بين الناستحقيقات

أهالي الدقهلية يضجون بالشكوى من طعم المياه ورائحتها

الدقهلية – محمد حيزة:

يمسك “عم حامد” كوب الماء في يده.. ينظر إلى الشوائب العائمة داخله.. ثم يتجرعه سريعا، بعد أن يبسمل.

“أنا بشرب الميه وسايبها على الله… كلية فرقعت والتانية شغالة …وهفضل أشرب ميه الحنفية لأن ما فيش بديل”، هكذا يقول حارس استاد المنصورة حامد سلامة، واحد من 2400 مواطن في مصاب بالفشل الكلوي في محافظة الدقهلية حيث يسكن 6 ملايين نسمة.

وتصل نسبة الإصابة بالفشل الكلوي على مستوى مصر إلى 300 مريض بين كل مليون نسمة في حين أن النسبة العالمية تصل إلى 150 مريضا فقط بين كل مليون شخص، بحسب د. محمد غنيم، مؤسس مركز غنيم الدولي لأمراض الكلى ورائد زراعة الكلى بالشرق الأوسط .

بالرغم من أن مصر تحتل أحد المراكز الأولى في العالم من حيث الإصابة بالفشل الكلوي وغيره من أمراض الجهاز الهضمي، لم يستطع كاتب هذا التحقيق الاستقصائي الذي استمر ثمانية شهور أن يربط بشكل مباشر بين هذا المرض وبين مياه الشرب في محافظة الدقهلية. لذا لجأ إلى تحليل عينات عشوائية من مياه الصنبور التي تصل إلى جميع السكان ليتوصل إلى نتيجة أن المراحل المختلفة لتحلية المياه لم تُعالج المياه بالشكل المطلوب كي تتفق مع المعايير العالمية.

التعقيم بالكلور سبب للأمراض

يسمح قرار وزير الصحة والسكان رقم 458، لسنة 2007، الذي يحدد مواصفات مياه الشرب، بإضافة الكلور إلى المياه بنسبة 5 ملليجرام/ لتر.

لكن مشكلة التعامل مع الكلور تبداء من هنا. في العالم المتقدم يستخدمون في تنقية المياه الأشعة فوق البنفسجية والأوزون لكي يخفف من آثار الكلور الذي يضاف للمياه بشكل عشوائي في مصر ويسهم في غالبية الأمراض التي تصيب الكلي، بحسب د. غنيم.

لكن خبراء يؤكدون أن منظمة الصحة العالمية تقبل استخدام الكلور لتطهير المياه في عدد قليل من دول العالم التي لا تستطيع استخدام وسائل تطهير أخرى لارتفاع ثمنها وتلوث مياهها بنسبة عالية في الوقت ذاته.

ومع كل تلك المخاطر هل ينجح الكلور في تنقية المياه بحيث تصل للمواطنين مياها صالحة للشرب؟

فصل المكونات في كوب الماء

اصطحبنا يقول كيميائي من العاملين بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، الى استاد المنصورة، وبحوزته جهاز كهربائي صغير يفصل العناصر الذائبة في المياه أو ما يعرف بفصل الأيونات، التي اتحدت في مرحلة “الترويب” وهي المرحلة الثانية من مراحل تحلية مياه الشرب.

وأخذ الكيميائي عينة من مياه الشرب بالمطبخ الرئيسي في الاستاد، وقام بتعريض كوب الماء للجهاز ليظهر لنا بعد عدة لحظات تفكك المواد الذائبة بالكوب.

اتخذ الثلث الأسفل من الكوب اللون الأسود، وترسو في قاع الكوب شوائب سوداء، ثم يعلوه الثلث الأوسط متخذا لونا أخضرا به كريات هوائية، ثم الثلث العلوي متخذا اللون البني المحمر يعلوه طبقة من الرغاوي تشبه رغاوي “الكابتشينو” مؤلفة من 3 ألوان أخضر وبني محمر وأسود.

يوضح الكيميائي ماهية هذه الألوان قائلا: “يأتي اللون الأسود في الثلث الأسفل من الكوب من الشوائب السوداء، وهي ذرات عنصر الرصاص السام جدا، المتحد أيونيا مع مياه الشرب.

“ثم يعلوها في الثلث المتوسط اللون الأخضر وهو لون مادة الكلور. ويوجد في هذا الثلث أيضا كريات هوائية تدل على وجود نسبة من البكتيريا في الماء. وتنشأ هذه البكتيريا عن تحلل الكائنات الحية الموجودة في مجرى الماء مثل الحيوانات النافقة.”

ويضيف الكيميائي  “في الثلث الأول من الكوب، يسود اللون البني المحمر الذي يعبر عن ارتفاع نسبة الأملاح والمعادن عن النسبة الطبيعية، مثل الرصاص والأمونيا والصوديوم… والتي لم تقض عليها جميع مراحل التحلية.”

ويختتم تفسيره قائلا “يعلو هذا الثلث الأول طبقة رغاوي ذات 3 ألوان أخضر وبني محمر وأسود، حيث يعود اللون الأخضر إلى الطحالب التي لم يتم القضاء عليها في أول مرحلة من مراحل التحلية، واللون البني المحمر يمثل بعض المعادن، واللون الأسود هو ذرات خفيفة من مياه المجاري إلى جانب مادة الرصاص.”

تحليل عينات من مياه الصنبور

أخذنا عينات عشوائية لمياه الشرب من منزل سلامة بقرية برج النور الحمص التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، ومن مطبخ ستاد جامعة المنصورة الذي يعمل فيه سلامة، وكذلك من منزل مواطن يدعى محمد رشاد بقرية الجنينة مركز منية النصر. ولا توجد خزانات مياه في هذه الأماكن الثلاثة التي يخدم كل منها محطة مياه منفصلة.

وتوجهنا بالعينات الثلاث، وحجم كل منها لترا، إلى معامل كلية العلوم بجامعة المنصورة، وذلك لمعرفة مدى صلاحية تلك المياه وجودتها وإن كانت تحتوى على عناصر قد تتسبب في أي أمراض.

وجاءت نتيجة التحليل الميكروبيولوجي أن عينتي قرية برج النور وقرية الجنينة مصابتان بالدودة الكبدية وبكتيريا المجاري القولونية. وأكدت وحدة التحاليل في تقريرها أن كلا من العينتين “غير صالحة للاستهلاك الآدمي لأنها تحتوي على بكتيريا المجاري” .

في تعليقها على نتيجة التحاليل، تقول مديرة وحدة التحاليل الميكروبيولوجية بكلية العلوم الدكتورة سامية هارون إن عينتين من “العينات الثلاث التي تم فحصها غير صالحة للاستهلاك الآدمي”، وأن تناول هذه المياه “يشكل خطرا على حياة الإنسان والحيوان.”

يقول الطبيب الباطني محمد خاطر إن الدودة الكبدية تعيش في عائل يتسرب إلى مياه الشرب، ويسببها طفيل يعيش في القنوات المعوية،ويضع الطفيل بيضه ليخرج مع البراز، ثم ينتقل الطفيل إلى الإنسان عن طريق المياه الملوثة بمياه المجاري التي تحتوي على البيض. ويضيف أن هذه الدودة تتلف الخلايا الكبدية ما يؤدي إلى تدمير الكبد تماما.

وتقول الدكتورة راجية الجرزاوي، مسؤولة ملف الصحة والبيئة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن وجود البكتريا القولونية في مياه الشرب بأعداد تفوق المسموح تعني أن مياه الشرب ملوثة بمياه الصرف الصحي لأن هذه البكتيريا موجودة في القولون والبراز. وتضيف موضحة “المواسير التي تنقل المياه من محطة الشرب للمنازل مهترئة ورديئة، مما أدى إلى تسرب مياه المجاري في مواسير الصرف إلى مواسير مياه الشرب.

تلوث كيميائي إلى جانب التلوث الميكروبيولوجي

جاءت نسبة الكلوريد (الكلور) في العينات الثلاث أقل من المواصفات المصرية والعالمية: 147.3 ملليجرام / لتر في عينة قرية الجنينة و36.3 في عينة الاستاد و21.8 في عينة قرية برج النور. وتبلغ النسبة الموصى بها في المواصفات المصرية 200 ملليجرام /لتر وفي المواصفات العالمية 250 ملليجرام /لتر.

ويعتقد بعض الأطباء أن نسبة الكلوريد كانت مرتفعة كثيرا في عينة الجنينة لأنه تمت إضافة كمية ضخمة من هذه المادة المطهرة لمعالجة المياه من الكميات الكبيرة لمخلفات الصرف الصحي والتي توضحها ارتفاع نسبة الأمونيا بدرجة هائلة في عينة تلك القرية (2300 ملليجرام/لتر مقابل صفر في المواصفات).

وتعني نسبة الكلوريد في عينة برج النور أن المياه في شبكتها هي الأقل تطهيرا.

ويظهر من ذلك أن جميع مراحل المعالجة التي مرت بها المياه دون جدوى، وأن ما تغير في الماء فقط هو الطعم في بعض الأحيان بسبب إضافة النترات بكميات كبيرة بالمخالفة للمادة 1 من قرار وزير الصحة والسكان 458 لسنة 2007 والذي يتضمن المواصفات القياسية لمياه الشرب.

الكلور ليس وحده المشكلة التي تتفاقم بسبب تقادم شبكات المياه واختلاط مياه المجاري بمياه الشرب. ويقول الكيميائي العامل في الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي إن المشكلة في مسألة الكلور هي المواد الناتجة من تفاعله مع المواد العضوية والمعروفة باسم الهيدروكربونات المكلورة ومعظمها تتكون في مياه الشرب عندما يتفاعل الكلور مع المواد الطبيعية مثل بقايا الأشجار المتحللة والمواد الحيوانية”.

ويؤكد أن العديد من أنواع البكتيريا لا يستطيع الكلور القضاء عليها ومن بينها البكتيريا الخيطية التي تسبب الفشل الكلوي والكبدي، والبكتيريا المؤكسدة التي تزيد نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم وتقليل نسبة الأكسجين، والبكتيريا الناتجة عن تحلل الحيوانات النافقة في المياه ومن أهمها الجمرة الخبيثة التي تنتقل للإنسان من الحيوان وتصيب الإنسان بأمراض الجهاز التنفسي، وتظهر على الجلد كأعراض الحروق، لا يستطيع الكلور القضاء عليها.

أظهرت نتيجة التحليل وجود نسبة عالية جدا من الأمونيا (النشادر)، إذ بلغت هذه النسبة في عينة قرية الجنينة 2300 ملليجرام / لتر، في حين أن مواصفات منظمة الصحة العالمية والمواصفات المصرية 458 لسنة 2007 لا تسمحان بأي نسبة من الأمونيا (صفر).

وكانت هذه النسبة في عينة قرية برج النور 400 ملليجرام. لكنها كانت منخفضة في عينة الاستاد إذ بلغت 6 ملليجرام/لتر فقط.

وتنشأ الأمونيا عن مخلفات الصرف الصحي غير المعالج. ويعني وجودها بهذه النسبة العالية جدا وجود الكثير من هذه المخلفات في مياه الشرب، حسب الدكتورة الجرزاوي.

ويؤكد الطبيب الباطني خاطر أن ارتفاع الأمونيا في المياه مشكلة خطيرة، لأنه عند تسخين الماء يصبح البخار محملا بالأمونيا؛ ويضيف أن الجسم يمتص المواد الكيميائية الطيارة عن طريق البخار من خلال الرئة والبشرة معا.

ويوضح خاطر أن ارتفاع نسبة الأمونيا يسبب تسمما للبالغين الأصحاء، ويسبب مشاكل صحية خطيرة للأطفال. وتتراوح الجرعة السامة للفرد الذي يزن 70 كيلوجراما نحو 80 ملليجرام/لتر، حيث تشمل أعراض التسمم الالتهابات المعوية الشديدة مع ألم في البطن، وقد يصاحب ذلك دم في البراز والبول، ضعف وانهيار صحي.

ويضيف أن شرب مياه تحمل نسبة عالية من الأمونيا بشكل مستمر يؤدي إلى صعوبة في الهضم وضعف ذهني وصداع، كما تظهر معها أعراض نقص فيتامين “أ” وتدهور الغدة الدرقية، وتؤثر أيضا على الجهاز العصبي المركزي.

ويؤكد الدكتور حسام غيث، مدير مستشفى منية سندوب المركزي بالدقهلية، أن ارتفاع الأمونيا بهذا الشكل في عينتي الجنينة وبرج نور “ينذر بخطر كبير ويظهر عجز الكلور”، موضحا أن الكلور أثبت عجزه عن القضاء على الأمونيا.

ومن أخطار الأمونيا أيضا – كما يشرح غيث – الإصابة بالتليف الكبدي والكلوي “لأن الكبد والكلى مسؤولان معا عن التخلص من العناصر الضارة ومع الوقت يحدث إجهاد للكبد أو الكلى وتصابان بالفشل”.

أما النترات فجاءت مرتفعة كثيرا في عينة برج النور إذ بلغت 3200 ملليجرام /لتر وفي قرية الجنينة 220 وفي عينة الاستاد 76، في حين أن النسبة المسموح بها في المواصفات المصرية والعالمية هي 40 و10 على التوالي.

وعن خطورة النترات في المياه، تذكر منظمة الصحة العالمية في تقرير بعنوان “دلائل جودة مياه الشرب” الطبعة الثالثة لسنة 2004 “اقترن بوجود النترات …. في الماء وجود نوع غير عادي من خضاب الدم في الدم وخاصة لدى الرضع الذين يغذون باستخدام الزجاجة”.

ويوضح غيث أن خضاب الدم  (الهيموجلوبين) هو بروتين محمول داخل خلايا الدم الحمراء يلتقط الأكسجين من الرئتين ويسلّمه إلى الأنسجة للحفاظ على حياة الخلايا.

المسؤول يطلع على التحاليل ويصر على النفي

عند عرض نتائج التحليل على اللواء عيسوي أحمد عيسوي، رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي بالدقهلية، وجه هجوما للنتائج مشككا فيها وللمعمل الذي أجرى التحليلات ولتقرير التحليل، ملقيا باللوم كله على الشبكات المنزلية.

لكن مسؤولون وخبراء في مجال المياه يقولون إن شبكة المياه المنزلية هي مسؤولية الشركة القابضة وليست مسؤولية المواطن، وإن المواطن مسؤول فقط عن الخزان الذي يركبه على سطح منزله مع تغييره كلما انتهت صلاحيته.

يقول عيسوي: “التحليلات غير صحيحة، ومعامل التحليل بكلية العلوم مقصرة، ونتيجة التحليل نتيجة مغلوطة… لدينا مركز معامل كبير، وفرق فنية، حاصلة على شهادة الأيزو… أما مسألة أن يكون فيه مواطن عنده مشكلة في شبكة مياه الشرب الخاصة بمنزله فهذه مشكلته الشخصية أنا لن أجبر الناس على تغيير شبكاتهم المنزلية.”

ويضيف عيسوي: “كيف تصدر النتيجة بارتفاع نسبة البكتيريا بهذا الشكل المخيف بينما ترتفع أيضا نسبة الكلور المسؤولة عن قتل تلك البكتيريا، كما أن قرية برج النور الحمص التابعة لمركز أجا، ومركز أجا نفسه، لا يوجد فيهما محطة تحلية وهي قرية مشتهرة بتلك الأمراض”، مؤكدا أن المواطنين في مركز أجا – موطن عم سلامة- والقرى المحيطة به “يعتمدون على الآبار في الشرب، وعلى الخزانات”.

اتجهنا جنوبا نحو مركز أجا وقرية برج النور الحمص. وهناك اكتشفنا أن القرية تصلها المياه من محطة الشركة القابضة. وأخبرنا المواطنون أنهم يحصلون على المياه من شبكة الشركة القابضة، ويدفعون فواتير استهلاك المياه للشركة من واقع عداد المياه التابع للشركة. حصلنا على الفواتير التي يدفعها المواطنون للشركة نظير استهلاكهم لمياه الشرب.

وذكر رئيس قطاع الجودة بالشركة القابضة إبراهيم عبده، الذي اصطحبنا في جولة داخل أروقة معامل الشركة، أن “نتيجة التحليل الخاصة بنسبة الأمونيا في الماء نتيجة خيالية غير صحيحة، لا تكون حتى في مياه المجاري، فكيف وصلت نسبة الأمونيا بهذه الدرجة إلى مياه الشرب، أنا أشكك في هذا التحليل ولا أعتبر إلا بالتحليلات الخاصة بمعامل الشركة”.

الأهالي ليس أمامهم سوى شرب مياه الصنبور

يعرب جميع من التقيناهم من سكان القريتين محل هذا التحقيق أنهم يعانون شرب مياه متغيرة اللون أو الرائحة أو الطعم، لكن ليس أمامهم سوى شربهم لأنه ليس بمقدورهم شرب المياه المعبأة أو تركيب فلاتر على صنابير المياه. ويؤكد الأهالي أنه لا نية لديهم لرفع دعاوى قضائية على الشركة القابضة لأن القضايا تستهلك الكثير من الوقت والمال.

يقول رضوان محمود رضوان، (35 عاما) وهو سائق في قرية الجنينة “نشتم رائحة الماء العفنة علما أننا لا نملك خزانا للمياه في بيتنا.”

ويؤكد رضوان أن سبب تلوث المياه أن المواسير الرئيسية مأخذ محطة التحلية بالقرية تمر عبر مصرف للمياه العادمة وهي مواسير متهالكة فتتسرب إلى داخلها. وقد قام كاتب التحقيق بتصوير المواسير المتهالكة وما فيها من فتحات تختلط عبرها مياه الصرف الصحي بمياه الشرب.

أما فوزية إبراهيم (29عاما)، وهي ربة منزل من سكان قرية الجنينة، فعرضت علينا تقارير طبية وهي تصرخ قائلة “أصبت بفشل كلوي والأطباء أكدوا لي أن مياه الشرب هي السبب الرئيسي لمرضي، ثم أصيب ابني وهو في الصف الخامس الابتدائي بالفشل الكلوي أيضا نتيجة شرب المياه. وأنا وزوجي فقراء نجد قوت يومنا بصعوبة ولا نملك مالا لشراء فلتر لتنقية المياه.” وحصل كاتب التحقيق على الروشتات والتقارير الطبية التي تثبت هذه المزاعم.

وفي قرية برج النور، تقول زينب محمود (22عاما)، وهي ربة منزل “أحيانا أفتح صنبور الماء وأدعو الله أن يتغير لون المياه من الأصفر الداكن إلى الأصفر الفاتح حتى أستطيع فقط أن أطهو الطعام لأبنائي مرضى الفشل الكلوي.”

ويقول محمود قاعود (33عاما) وهو عامل زراعي من قرية الجنينة “كل يوم أرى أبنائي يشربون من المياه التي قتلت أمهم أشعر بالحسرة وأنتظر دوري ودور أبنائي في المرض ثم الموت كما ماتت أمهم بالفشل الكلوي. حذرني الطبيب من استمرار شرب المياه قبل وفاتها ولكن من أين لي كل يوم بمصاريف المياه المعدنية أو من أين لي بمصاريف فلتر.”

ارتفاع الوفيات بقرية الجنينة

تكشف سجلات الوفيات والمسؤول عنها في مكتب صحة قرية الجنينة، التي يسكنها  حوالي 40 ألف نسمة، اتجاه معدل الوفيات إلى الارتفاع.

يقول سعد الدين عبد العظيم، الموظف المسؤول عن تسجيل المواليد والوفيات في مكتب الصحة “خلال السنوات العشر حتى عام 2010 تقريبا كان عدد الوفيات يتراوح بين 6 و8 وفيات في العام الواحد، لكن منذ عام 2010 بشكل خاص بدأت أعداد الوفيات تتزايد تزايدا غريبا.”

وتوضح السجلات أن الوفيات بلغت 101 وفاة عام 2010 و93 عام 2011 و88 وفاة عام 2012 و95 وفاة عام 2013. وحتى شهر يونيو من العام الحالي بلغ عدد الوفيات 40 وفاة.

أي أن معدل الوفيات قفز من حوالي 0.18 في الألف في المتوسط في العقد الأول من الألفية إلى 2.35 في الألف في المتوسط في الأعوام الأربعة 2010-2013.

وجميع المتوفين – كما تكشف التقارير الطبية – لم يكونوا يُعالجون إلا من الفشل الكلوي أو الفشل الكبدي.

رغم أن شهادات الوفاة لا تذكر أن سبب الوفاة هو “المياه” فكل فرد من الأهالي يتوقع أن يكون هو التالي في طابور المتوفين مادام يشرب من مياه الصنبور.

نشر هذا التحقيق في أغسطس – 2014

(تم إعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة أريج اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة في  المحافظات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى