سلسلة عاشت الأسامي| ضريح النبي دانيال بالإسكندرية.. ملتقى الإسلام واليهودية ومشايخ البهرة

علي مقربة من شارع النبي دانيال، بمنطقة العطارين بوسط الإسكندرية، تجد مسجدًا كبيرًا ذي مئذنة ضخمة يبهرك تصميمها المعماري الرائع المدهون باللون الأصفر الفاتح، لها مدخل خاص جدرانه متآكلة من شدة الإهمال.

وحينما تقف أمام البوابة الرئيسية تلمح لافتة مكتوبة بالحجارة، نصفها متآكل مدون عليها “مسجد النبي دانيال”، الذي نسب تسميته للشارع المذكور.

وعند دخولك ساحة مسجد سيدي النبي دانيال تجد مساحة مستطيلة بباب صغير منفصل عن المسجد الكبير بالناحية الشمالية الغربية، وتحتوي علي دورة المياه، فيما يحتوي المسجد علي واجهة رئيسية واحدة هي الواجهة الجنوبية الغربية ويقع بها المدخل الرئيسي للجامع، حيث يؤدي هذا المدخل إلى بيت الصلاة وينقسم إلى قسمين القسم الأول وهو مصلي للرجال أما القسم الثاني فخصص لصلاة النساء.

و يتكون بيت الصلاة أو المصلى إلى مساحة مستطيلة مقسمة إلى ثمانية مداخل من خلال سبعة أعمدة رخامية، تحمل عقودًا نصف دائرية ويوجد بالناحية  الجنوبية الشرقية المحراب ويفتح بالجدار الشمالي الشرقي فتحة باب مستطيلة تؤدي إلى  الضريح.

وحينما تطأ قدماك المسجد تبهرك التصاميم المعمارية المدهشة، وهي عبارة عن نجف ضخم مطعم بالفضة والنحاس، وجدرانه ملونة باللون الأبيض ومرصعة بماء الذهب.

المسجد عبارة عن مساحة مستطيلة يتوسط أرضيتها فتحة مثمنة، يحيط بها حاجز من  الخشب الخرط، يرتكز على رقبة مثمنة مكونة من ثلاثة صفوف.

فيما يتم الهبوط بعمق حوالي خمسة أمتار إلى الضريح الذي يتكون من مساحة مربعة تقوم على أربعة دعائم متعامدة بالناحية الجنوبية الغربية.

ويتوسط أرضية الضريح تركيبتين من الخشب أحدهما تحتوي علي قبر محمد دانيال الموصلي، أو كما هو معتقد النبي دانيال والأخرى تضم قبر يعرف بقبر لقمان الحكيم.

أما المقبرة الثالثة فلا أحد يعلم من مدفون به فهناك من يؤكد أن المدفون بها هو الاسكندر المقدونى و آخرون يؤكدون أن المدفون به أحد أقرباء الخديوي إسماعيل.

 3 أضرحة

يعد مسجد وضريح النبي دانيال، بدائرة قسم شرطة العطارين وسط محافظة الإسكندرية، من أشهر المساجد بالثغر، حيث يعد مزارا للعديد من الأطياف الدينية منهم المسلمين المتصوفين والهنود من أتباع مشايخ البهرة، فضلا عن أنه قبلة لمريدين وأحباب آل البيت.

وعن تاريخ ذلك المسجد الشهير يقول الشيخ جابر قاسم، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية بالإسكندرية وضواحيها، إن سيدي النبي دانيال من أشهر وأعرق أولياء الله الصالحين الموجودين في الثغر تاريخًا وعمقا.

ويسرد قاسم أن الدكتور جمال الدين الشيال، ذكر فى كتابه “تاريخ أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي”  نقلا عن الرحالة “أبو الحسن علي بن أبي الهروي، من كتابه الإرشادات إلى معرفة المزارات الموجودة بالثغر، أن منها قبر “أرميا النبي” أحد أنبياء بني اسرائيل بالديماس والمدفون بمنطقة “كوم الدكة”.

ويضيف قاسم، أن الدكتور الشيال قال إن الهروى أول رحالة عربي ذكر هذا القبر في كتابه، ما يدل على أنه لم يكن حتى أواخر القرن السادس الهجرى موجودًا بكوم الدكة مسجدًا يسمى “مسجد النبى دانيال”، وإنما كان به قبر يعرف بقبر “أرميا النبي”.

 قبر الحكيم لقمان

يوضح قاسم أن الحفائر التى قام بها المرحوم حسن عبدالوهاب في هذه المقبرة، التي تنخفض عن سطح الأرض بنحو خمسة أمتار، وجد وسطها تابوتا خشبيا كبيرا عليه ستر باللون الأخضر مكتوب عليه: قبر النبى دانيال، وبجواره تابوتًا آخر أصغر منه عليه ستر أخر مكتوب عليه: قبر الحكيم لقمان.

ويتابع  بعد الحفر تحت التوابيت وجد حفرة بها مجموعة من شواهد القبور، بعضها إسلامي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، كما أن هناك بعض الأعمدة تعود إلى العصر الروماني، كما ذكر في كتاب المجلس الأعلى للثقافة  “منارة الثقافة.. إسكندرية، لمؤلفة فتحى الإبياري.

 رواية أخرى

الدكتور علي مختار، الباحث في الشأن التراث الاسلامي، يقول إن الحافظ بن حجر العسقلاني، ذكر فى كتابه “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة” أن دفين هذا المسجد إنما هو الشيخ  محمد بن دانيال الموصلي، أحد شيوخ المذهب الشافعي، الذى وفد إلى الإسكندرية في نهاية القرن الثامن الهجري واتخذ من مسجد الاسكندر اسم المسجد فى هذا الوقت مستقرا له ولبث فيه.

ويضيف مختار، أنه عقب ذلك درس الشيخ بن دانيال الأصول وعلم الفرائض على منهج الشافعية حتى توفى سنة 810هـ- 1407،  فدفن فى المسجد، موضحًا أنه لم يصل الينا غير القليل من أخبار الشيخ  محمد دانيال الموصلي أو أثاره وإنما يرد ذكره دائما مع المسجد السكندري، الذى يسميه الناس اليوم “جامع النبى دانيال”.

ويوضح مختار أن بالمسجد يقع الضريح في منتصف الجهة الشمالية الشرقية للمسجد، بفتحة باب مستطيلة تؤدي إليه، ويتكون من 4 دعائم متعامدة، ويتم الهبوط بسلم بعمق حوالى 5 أمتار، ويعلوه قبة في وسطه تقوم على رقبة مثمنة مكونة من أربع مقرنصات وأربع نوافذ وقد ملئت النوافذ بزجاج معشق متعدد الألوان.

ويلفت إلي أنه يتوسط أرضية الضريح تركيبتين من الخشب، تحتوي على قبر الشيخ  محمد بن دنيال الموصلي، أو كما هو المعتقد “النبى دانيال”، والأخرى تضم قبر يعرف باسم الشيخ  لقمان الحكيم، أو ما يشاع قديما أنها زوجة الشيخ الموصلي.

 التاريخ حائر

الدكتور علي مختار، يقول إن التاريخ حائر ما بين أصل ودين وعقيدة النبي دانيال، موضحًا أن اليهود عندما يأتون إلي الثغر أو حتى الجالية اليهودية يزورونه اعتقادا منهم أنه من أصل يهودي، فضلا عن أن الهنود يزورونه ويأتون من بلادهم خصيصا لاعتقادهم أنه يتبع طريق البهرة الصوفية، وكذلك المسلمون الصوفيون يعتقدون أنه شافعي مسلم يتبع السادة الصوفية.

أما عادل عبد القادر، الباحث في علم التاريخ الاسلامي بجامعة الاسكندرية، يقول إن الروايات تعجدت بشأن أصل سيدي النبي دانيال، إذ إن هناك رواية تقول إنه عندما فتحت الاسكندرية على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عثر الجنود على المكان وعليه أقفال من حديد تحيط بحوض من الرخام الأخضر.

ويضيف، أنه عند فتح المكان وجدوا فيه هيكل لرجل ليس على هيئة أهل العصر، فأنفه طويل ويده طويلة وعليه أكفان مرصعة بالذهب فأبلغوا عمر بن الخطاب بذلك فسأل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقال له: هذا نبي الله دانيال فأمر عمر بتحصين قبره حتى لا يمسه اللصوص.

 أساطير وحكايات

بينما يقول الباحث عادل عبد القادر، إن عددا من الأثريين يشككون في هذه الرواية ويرون أن الضريح الموجود في المسجد على عمق حوالي خمسة أمتار هو للشيخ العارف بالله محمد دانيال الموصلي، وهو رجل صالح جاء إلى الإسكندرية نهاية القرن الثامن الهجري، ودرس أصول الدين وعلم الفرائض على مذهب الإمام الشافعي.

ويشير إلي أنه ظل بها حتى وفاته سنة 810 هـ ودفن بالمسجد، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثاني عشر الهجري، كما أن هناك عدة أساطير وحكايات ارتبطت بهذا المسجد الشهيير، يقول علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية، إن مسجد النبي دانيال كان صغيرا فجدده العزيز محمد علي باشا عام 1238.

يضيف عبدالقادر أن  تلك المخطوطة ذكرت أن المسجد به مدفن مخصوص بالعائلة الخديوية مدفون فيه المرحوم محمد سعيد باشا ونجله طوسون باشا وغيرهما وحتى الآن لا أحد يجزم بحقيقة وشخصية المدفون داخل الضريح.

 أتباع البهرة

أما الشيخ جابر قاسم، فيقول إن لسيدي النبي دانيال احتفالية تقام سنويا بعد عيد الأضحى مباشرة، إذ يأتي مريدون من الدول الأسيوية، وخاصة دولة الهند  من مشايخ البهرة وأتباعهم، مشيرا إلي أن المشيخة العامة للطرق الصوفية تقيم الاحتفالية مع الضيوف من أتباع طريقة البهرة وتشرف عليها، وأن طوال العام تأتي وفود كثيرة من الجماعات الصوفية الأسيوية.

الوسوم