بين الناستحقيقات

وسط تعتيم إعلامي من المسؤولين| دير الرهبان بالفيوم بين سياسة العصا والجزرة

وسط تعتيم إعلامي من قبل المسؤولين، وخاصة القيادات الأمنية بالفيوم، على قضية مهمة تشغل الرأي العام منذ ما يقرب من 5 أعوام، وهي قضية دير وادي الرهبان والمعروفة إعلاميًا بقضية “الدير المنحوت”، والتي أخذت منحى جديدًا بعد ما تردد في العديد من وسائل الإعلام عن تعدي رهبان الدير على محافظ الفيوم فجر الثلاثاء الماضي، أثناء تواجده على رأس قوة أمنية توجهت إلى الدير لإزالة السور المقام من قبل الرهبان والذي يمنع شق طريق “الفيومــ الواحات” الدولي ما أدى لانسحاب القوة دون إتمام المهمة.

ويبرر المسؤولين الأمنيين بالفيوم تفضيلهم لعدم ذكر أسمائهم، بحساسية القضية ووصفهم لها بالشائكة.

وذكر مصدر بمباحث مركز شرطة يوسف الصديق، أن نيابة أبشواي أمرت المباحث بجمع التحريات حول البلاغ المقدم من الراهب مارتيروس الرياني، أحد رهبان الدير المنحوت بمحمية وادي الريان، ومسؤول التفاوض في ملف أزمة الدير مع الدولة ضد 12 من الرهبان وطالبي الرهبنة بالدير، وحمل بلاع مارتيروس رقم 950 إداري مركز شرطة يوسف الصديق لسنة 2016، ضد 6 رهبان هم صموئيل الرياني، ومكاريوس الرياني، ويعقوب الرياني، وأثناسيوس الرياني، و داود الرياني، ودانيال الرياني، و6 من طالبي الرهبنة وهم بيفامون، وتيمون، ومويسبس، هارون، وأباهور، وبسنتي، يتهمهم فيه بإعاقة تنفيذ الاتفاق على حل الأزمة بين الكنيسة والدولة بالسماح بمرور الطريق الإقليمي للواحات من وسط الدير.

بداية الأزمة

 تعود قضية الدير المنحوت بوادي الريان بالفيوم إلى 5 سنوات ماضية، ببناء رهبان الديرعقب ثورة يناير سور تعدوا به على مساحة 10 آلاف فدان بمحمية وادي الريان، واستولوا على العيون الطبيعية وحفروا ونقبوا عن الآثار، وأقاموا المنشآت والمزارع داخل المحمية بالمخالفة للقانون.

 قابل الرهبان بالرفض منذ عامين صدور قرار بشق طريق بطول 125 كيلو متر، والذى سيربط بين محافظة الفيوم والواحات ويمر بالدير، ضمن الخطة القومية للطرق وتحديدًا في القطاع الشرقي منه، والذي يبلغ طوله 55 كيلو متر، ويجرى العمل به من طريق أسيوط غرب النيل، وحتى المنطقة المتعدى عليها من جانب ساكني الدير، حيث لم تتمكن معدات شركة المقاولين العرب من تنفيذ المستهدف تحقيقه، بعدما وجدت سور بطول 11 كيلو متر يغلق مسار الطريق بشكل كامل.

وحررت وزارتي الآثار والبيئة عشرات المخالفات المتعلقة بانتهاك محمية وادي الريان، كما أوصت دراسات الوزارتين بضرورة تنفيذ المسار المخطط للطريق “وداي الريان– الواحات” ومروره داخل المحمية الطبيعية.

تخلي الكنسية

على جانب آخر أدانت الكنيسة القبطية الأرثوزوكسية تعديات سكان الدير ولم تعترف بالدير، وأوصت بضرورة التصدي للتجاوزات التي يقوم سكانه، وتنفيذ مسار الطريق المخطط له.

كما طالبت الكنيسة القبطية عدم التجاوب مع ما يروجه البعض من أن الأمر قضية طائفية، وبعث سكرتير البابا تواضروس الثاني خطابًا إلى الجهات المعنية والمسؤولة عن تنفيذ الطريق المذكور قال فيه:”اعتراض بعض الساكنين بموقع الدير المنحوت– غير المعترف به– كدير كنسي حتى الآن، لا يمثل موقفًا رسميًا للكنيسة القبطية الأرثوزوكسية، التي سبق لها استبعاد الراهب المسؤول عن الدير، وتبرأت كذلك من بعض ساكني الدير، الذين انتحلوا صفة الرهبان، ولذلك تخلي الكنسية القبطية مسؤوليتها عن ما يقوم به بعض الساكنين بهذا الدير المذكور، وإدانتها لكافة التجاوزات التي تمت على الأرض المحيطة به”.

وضع حلول

 على خلفية هذا الرفض كلف الرئيس عبد الفتاح السيسى، المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء السابق، بالذهاب إلى منطقة الدير المنحوت ووضع حلول لا تعيق مسار الطريق، الذي توقف بعد تعنت ساكني الدير الذين رفضوا التجاوب مع مطالبة محلب بضرورة استكمال مسار الطريق.

وكان مهندسون بشركة المقاولون العرب، تقدموا ببلاغ الأسبوع الماضي، إلى مركز شرطة يوسف الصديق، ضد الراهب بولس الرياني، وعدد من رهبان الدير، اتهموهم بحرق لودر مملوك للشركة، والتعدي على العمال والمهندسين، ومنعهم بالقوة من عملهم في الطريق الإقليمي، المقرر إنشاؤه ليربط بين الفيوم والواحات.

وأعلنت مصادر أمنية أن الراهب بولس الرياني، سلم نفسه إلى مركز شرطة يوسف الصديق، واتهم مؤيديه جهات مجهولة بخطفه وتسليمه للأمن، فيما أمرت نيابة مركز أبشواي بمحافظة الفيوم، بتجديد حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق، بتهمة حرق لودر مملوك لشركة المقاولون العرب.

موقف الحكومة

“الدولة لن تتهاون في استرداد الأراضي التي تم الاعتداء عليها، ولن تسمح بالمساس بهيبتها مهما كانت الظروف أو التحديات، وسيتم استكمال طريق وداي الريان الواحات خلال الأيام المقبلة، انطلاقًا من خطة التنمية التي تقودها الدولة خلال الوقت الراهن، وتنفيذًا لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي”، تلخص هذه الكلمات موقف الحكومة الآن من أزمة الدير المنحوت.

وكشفت مصادر أمنية بالفيوم، عن تنسيق يتم بين مديرية الأمن والمحافظة، لوضع خطة أمنية لتنفيذ هدم الجزء المحدد بالدير خلال الأيام المقبلة، لإكمال إنشاء طريق الواحات، عقب اعتداء رهبان الدير على المحافظ وائل مكرم، والقوة الأمنية والمعدات المصاحبة لهم فجر الأربعاء الماضي، أثناء تنفيذ قرار إزالة مخالفات الدير، بحسب مصدر أمني رفض ذكر اسمه أيضًا.

 يعيد رفض رهبان الدير البالغ عددهم 140راهبًا، لشق الطريق، الأزمة التي بدأت عقب ثورة 25 يناير بعد قيام الرهبان بوضع اليد على ما يقارب 12 ألف فدان، ورفضهم مرور الطريق الذي يربط ما بين طريق “القاهرة- أسيوط الغربي” و طريق الواحات.

وكان لموقف الكنيسة الواضح من تلك الأزمة والمؤيد للموقف الحكومي، وإعلان الكنيسةعن تبرأها من الرهبان وشلحها لـ٦ منهم، ومناشدتها الباقين لطاعتها، أن حدث شقاق وسط الرهبان سكان الدير ترك على أثره الرهبان المؤيدين للكنيسة الدير.

نفي الرهبان

وبالعودة لاعتداء الرهبان على محافظ الفيوم، أكد الراهب أثناسيوس الرياني، أن المحافظ والقيادات الأمنية جلسوا معهم عند بوابة الدير الرئيسية وشربوا معهم الشاي، دون الحديث عن قرار الهدم، واصفًا ما حدث بالخيانة، وأنهم لن يتركوا الدير وشرعوا فى إعادة ما تم بناؤه، نافيًا وجود اتفاق على هدم سور الدير، مؤكدًا أن الرهبان لن يتركوا الدير حتى إذا سالت دماؤهم، خاصة وأن ما أشيع عن وجود اتفاق بين الرهبان والكنيسة والدولة غير صحيح، وكان لفشل زيارة إبراهيم محلب، للدير والتي لم تسفر عن أي حلول أن الرهبان مازالوا متمسكون بمنع الدولة من هدم سور الدير، وقد كلفوا مكتبًا هندسيًا لإجراء دراسة مساحية حول المسارات البديلة للطريق الدولي.

 ويعمق الأزمة أن الرهبان حصلوا على شهادات من هيئة الآثار تثبت إدراج الدير ضمن المواقع الأثرية بالفيوم، وهو ما يتعللون به لإيقاف قرارات الهدم، لكن وقوع الدير فى منطقة محمية وادي الريان الطبيعية، وتسبب سوره في منع الحيوانات البرية من الشرب من الآبار والعيون الطبيعية الموجودة ضمن نطاق الدير، يعطي مبررًا على الجانب الآخر للدولة في استعادة المساحة المسورة من جانب الرهبان.

ويعتقد مراقبون أن الدولة ستسير في تنفيذ سيناريو حل الأزمة بالقوة من خلال هدم سور الدير وتطبيق القانون على من يعترض من الرهبان والقساوسة، وهو السيناريو الذي كان مطروحًا مع بدائل أخرى كان من بينها أن تستجيب الدولة لما يطرحه الرهبان من مسارات بديلة للطريق الدولي، أو تقنين مساحة الدير التي تبلغ 11 كم والسماح للرهبان بممارسة حياة الرهبانية بعد التوصل لاتفاق.

العصا والجزرة

وسيظل عالقًا في أذهان العديد من مواطني الفيوم الذين شاهدوا حديث محلب خلال فيديو نشره أحد المواقع الإخبارية قال فيه “الرئيس عبد الفتاح السيسي هو من كلفني بالتحاور معكم والاستماع إليكم، فرد عليه أحد رهبان الدير: “ياريت تبلغه سلامنا”. واستطرد محلب: “الشبكة القومية للطرق لازم تتنفذ في وقت مضغوط جدًا، وفقًا لتوجيهات الرئيس السيسي، لأنها هتعود بالخير على بلدنا، والرئيس فكر التنمية بالنسبة له أمر مهم جدًا عشان الشباب يشتغل والدنيا تتحرك، وإحنا عاوزينكم عون لنا فى هذا الموضوع والمهندسين هيعرضوا الموقف معاكم عشان نشوف أنسب الحلول”.

هذا الحديث الودي لم يستمر طويلًا ففي نهاية حديث محلب بعد فشله في إقناع سكان الدير الرافضين لمرور الطريق، قال “القانون بيقول إن أي حاجة ممكن يكون فيها نزع ملكية للمصلحة العامة، وعلى الرغم من ذلك إحنا جينا لغاية هنا عشان نوائم بين التنمية ومحبتكم، لأن أنتو عندكم خوف من الموضوع.. فقاطعه راهب: “خوف مبني على الواقع اللي شوفناه”، فرد محلب: “الدولة قادرة أنها تحمي كل واحد فيكم”.. فقاطعه الراهب قائلًا: “أشك”، وأضاف محلب في نهاية اللقاء: “خلينا نفكر بقى وانتو تفكروا وربنا هينور طريقنا بإذن الله”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى