بين الناستحقيقات

“التحريم” و”البزنس” يحرمان الفيوم من دور العرض السينمائي

عبر مدينة الإسكندرية كانت بداية السـينما المصرية.. تلك المدينـة المتوسطية التى كانت مـنـذ أمـد بـعـيـد مـلـتـقى لحـضـارات شــتى، وثـقـافـات وعـلـوم إنـسـانـيـة، جذب إليها أصحاب الجنسـيات المختلفة الذين عشقوا العيش فيها، وشكلوا مع أبنائها نـســيـجـاً أسـفـر عن إبداعـات العظماء الذين ظهروا فى أواخر القرن الثـامن عشر، وامتدت إبداعاتهم إلى القرن التاسع عشر “عـبد الـله الـنديم، وبـيرم الـتـونـسى، وسيـد درويش، وكـفافـيس، ولورانس داريل”.

البداية الحقيقية

فتحت المدينة الساحرة ذراعيها لرواد الإستنارة والثقافة الذين كان لهم دورا كبيرا فى التبصير بأهمية الـفنون من أجل الارتقـاء بالذوق، وشهدت المدينة “الكوزموبولتانية” زخما فكريا وتنـوعا معـرفيا وانفـتاحا عـلى الآخر، ووسط هذه الأجواء تعرفت الإسكندرية على فن الـسيـنمـا، واندفـع الـرواد فى الانـخــراط فى صـنـاعـة الـشـرائط السـينـمائـية الأولـى والتى كانت بدايـاتهـا وثـائقـية / تــسجيـليـة، وفى عام 1939 انـتـقــل هذا الفن إلى الــقـاهـرة، حيث عرضت شرائط سينمائية فى ٢٨ نوفمبر ١٨٩٦ فى صالة حمام شنيدر بعمارة حلـيم باشا.

تعد البداية الحقيقية للسينما المصرية عندما أقدم ابنان من أبناء الجاليات الأجنبية فى مصر”عزيز بنـدرلى، وأمبرتوملافاس دوريس” على صنع أول شريط سـينمائى مصرى.. لفـيلم “زيـارة جـناب الـباب الـعـالى للـمـعهـد العـلـمى فى مسـجد سيدى أبـوالعباس”، والذى تم تصويره وتحميضه وطبعه فى مصر بـأموال مصريـة، وكان عـرضه الأول فى يوليو ١٩٠٧ مقابل تذاكـر مـدفوعـة الأجـر.

المحطة الفاصلة

وشهدت سـيـنـما الـهـمـبرا بمحـطة الرمل بالإسكندريـة فى ١٤ مارس ١٩٢٨ عـرض أول فـيـلم ناطق وهو”ابنـة بـوتـيكـوكـولى” ، وخلال أعوام تالية انتـشرت عروض الأفلام الناطقة، وعبر رحـلـة امـتـدت طـوال مـائـة عـام كامـلـة، كانت انطلاقتها ومحطتها الفاصلة فى منتصف الـثلاثينيات حيث تم إنشاء ستوديو مصر الذى ساهم فى تحول الـسينما إلى صـناعة كبـرى دفعت كثيرين للـعمل بها بعد أن أصبح هذا الفن يرضى شرائـح اجتماعية مختـلفة.

تجليات الانهيار

وصل عدد دورالعرض السينمائى فى عام 1949 إلى 244 دارا، وفي منتصف الخمسينيات وأوائل الستينيات ارتفع إلى 355، حيث أصبح فصيل اجتماعي كبير من أبناء مدن المحافظات وبعض قراها من رواد ومشاهدى السينما، وواكب ذلك ظهور دور العرض الخاصة في المدن والأحياء الشعبية والتى عرفت بسينمات الدرجة الثالثة، وزاد عدد دور العرض حتى وصل إلى 500 دار، وبدأ الانهيار الحقيقي لصناعة السينما فى السبعينيات، وكان إغلاق الكثير من دور العرض أحد تجلياته، وواصل الانهيار مداه في عصر مبارك.

شغل شغل يا بردان

تعاظم شأن السينما وانتشرت دور العرض السينمائى فى معظم محافظات مصر ومنها الفيوم التى كان بها خمسة دور عرض سينمائى، واحدة منها كانت بقرية “أبوكساة” مركز أبشواى، والثانية بمدينة أبشواى، والدور الثلاثة الأخرى كانت بمدينة الفيوم .

يقول أحمدعبد القوى زيدان، القيادى بحزب التجمع ومن أهالى قرية “أبوكساة” إنه فى عام 1956 أنشئت الوحدة المجمعة التى كانت تضم صالة عرض سينمائى ووحدة صحية ومدرسة ابتدائية، وهى إحدى جهود التنمية الريفية فى عهد عبدالناصر، والمد الثقافى الذى تولى أمره ثروت عكاشة، وكانت صالة العرض تشغل مساحة ستة أمتار طولا وأربعة أمتار عرضا، وكان يحضر عروضها جمهور كثيف لأن سعر تذكرة العرض كان قليلا للغاية ما يتيح لأهل القرية بفئاتهم المختلفة مشاهدة العروض.

ويضيف زيدان “أذكر أنى حضرت عرض فيلم “إمرأة على الطريق” الذى عرض وقت عرضه بصالات القاهرة، وكان جمهور الصالة يهتف “شغل شغل يا بردان” عند تعطل ماكينة العرض لأن عامل تشغيل الماكينة كان اسمه “بردان”، وفى بداية سبعينيات القرن الماضى أغلقت صالة العرض هذه وتم استغلال الجزء الذى كان به ماكينة تشغيل الأفلام، والآن تحولت صالة العرض إلى قاعة لعقد اجتماعات الوحدة المحلية بالقرية”.

أطلال وأنقاض

دفع ازدهار الفن السينمائى فى مصر بعض أصحاب رؤوس الأموال لبناء دور عرض خاصة، وكان من بين هؤلاء صاحب سينما نبيل بمدينة أبشواى الذى افتتح الدار فى بداية ستينيات القرن الماضى، لكنه وبشكل مفاجئ قرر وقف عروض الدار، بعد أن استمرت عروضها قرابة عشر سنوات، لتتحول إلى مبنى مهجور معروض للبيع ويشتريه المحامى الأشهر فى مدينة أبشواى الراحل ممدوح خليل، ولأن القانون لا يسمح بهدم سينما إلا إذا تم بناء سينما أخرى فى نفس المكان مازال دار عرض سينما نبيل بمدينة أبشواى مجرد ركام من الأنقاض وأطلال من جدارن.

أغلقت دور العرض السينمائي بمحافظة الفيوم، وتحول مكان أحدهما إلى سوق تجاري والأخرى إلى أرض فضاء، بينما أغلقت الدار الثالثة والتى يمتلكها نادى ضباط الشرطة بالفيوم.

يحتفظ أحد جدران سينما الفيوم بصورة لـ”أفيش” فيلم “المذنبون” وقد غطى التراب ملامح وجوه أبطال الفيلم، كان بناء دار عرض سينما الفيوم على غرار سينمات مدن القاهرة والإسكندرية حيث صالة كبيرة تسع لما يزيد عن 500 مشاهد وكان يطلق عليها صالة “الترسو”، وأسعار تذكرة الجلوس فيها أقل من أسعار البالكون واللوج، كان يجلس تلاميذ مدارس المرحلة الثانوية في مقاعد “الترسو” المواجه للشاشة وحتى باب الخروج من السينما، ويقطع متابعتهم لمشاهد الحب أصوات بائعى السندوتشات والشاى والسجائر “الفرط” بينما كان فى الأعلى عدد من الحجرات المميزة “لوج” و”البالكون”.

شكلت مشاهدة أفلام السينما رحلة للمتعة والخروج من نطاق قيود الأسرة والمدرسة التى كان طلابها الزبائن الدائمين لسينمات الفيوم، خاصة فى الحفلات الصباحية حيث معظم تلاميذ المدارس الثانوية بمدينة الفيوم من قرى المحافظة المختلفة إضافة لأن السينمات كانت المكان الأمثل للهروب والتغيب عن حصص اليوم الدراسى.

اعتادت “سينما الفيوم” أن تعرض الأفلام المصرية والأجنبية التى تتضمن مشاهد حب ساخنة لذلك كان إقبال المراهقين عليها كبيرا، وتم غلقها لفترة طويلة وفجأة حولتها رغبة التيار الدينى فى “منع الفسق والفجور” كما كانوا يرددون إلى ركام تم رفعه بعدها بأيام لتتحول إلى أرض فضاء لم يستطع مالكها تاجر العملة “السلفى” تنفيذ مشروعه لبناء برج سكني مكانها.

صفير وهتاف بأصوات مرتفعة “صورة يا أبوقرعة” اعتراضا على قطع “بكر” ذو الرأس الأصلع والعامل المسئول على تدوير ماكينة العرض للمشاهد “الساخنة”، ويعيد “بكر” المشهد مرة أخرى بعد هتاف “عيد اللقطة يا بكر”.

سوق ملابس

أنشأ عبدالحميد الشوشانى، صاحب سينما “عبدالحميد” التى كان لها حائط خارجى مرتفع وضخم، تلصق عليه أفيشات الأفلام المعروضة والمرسومة بطريقة الكورسال، والتي تتنوّع بين المصري والهندي، والتى أغلقت أبوابها بفعل التعصب والجهل، ولأن أسعار العقارات فى الفيوم تشهد نموا متزايدا يتجاوز أسعار العقارات فى محافظات كثيرة قرر ورثة “الشوشاني” بيع دار السينما.

ومنذ ما يقرب من الثمانٍ سنوات انقض أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والذى يمتلك سلسلة متاجر شهيرة للسلع الغذائية بمدينة الفيوم لشراء السينما التى حول مكانها فى البداية إلى مخزن لتلك السلع، ثم بدأ فى هدمها حائط حائط وعلى فترات ، ثم حولها فى النهاية إلى مكانها سوق تجارى لبيع الملابس الجاهزة .

بانرات للنفاق

تشبث عشاق السينما فى الفيوم بدار العرض الأخيرة “سينما كليوباترا” والذى كان مكانا لفرجة العائلات، لكنها لم تصمد طويلًا فبعد ثورة يناير 2011، تم وقف عروضها وتحولت لقاعة أفراح.

ويتحول حائط سينما “كليوباترا” الخارجى والذى كانت تعرض عليه “الأفيشات” إلى مكان لعرض الأراء السياسية، ورسوم “الجرافيتى” وعبارات سباب لكل من حكم بعد ثورة 25 يناير، وهو ما تغير بعد وصول الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكم، حيث يغطى الجدار الآن “بانرات” ولافتات عملاقة مكتوب عليها بلغة ركيكية أرخص كلمات النفاق الشعرى .

ويقول منتصر ثابت، مدير عام قصر الثقافة بالفيوم، أن القصر به “نادي سينما” يعرض أفلاماً بشكل أسبوعي، والفرجة فيه بالطبع تختلف عن دور السينما التجارية، كما أن مسرح القصر تقام عليه أنشطة متعددة ولا يمكن أن يقتصرعلى صالة عرض سينمائى، أيضا يصعب أن يتحول قصر ثقافة الفيوم إلى سينما تجارية، ويشدد على ضرورة استعادة دور عرض السينما بالفيوم، من خلال ضغط مثقفى ومجتمع الفيوم.

محاولة وحيدة

خلت المحافظة هكذا من وجود دور عرض واحدة، ولأن طابع الفيوم محافظ ويغلب على أهلها ثقافة ريفية، تمكنت توجهات وأفكار التيارات الدينية وخاصة أفكار جماعة الإخوان المسلمين من عقول أبنائها، ولم يولي أهل المدينة أهمية لأمر أغلاق دور العرض السينمائى إلا محاولة وحيدة.

تقدم فى 3 سبتمبر من العام 2011، كل من ميشيل ميلاد، الصحفى، وعصام الدين الزهيرى، عضو اتحاد كتاب مصر، ببلاغ إلى المستشار عبدالحى فازورة، المحامى العام الأول لنيابات الفيوم، ضد مالك سينما عبدالحميد بمدينة الفيوم، التى تقع فى شارع أحمد شوقى، قيد برقم 331 عرائض نيابة الفيوم الكلية، لقيام المالك بهدم حوائط السينما من الداخل بغرض بناء برج سكني مستغلا الانفلات الأمنى وعدم استقرار الحكومة، ودون الحصول على تصاريح بهدم السينما وبناء برج سكنى، وعلى الرغم من أن القانون وقواعد وزارة الثقافة تمنع إزالة أو هدم أي دور سينما، إلا بعد مرور 15 عامًا على توقف نشاطها وأنه فى حالة هدمها بعد تلك الفترة يلتزم مالكها ببناء دورين الأول والثانى كدور عرض سينمائية بديلة.

تورا بورا

يقول الزهيرى “وسط البلد في كل المدن الحديثة هو بمثابة القلب الثقافي النابض للمدينة، ومسح سريع لوسط مدينة الفيوم يطلعك على الكيفية التي تم بها إفقار وتجريف وتدمير وعي وعقل وقلب مدينة الفيوم، ولنبدأ من قصر الثقافة المصاب كمؤسسة دولة بكل أمراض البيروقراطية المصرية، ويعمل بمسرح معطل بأمر الدفاع المدني بسبب عدم استيفائه لشروط الأمن الصناعي منذ سنوات، وعلى مبعدة حوالي مائتي متر توجد سينما عبدالحميد التاريخية التي تحولت بالمخالفة للقانون إلى مجموعة من بواكي تجارة الملابس والأحذية والاكسسوارات، على مبعدة مائتي متر أخرى هناك أطلال سينما الفيوم”.

ويضيف الزهيرى “يخلو وسط البلد من السينمات والمسارح، والمكتبات فلا يوجد فرع واحد لأي مكتبة شهيرة ولا حتى هيئة الكتاب التي تملأ معارضها أرجاء أقاليم مصر، في أي مدينة متحضرة في العالم لن تجد قلب مدينة يخلو من المكتبات والمسارح والسينمات وأوبرا واحدة على الأقل، تلك الأماكن التي يستخدمها المتحضرون في قضاء أوقات لذيذة ونافعة ومليئة بالرقي والمتعة والثقافة، والنتيجة عندما تنظر للفيوم ستكتشف أنك وسط محافظة تورا بورا” .

ثقافة التحريم

يقول ميشيل ميلاد، إن الوحدة المحلية حررت محاضر مخالفات بالهدم لمالك السينما لعدم حصولها على ترخيص ومخالفه للقواعد والقوانين، ولكن عدم وجود سلطة تنفيذ فاعلة حينها هو ما منحه الفرصة للمخالفة دون مواجهة قانونية، مشيرا إلى أن الاستثمار العقارى الذى أصبح كالسعار فى الفيوم هو الدافع وراء غلق دور السينما إضافة لسيادة ثقافة التحريم والتدين الشكلى.

واضاف “الثقافة تساهم فى بناء المجتمع والفن والسينما أحد أدوات الثقافة فى هذا البناء، فإذا كانت الدولة جادة فعلى وزير الثقافة العمل على إنشاء دور للعرض السينمائى فى المحافظات التى تخلو منها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى