مهرجان الشباب 1996، على زمن الفن الجميل؛ زمن عبد المطلب وعبد الوهاب، وغيرهما، حتى جيل محمد الحلو وعلي الحجار، الذي يتذكر تعليق شقيقه عليه حينما كان يغني بمعرض الكتاب أغنية “الجوز الخيل” حين قال له “أنت جامد قوي”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى