بين الناسوجوه

الإمام أحمد الفيومي.. خطيب الدهشة

أحمد بن محمّد بن عليّ شهاب الدّين أبو العبّاس، هو الخطيب الفقيه اللّغويّ، أحد أعلام القرن الثامن الهجري، نشأ في الفيُّوم وفيها تلقّى علومه الأولى، وبرع في العربيّة ودرس القراءات وتبحّر في الفقه الشّافعي، وكان خطيبًا بارعًا، أخذ عن أبي حيّان محمّد بن يوسف النّحوي الغرناطي، الذي كان على اتصال به، علوم اللّغة العربيّة. في شعبان عام 727 من الهجرة، رحل الإمام عن الفيوم والدّيار المصريّة، ليستوطن حماة بسوريا، وعندما أنشأ الملك ‏المؤيّد إسماعيل عماد الدّين الأيّوبي، الملقَّب بأبي الفداء، جامع الدَّهْشَة في شعبان سنة 727هـ انتدب الفيُّومي للخطابة فيه، فقد كان إماما عالمًا بالفقه الشافعي واللّغة، لذلك أطلق عليه خطيب الدهشة.

ورغم شهرة الفيومي، إلا أن كتب التراجم ضنت بأخباره ولم يُذكر فيها شيء يتصل بنشأته وشيوخه، ما عدا أنه نشأ بالفيوم بمصر، ومهر وتميّز في اللغة العربية في مصر على يد أبي حيان الأندلسي، ثم رحل إلى حماة بسوريا.

ويذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه “الدرر الكامنة” أن الفيومي عاش إلى ما بعد عام 770هـ، بينما يقول الزركلي في كتابه “الأعلام” إنه توفى في حدود 760هـ. من أشهر كتب الإمام معجم “المصباح المنير” الذي جمع فيه “غريب شرح الكبير” للرافعي، وأضاف إليه زيادات من لغة غيره، ومن الألفاظ المشتبهات، وقد رتّبه الفيومي على حروف الهجاء، مراعيًا الحرف الأول فالثاني فالثالث، إذ سار على نهج الزمخشري في كتاب “أساس البلاغة”، كما يقول كثير من الباحثين، فقسّم كلّ حرف منه بحسب اللفظ إلى مكسور الأول ومضمومه ومفتوحه، وإلى أفعال بحسب أوزانها.

ومن مؤلفاته: “نثر الجمان في تراجم الأعيان” و”ديوان الخطب”، و”شرح عروض ابن الحاجب” و”مختصر معالم التّنزيل” للبغويّ حسين بن مسعود. وُلد للفيومي ابن واحد هو محمود بن أحمد أبو الثناء الهمذاني الفيّومي، القاضي الشّهير بابن خطيب الدّهشة بحماة سنة 750هـ – 1349م، وتوفي بها سنة 834هـ – 1431م، وكثيرًا ما يلتبسُ الأبُ بالابنِ، فيقال ابن خطيبِ الدّهشة؛ لصاحبِ المصباح، وهو الخطيبُ أبوه، وكان الابنُ عالمًا كأبيه، وله شرحٌ واسعٌ على “الكافيةِ الشّافية” لابنِ مالك، واعتنى فيه بتمحيصِ رواياتِها ونُسَخِها، وعارض بعضَها ببعضٍ، وذَيَّل عليها بنظمٍ في الخطِّ وشرَحه.

ويختلف المؤرخون في تحديد سنة مولد الفيومي وأيضًا مكان مولده ونشأته، فيقول عبد الستار فراج في مقالٍ له بعنوان “المصباح المنير” بمجلة العربي العدد 135، ولا نعلم السنة التي ولد فيها الفيومي صاحب هذا الكتاب، ويخيَل إلينا أنه ولد قبل سنة 700هـ بعشرة أعوام على الأقل، ذلك أن نسخته الأولى من المصباح عليها تاريخها الذي أنجزها فيه،وهو كما يقول:” بمدينة حماة المحروسة،في العشر الأخر من شوال من شهور سنة 725 هـ”.

ويؤيد الدكتورعبدالعظيم الشناوي، ما قاله فراج، ففي تقديمه لِطبعة دار المعارف الثانية لكتاب “المصباح المنير” يقول عن مولد الفيومي: أما مولده فقد رجح بعض الباحثين أنّه حين انتهى من كتاب المصباح سنة 734هـ، وكان عمره لا يقل عن 35 عاما، ولكني أُرجح أن عمره آنذاك كان لا يقل عن 45 عامًا؛ لأنه ذكر في كتاب المصباح مادة “غزل” في صفحة 266، أنه قابل في بغداد سنةَ عَشر وسبعمائة مَجدَ الدين محَمد ابن محَمد ابن محيي الدين محَمد بن أَبي طاهر شروان شَاه بن أَبي الفضائل فخر أور بن عبيداللّه بن سِت النِساء بنت أَبي حامد الغزالي، وقال له “أَخطأَ النَاس فِي تثقيل اسم جَدنا وإنمَا هو مخفَف نسبة إلَى غزالةَ (من قرى طوس)، فبعيد أن تتم هذه المقابلة في بغداد وهو دون العشرين”. وفي الأعلام، والموسوعة الكويتيّة، ذكر أن الفيومي ولد ونشأ بالفيّوم ‏بمصر، “‏الفَيومي بفتح الفاء وتشديد الياءين نسبة إلى الفَيوم، المعروفة من أعمال الدِّيار المصرية، وفي الضوء اللامع: “الفيومي” بفتح ثم تشديد نسبة إلى الفَيوم المعروف، الذي احتفر نهره يوسف عليه السلام بالوحي، وعمل له سِكرا بالأجر والكلس، وفي الأنساب للسّمعاني: الفَيّومي بفتح الفاء وضم الياء المشددة آخر الحروف “بعدهما الواو” وفي آخرها الميم، هذه النسبة إلى فَيّوم وهو موضع وراء مصر من أرضها وهي مدينة يوسف النبي “عليه السّلام”، وهو الذي احتفر نهرها بالوحي.

ويقال لنهرها اللاهون وله سِكر، والسكر هو السد كما في القاموس سكر، وأساس البلاغة “س ك ر” عظيم يأخذ من عرض النيل، وفيه تجول السفن من النيل إلى فوق السكر، حتى تصل إلى الفَيّوم، وهذا السكر يرتفع فيه الماء ويتردد أكثر من مائة ذراع، وعرضه نحو سبعين ذراعا، وبني في الفيوم بما في مائة قرية وأجرى إليها خليجا من النيل وجعل لكل قرية شربا على حدة وغرس فيها النخل وأنواع الفواكه. بينما يذكر في “مختصر فتح رب الأرباب” صفحة 46 حرف الفاء: الفَيّومي ينسب للفَيوم وهي موضع قريب من هيت بلدة بالعراق على الفرات. وقد نسبه كل من الدكتور شوقي ضيف في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،‏ في مقال “المعجمات العامة والخاصة” والدكتور خضر الجواد، في تقديمه لطبعة مكتبة لبنان 1987 للمصباح المنير إلى فيوم العراق، هناك أيضًا من نسب الفيومي إلى همدان كما في “لسان المحدثين” وأعتقد أن هذا الالتباس راجع بسبب ما اشتهر به محمود بن خطيب الدهشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى