السرجة والحجلة والشبر شبرين.. ألعاب شعبية قديمة في قوص

السرجة والحجلة والشبر شبرين.. ألعاب شعبية قديمة في قوص أرشيفية

كتب: أحمد محمد حسن

في طفولتنا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لم تكن هناك ألعاب جاهزة ومصنوعة مثلما هو الحال الآن، ما عدا ألعاب المولد مثل الأحصنة القماش، والجمال الفخار، والشخاليل وغيرها، والتي كانت تصنع يدويًا كحرف بيئية، ولذلك كنا نسعى إلى ابتكار ألعابنا التي يرسمها خيالنا وتنفذها عقولنا وأيدينا.

في قوص، جنوبي قنا، توارتث الأجيال المتلاحقة عددًا من الألعاب الشعبية، أشهرها ألعاب “الشبر شبرين، والسروة، والحجلة، والسرجة، والسبع بلاطات، وأول جنك، والطاب، والصينية، والمال، والعرض السينمائي، وكرة الشراب”، فضلًا عن ابتكار الأطفال طرقًا للعب بنواة البلح، والأوراق.

لعبة الشبر

وهي القفز فوق أيدي وأرجل لاعبين اثنين جالسين على الأرض وأرجلهما متلاصقة في مواجهة بعضهما، ويقوم لاعب بالقفز فوق السيقان الممدودة للاعبين الجالسين الذين يقوم كل منهما بفرد يده على طولها فوق ساقه ويقفز اللاعب، ثم يده الثانية فوق الأولى، ويقفز اللاعب.

وطول اليد، هو المسافة بين الخنصر والإبهام، وتسمى “الشبر”، وإذا لمس اللاعب القافز الأيدي يخرج من اللعب ليلعب الجالسين، ويجلس هو وزميله مكانهما،  وهذه اللعبة مأخوذة عن التراث الفرعوني كما تشير الرسومات والبرديات.

لعبة “السروة”

السروة هي العصا التي تضرب بها عصا أقصر منها تسمى (المطرق)، ويستعان فيها بحفرة في الأرض يوضع فوقها المطرق لتطيح به السروة بعيداً.

ويستعان في هذه اللعبة بالألفاظ الخاصة بقوص، فنضع المطرق فوق الحفرة وتحتة السروة ونقول: “هيو” فيرد لاعب الفريق الآخر “بيو” فنطيح بالمطرق أبعد مايكون، ليلتقطه لاعب الفريق الآخر ويحاول أن يلقيه إلى أقرب مكان من الحفرة يكون أقصر من طول السروة، فإذا أفلح في ذلك يمسك هو السروة ويلعب بدلاً منا.

أما إذا لم يفلح وكانت المسافة بين الحفرة والمطرق أطول من السروة ، فنواصل اللعب ونضع المطرق بطول الحفرة بحيث يكون جزء منه بارزاً منها ونقول (أنشخ) فيرد لاعب الفريق الآخر(أنبخ)، فنضرب المطرق فوق رأسه البارز من الحفرة ليرتفع ثم نضربه بكل قوتنا إلى أبعد مسافة وهي “العلم” في اللعب ليحتسب الدور، وإذا فشلنا في بلوغ العلم، يتسلم لاعب الفريق الآخر السروة ليلعب.

ويحمل الفريق الذي يخسر  الفريق الفائز من العلم حتى الحفرة، وهذه اللعبة لها مفردات أخري في الأقصر، فمثلاً تسمى (جرين – سير) حيث يقول اللاعب “جرين” بدلاً من “هيو” عندنا، فيرد اللاعب المنافس “سير” بدلاً من “بيو”.

وهذه اللعبة بمفرداتها والألفاظ التي تقال فيها تدل على أنها تعود إلى التراث المصرى القديم  أيضًا، فالكلمات التي تقال فيها ليست عربية، ويمكن ترجمة المعاني المعبرة عنها، فمثلاً “هيو” تعني خذ، و”بيو” بمعنى “هات”، و”أنشخ” بمعني تلقى، و”أنبخ” بمعني إلعب، المهم أن هذه الكلمات معبرة عن اللعبة وضرورية في آدائها، ولعل هذه اللعبة تشبه لعبة البيسبول الأمريكية بشكل واضح.

الحجلة

يقوم فيها كل لاعب بالوقوف على قدم واحدة، ويمسك بيده قدمه الأخرى مثنية خلف ظهره، وعلي هذا الوضع يحاول كل لاعب أن يمسك بالمنافس ويوقعه أرضًا ليفوز، وهي بذلك تشبه ألعاب النزال كـ الجودو والمصارعة.

السرجة

من الألعاب التقليدية المتوارثة، والتي تسمي السيجة، وتتم بعمل مربع مقسم إلى 25 مربعًا صغيرًا، أو 25 حفرة في الأرض تشبه رقعة الشطرنج.

ويكون مع كل لاعب من الاثنين 12 زلطة صغيرة، أو 12 قطعة شقف (كسر الفخار)، أو 12 قطعة طوب صغيرة، المهم أن يكون مع كل لاعب 12 قطعه من نوع واحد.

ويقوم اللاعبون برص قطع اللعب (الكلاب) بالتناوب لتبقى خانة المنتصف خالية، ومنها يتم تحريك الكلاب في الرقعة، والتركيز يتم على أن يحصر كلبان للاعب كلب اللاعب الآخر، ويأكلوه، أي يخرجوه من السرجة.

والفائز هو الذي يخرج قطع الآخر كلها من الملعب، ولعلها تشبه في ذلك لعبة الشطرنج.

لعبة العنزة

وتسمى السبع بلاطات أو السبع شقفات، حيث ترص فوق بعضها، ويقوم فيها فريق من اللاعبين بضرب السبع شقفات بكرة من القماش لتقع، ويحاول بعد ذلك رصها مرة أخرى مراوغًا وهاربًا من الفريق الآخر، الذي يحاول منعه بضرب اللاعبين بالكرة، واللاعب الذي تصيبه الكرة يخرج.

أما إذا نجح الفريق في رص السبع شقفات يفوز بدور، وهذه اللعبة كنا نستمتع بها لما فيها من جماليات المراوغة والمرح والبهجة والمهارة.

لعبة أول جَنك

وهي تشبة لعبة قفز الحواجز الأوليمبية، وتتم بأن ينحني صف اللاعبين على مسافات متقاربة، ويقوم لاعب بالقفز فوق هذالصف حتى ينتهي ويفوز بدور ليواصل القفز.

أما إذا أخطأ واصطدم بجسم لاعب أو وقع، فيخرج ليصطف في آخر الصف وهكذا، وكنا نقول خلالها “أول جنك من الجنيك”، فيرد اللاعب الآخر “والتانية نطيت عليك”.

لعبة الطاب

وكنا نلعبها باستخدام كعوب البوص، التي نشقها طوليًا، ونمسك الكعوب باليد ونلقيها فوق الأرض لنحسب عدد الكعوب التي يكون وجهها المنبسط لأعلى، فإذا كان هذا العدد كبير يحسب دور للاعب، وإذا كان صغير يخرج اللاعب ويلعب زميله.

الصينية

الصينية هي مساحة من الأرض، مقسمة الى ستة مربعات، ويُستخدم فيها “حٌق” صفيح، أي علبة ورنيش مستعملة ذات غطاء أو شقفة كبيرة يتم تسويتها.

وتقوم الفتاة، وهي تقف على رجل واحدة، بالقفز، وتحرك الشقفة من مربع لآخر حتى تخرجها من مساحة الصينية.

أم إذا اختل توازنها، فوقفت على رجليها، أو وقف “الحق” على خط داخلي من الصينية، أو خرج من مربعين مرة واحده أو من الصينية كلها، فإنها تخرج من الدور وتلعب زميلتها، أما إذا أفلحت فتلعب دور آخر وهكذا.

لعبة المال

تلعبها البنات أيضًا، حيث تقمن بحك قطع الفخار لتصير في حجم العملة المستديرة، ولذلك تسمي اللعبة المال، وأحيانًا يستخدم فيها الزلط بدلاً من قطع الفخار.

وتمسك اللاعبة قطع المال، حوالي خمس أو سبع قطع، وتلقي بقطعة منها إلى أعلى، وتلقي الباقي على الأرض، وقبل أن تسقط القطعه على الأرض تحاول أن تمسك أكبر عدد من المال الملقى على الأرض، وتستقبل عليه القطعة الطائرة.

ومن تنجح في ذلك تكمل اللعب حتى تجمع كل المال وتواصل اللعب، أما إذا سقطت القطعة الطائرة دون أن تلتقطها أو لم تجمع من الأرض شيئًا أو بعثرت المال فتخرج لتلعب زميلتها.

العملة النووية

ولا يقف الأمر عند تلك الألعاب، وإنما كنا نصنع ألعابًا أخرى من خامات البيئة، ومن أنوية الثمار، كالدوم الذي كنا نصنع من نواته الداخلية، التي تسمي “المحص”،نحلة نديرها بعمل مسمار في أسفلها، ولف خيط في مجرى بمنتصفها، ونشد الخيط لتدور النحلة علي الأرض.

وكذلك نواة ثمرة المانجو، التي كنا نشقها ونعتبرها خروفًا، ونقسمها إلى ثلاثة أجزاء، الغطاء الخارجي للثمرة، ونسميه فروة الخروف، والقشرة الحمراء الداخلية، وهي كبدة الخروف، والجسم الأبيض الذي تغطيه القشرة نسميه اللحم، ونقوم ببيع أجزاء الخروف مقابل نوى البلح “الفصا”.

كما كنا ندق قطع الطوب الأحمر، ونعتبرها فلفل أحمر، والحجر الرملي نحوله إلى رمل ونعتبره سكر، ونبيع هذه المواد أيضًا مقابل “العملة النووية”، أي “الفصا”.

وهذا “الفصا” كان مشتركًا في أكثر من لعبة، منها لعبة تشبه لعبة “النشان”، وتتم بأن يمسك لاعب كمية من “الفصا” ويلقيها إلى أعلى لتسقط على الأرض، ثم يقوم كل لاعب على التوالي بضرب “فصاية” بطرف السبابة لتصطدم بأخرى مهما كانت المسافة قريبة أو بعيدة (هو وحظه)، وإذا نجح يواصل اللعب، أما إذا أصاب أكثر من “فصاية”، أو لم يفلح أن يصب أي واحدة فلا يحسب له شيئًا.

ومن ألعاب “الفصا” أيضًا لعبة تسمى “أبو الفصيَ”، وهي فصاية يتم شقها نصفين، ويؤخذ أحدهما ويخلط مع “الفصا” السليم، ويقذفه اللاعب إلى أعلى، فإذا سقط النصف “أبو الفصى” على ظهره، أي يكون الشق إلى أعلى، يكسب اللاعب كل الفصا، وإذا كان ظهره لأعلى، يلعب زميله.

وهذه اللعبة أيضًا ترتبط أساسًا بكلمات نقولها، مثل لعبة السروة وأول جنك، فنقول فيها “أبو الفصى إن كنت حي أزغرد لك، وإن كنت ميت أقولك حا”، وهذه الكلمات تقال عند إلقاء الفصى إلى أعلى، فاللاعب يتمنى أن يسقط أبو الفصى على ظهره ليكسب أي يكون حيًا، وإذا لم يكسب يسبه بهذه الكلمة التي تقال للحمار.

وتذكرنا لعبة الفصا، بلعبة “البلول”، وهو نوى الدوم، الذي يسمي أيضًا المقل، والذي ذكرنا أن الدومة تشق لنخرج نواتها الداخلية شديدة الصلابة “المحص” لنصنع منها النحلة.

هذا المقل يتم جمعها بعد نحت الدوم، ونختار قطعة من الشقف “كسر الفخار”، والذي نلاحظ أيضًا أنه مشترك في كثير من الألعاب مثل المال، والعنزة، المهم أن نختار “شقفاية” مربعة أو مثلثة الشكل كشخص أو نشان للضرب عليها بالبلول، بغرض إسقاطها ونسميها “الكيك”، وتكون المسافة بعيدة بين الكيك واللاعبين/ وكلما حمي اللعب ولم يسقط الكيك تبعد المسافة أكثر ، حتى يفلح أحد اللاعبين في إسقاط الكيك ليحصل علي كل البلول المحيط به.

وهذه اللعبة كانت تتميز بالإثارة والسخونة التي تصل أحيانًا إلى الاشتباك بالأيدي.

ألعاب ورقية

هذا إضافة إلى الألعاب التي كنا نصنعها من ورق الكراسات المستعملة، مثل البدلة، والناضور (التلسكوب)، والفرارة، والمركب، والرفاص، والطيارة، والأكرديون، ومن الطين كنا نشكل جمال وطيور وأحصنة وأواني، ومن خوص النخل كنا صنعنا “برش” أي بساط وخاتم وساعة وعش الزنان “الدبور”.

آلة العرض السينمائي

وكنا نصنعها من لمبة كهرباء محروقة نملأها بالماء، ومرآة تعكس ضوء الشمس الذي يسقط على اللمبة، التي يوجد خلفها قصاصة فيلم مستعمل، لتقوم اللمبة بدور العدسة المكبرة للفيلم، وهو منظر واحد يتم تغييره.

كرة شراب 

ولا ننسى الكرة الشراب، التي كنا نصنعها من نقع الشباشب الإسفنجية المستهلكة في الجاز لمدة يومين حتى تنتفش، ثم نقطعها ونحشو بها فردة الشراب القديمة التي نديرها لتصبح كرة تنط لتبلغ عين الشمس، كما كنا نزعم.

ألعاب تمثل ذكريات وسجل حافل بالمهارات والبراعة والتفكير والإبداع، إنها “ألعاب زمان” التي دثرها الحاضر.

الوسوم