بيئةبين الناس

“القيسون”.. بديل “بيارات” الصرف وعدو مياهنا الجوفية

يمتد إلى عمق 30 مترًا ويؤثر على سلامة التربة وأساسات المنازل

القانون يعاقب عليه.. والأهالي: ليس أمامنا خيار

قنا – أبوالمعارف الحفناوي، مصطفى عدلي، إيمان القاضي:

تصوير- هادي سيد، أحمد دريم:

تحرير – عبدالباسط عياش:

بعد أن فشلت كل محاولات السيطرة على تسرب مياه الصرف الصحي إلى جدران منزله، نتيجة تهالك بيارة الصرف الصحي، أصبح لا بديل أمامه إلا اللجوء إلى “الأيسون”.

القيسون أو “الأيسون” أو “الياسون” كما يطلق عليه، هي آبار تحفر على أعماق بعيدة باستخدام مواسير، وتستخدم في تصريف مياه الصرف الصحي، أو استخراج المياه الجوفية في المناطق الزراعية، إذ يصل عمقها حتى 30 مترًا، وتكمن خطورته في استخدامه بديلًا لبيارات الصرف الصحي.

12573169_10153801208121970_8712542619517367762_n

“أعرف خطورة الأمر، وأنه يلوث مياهنا الجوفية وكذلك التربة، لكن لا بديل أمامي، ماذا أفعل؟ هل أنتظر حتى ينهار المنزل على عائلتي؟ لقد طفحت مياه الصرف حتى نخرت جدران المنزل” هكذا يقول فؤاد.ا، مدير أحد مراكز الشباب بقنا.

محمد السيد، أحد الذين يعملون في حفر “الأيسون” يقول إن تكلفته تتراوح من 1500 إلى 10 آلاف جنيه، وتُحدد حسب نوعية الأرض وقطر المواسير، ويصل عمقه ما بين 7 إلى 30 مترًا، وتستغرق عمليه الإنشاء من يوم إلى اثنين.

“القيسون” ليس للصرف فقط

وعلى بعد مئات الأمتار من منزل “فؤاد” لجأ أحد المزارعين لإنشاء “قيسون”، لسد احتياجات الأراضي الزراعية من المياه بسبب نقص مياه الري، ويقول اللواء مهندس هانيء حمدي، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بقنا، إن عملية إنشاء آبار للمياه لضخ مياه الري، لا بد أن تخضع لإشراف الشركة.

رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بقنا، يضيف أن هناك مواصفات يجب الالتزام بها في حالة حفر آبار ارتوازية لمياه الشرب، من بينها أن تبعد عن الصرف الصحي الموجود بالمنازل بمسافة 200 متر على الأقل، تجنبًا لاختلاطها بمياه الصرف، ويتعين على المزارع قبل إنشائه التقدم بطلب ومستندات الملكية ودراسة للجنة من مكتب استشاري.

وتصل عدد الآبار الارتوازية المرخصة لخدمة ري الأراضي الزراعية نحو ألف بئر، تخدم من 5 إلى 10 آلاف فدان في مراكز نجع حمادي والوقف وفرشوط، منها 95% خارج زمام نجع حمادي، بحسب المهندس عابد حسين عبد الله، مدير إدارة الري بنجع حمادي.

مصائب بالجملة

وتقول إيمان عبد الراضي، كيميائية في شركة المياه والصرف الصحي بقنا، إن “القيسون” الذي يلجأ إليه الأهالي يلوث مياه “الطلمبات” التي ما زال بعض الأهالي يستخدمها، إذ تنزح تلك “الطلمبات” المياه من عمق يتراوح بين 10 إلى 15 مترًا، وهو نفس عمق أيسونات الصرف تقريبًا، وربما كان عمق القيسون أكثر.

يتفق معها محمد أحمد، كيميائي، باحث ماجستير في مجال معالجة مياه الشرب، قائلًا: في حالة قرب الأيسون من سطح الأرض7 أو 15 مترًا، سيعمل على تدمير أساسات المنازل وكذلك التربة، لما تحويه مياه الصرف التي يضخها من نسبة أملاح مرتفعة، كما أن تلك المياه من شأنها أن تؤثر على استواء الأرض مسببة الانخفاضات والمرتفعات التي نراها كثيرًا في طرق القرى.

ويضيف عندما تختلط مياه الصرف بالمياه الجوفية، تسبب زيادة في الأملاح بطبيعة الحال، إلا أن الأمر يتعدى ذلك، إلى تلوث “بيكتريولوجي” وهي سم قاتل (التلوث البيكتريولوجي هو تلوث المياه ببكتريا برازية)، ومهما حدث لا يمكن معالجة تلك المياه كيميائيًا، ومن المستحيل أن تصل صحة تلك المياه إلى مستوى المياه العادية، ومهما تكلف الأمر فإن اختلافًا بين العناصر الكيميائية الموجودة في الاثنين يظل موجودًا.

كما تؤثر مياه الصرف الصحي على التربة ومن ثمَّ على الزراعات، إذ إن النباتات تمتص المواد من التربة ملوثة، وبالتالي تصبح تلك النباتات ناقلة للتلوث بطريقة غير مباشرة.

هل هي مياه جوفية؟

يقول أحمد إن المياه الموجودة تحت سطح الأرض تتنوع بين جوفية ومرشحة وخليط، فأما الجوفية فهي الموجودة في باطن الأرض وتوجد على أعماق متفاوتة حسب نوع التربة، أما المرشحة فهي التي تتسرب من مسطحات مائية كالترع والأنهار إلى التربة، وأما الخليط وهي التي يوجد فيها نسبة جوفية وأخرى مرشحة، لكن المياه الموجودة على بعدأمتار قليلة، فمن المرجح أنها مياه صرف تسربت عبر البيارات، إذ لا يمكن أن توجد مياه جوفية على هذا البعد.

ويقول محمد الديب، نائب مدير المستشفى العام بقنا، إن تلوث المياه يتسبب سنويًا في إصابة العديد من المواطنين بالفشل الكلوي، الذي لا يوجد له علاج سوى الغسيل مدى الحياة أو زرع كلى، بالإضافة إلى الإصابة بمرض السرطان، فضلًا عن أمراض أخرى كثيرة ناتجة عن بكتريا المياه.

ويشير إلى أن هذه الأمراض تسببها أيضًا المواد الثقيلة والفطريات الموجودة على المواسير وشبكات تحلية المياه والقايسون، ما يؤثر بالسلب على خلايا الإنسان.

اقرأ المزيد من هنا

التأثير على مياه الشرب

وفي دراسة  أجراها “مركز الدراسات الريفية” على حالة مياه الشرب بصعيد مصر، كشفت أن هناك أكثر من ألف قرية وعزبة لا توجد بها مياه شرب نقية، وتشير نتائج التحاليل التي أجريت على عدد من العينات العشوائية إلى ارتفاع نسبة الأملاح والمنجنيز عن الحدود المسموح بها.

نفس هذه الدراسة وجدت ارتباطًا مباشرًا بين ارتفاع نسبة الأملاح في مياه الشرب، وزيادة نسبة الإصابة بأمراض الفشل الكلوي.

12648200_946855768702675_549965733_n

وفي دراسة أخرى أجراها الدكتورعبدالقادر الهاشمي، رئيس وحدة الكلى بمستشفى قنا الجامعي، كشفت أن نسبة المصابين بالفشل الكلوي في محافظة قنا يبلغ نحو 30%.

اقرأ المزيد من هنا

“القيسون” وأساسات المنازل

يقول صبري أبو علم، مهندس إنشاءات، إن “القيسون” يشكل خطرًا غير مباشر على أساسات المنازل، لما تسببه مياه الصرف من تآكل، وتتحدد فترة تأثيرها حسب نوع التربة، فإن كانت طينية يظهر تأثيرها بشكل أسرع منها لو كانت رملية مثلًا.

بينما يقول مصطفى محمود إسماعيل، استشاري علوم الجيولوجيا والبيئة، إن القيسون يمتد أثره عل مساحة تتراوح من 10 إلى 15 مترًا، مشيرًا إلى أن المياه الجوفية النقية توجد على عمق 100 متر تحت الأرض فأكثر، أما أقل من ذلك فتعد مياهًا سطحية، تتأثر بمياه الترع والأمطار والسيول وكذلك بمياه الأنهار، لذلك يمكن اعتبارها المستوى المتغير والمؤقت للمياه الجوفية، بحسب وصفه.

بين الدستور والقانون

جلال كمال، ناشط حقوقي، يرفض “تعليق المشانق” للمواطنين في هذه الأزمة بحسب وصفه، مشيرًا إلى أن الدولة شريك أساسي في هذه المشكلة، وأنها دفعت المواطن إلى ذلك، بسبب تعطل مشروعات الصرف الصحي.

وينص قانون البيئة المصري في البند  26  “التصريف”، أن كل تسرب أو انصباب أو انبعاث أو تفريغ لأي نوع من المواد الملوثة أو التخلص منها فى نهر النيل والمجاري المائية، أو مياه البحر الإقليمي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة أو البحر، يعد مخالفة لأحكام ولائحته التنفيذية، ويترتب عليه العقوبة التي يقرها القانون.

وفي المادة (44) من الدستور التزمت الدولة بحماية مياهها الجوفية واتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمن المائي، كما كفل الدستور في المادة (46) منه الحق في البيئة صحية وسليمة، والتزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها.

المادة 44

أحمد الدقان، محام، يقول إن القانون يعاقب على إنشاء “القيسون”، لما يسببه من تلوث للبيئة وبالتالي المواطنين، وتقيد جنحة وتتراوح العقوبة من 6 أشهر إلى عام وغرامة تصل إلى 10 آلاف جنيه.

بينما كفل الدستور الحق في بيئة نظيفة ومياه آمنة، أغفلت الدولة خطورة غياب خدمات الصرف الصحي، ما دفع الأهالي إلى اللجوء إلى قيسونات الصرف الصحي، السرطان الذي يحارب مخزوننا الجوفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى