سلسلة عاشت الأسامي| مسجد العطارين بالإسكندرية شاهد على تصوف نبلاء العصر الفاطمي

حي العطارين واحد من أقدم الأحياء بمحافظة الإسكندرية، وهو الحي الذي سمي نسبة لمسجد العطارين والموجود بداخلة ضريح سيدي محمد العطار، أحد أولياء الله الصالحين من أعلام التصوف الإسلامي، فضلًا عن كونه أحد أهم المساجد التاريخية المشهورة، التي تحتوي على تراث عظيم.

جامع العطار

يعد جامع العطارين أحد أقدم جوامع المحافظة، وواحد من المعالم الإسلامية المهمة، وقد عرف بهذا الاسم لوقوعه قرب سوق العطارين أشهر أسواق الثغر.

كما عرف أيضا باسم جامع الجيوشي نسبة إلي أمير الجيوش بدر الدين الجمالي، الذي جدده وطوره وعمل على توسعته في عام 477 هـ، بحسب ما ذكر الشيخ أحمد محمد شندي، إمام وخطيب مسجد العطارين السكندري.

ويسرد شندي أن  مسجد العطارين موجود فى جزء مثلث ويضم أوقافه وبعض المباني الأخرى، وتُحدُّ هذا المثلث غربا بشارع سيزوستريس، وجنوبا بشارع سيدي المتولي، وشرقا وشمالا بالشارع الذى يحمل أسم “مسجد العطارين”.

ويضيف أن المسجد يتكون من طابقين خصص الطابق الأرضي لصلاة الرجال، بينما خصص الطابق الأول للنساء، ويوجد بالطرف الشرقي لواجهة المسجد مدخل آخر يؤدي إلي القبة الضريحية، وكتب أعلي هذا المدخل “هذا ضريح سيدي  محمد بن سليمان بن خالد بن الوليد، وجدد عام 1319”.

أما الواجهة الجنوبية الغربية فيقع بها مجموعة من المحلات كانت موقوفة علي المسجد للصرف من ريعها ويقع بالطرف الغربي للواجهة مدخل أخرر يؤدي إلى روضة المسجد ويعلوه هذه اللافتة المدون عليها جملة “جدد هذا المسجد المبارك في عصر الخديوي مصر عباس حلمي أدام الله أيامه سنة 1319 هـ”.

ضريح حفيد خالد بن الوليد

ويتابع شندي أن المسجد أقيم بعد الفتح الإسلامي لمصر وكان جامعًا صغيرا، إلا أنه بمرور الزمن بدأ هذا المسجد في التهدم وتهاوى بعضه في بداية العصر الفاطمي، إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلي مدينة الاسكندرية سنة 477 هـ لإخماد الثورة التي قام بها ابنه الاكبر “الاوحد أبو الحسن” الملقب بمظفر الدولة، ومن ثم جدد المسجد.

ويضيف أن بدر الجمالي نزل إلى الثغر و حاصر أبوابها شهرا حتى طلب أهلها الأمان وفتحوا أبوابها فدخلها وأخذ ابنه أسيرا، وعاقب أهل الإسكندرية الذين أيدوا حركة ابنه الاأوحد بأن فرض عليهم جميعا مائة وعشرين ألف دينار حملت إليه فجدد بناء مسجد العطارين، وفرغ من ذلك في ربيع الاول سنة 479 هـ.

أول صلاة جمعة

يوضح الشيخ أحمد شندى، أن عقب ذلك أقيمت بالمسجد أول صلاة الجمعة، وبإنشاء المسجد أصبح لمدينة الثغر مسجدان جامعان هما الجامع الغربي وهو الجامع العتيق الذي أسسه عمرو بن العاص عند فتحه لمصر وكان يعرف بجامع الالف عمود والجامع الشرقي الجديد أو مسجد العطارين الان وظل هذا المسجد جامعا إلي أن زالت الدولة الفاطمية علي يد صلاح الدين الايوبي الذي أمر ببناء جامعا أخر نقل إليه الخطبة من مسجد العطارين.

الافتتاح الجديد

ويتابع أن المسجد رُمم مرة أخرى في عهد الظاهر ببيرس عام 660 هـ، ومرة أخري في عهد الخديوي عباس حلمي عام 1319هـ، ثم أعيد بناؤه وافتتاحه عام 1976، وافتتح مجددا بعد تطويره وترميمه في 20 يونيو الحالي، في حضور المهندس محمد عبدالظاهر، محافظ الاسكندرية، ووكيل وزارة الاوقاف بالمحافظة وعدد من نواب البرلمان.

ولي الصوفية

اشتهرت محافظة الاسكندرية بأنها ثغر حربى وميناء تجاري لكثرة توافد علماء المغرب والأندلس والمشايخ من أهل الحديث والتصوف عليها، فمنهم من اقترنت أسماؤهم بمساجدهم وأحياء الإسكندرية، بحسب الشيخ جابر قاسم، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية في الاسكندرية وضواحيها.

يقول قاسم إنه أجرى أبحاثا كثيرة عن التاريخ الصوفي في الثغر، وإن مسجد سيدي العطار من أهم مساجد المحافظة، والذي ينسب إلى شخصية تاريخية عريقة.

أصله كنيسة

بينما يقول الدكتور معتز علي، الباحث في علوم التاريخ الإسلامي بجامعة الإسكندرية، إن المراجع التاريخية القديمة تذكر أن المسجد القديم أقامه المسلمون بعد الفتح العربي على أنقاض كنيسة القديس أثناسيوس.

ويضيف معتز أن أمير الجيوش بدر الجمالي، الأرمني الأصل ووزير الخليفة الفاطمي المستنصر زار الإسكندرية وجدد المسجد وجعل واجهته المطلة على شارع سيدي المتولي عبارة عن حوانيت شغلها تجار العطارة، ومن ثم أُطلق على المسجد اسم: مسجد العطارين وأطلقت كلمة العطارين على الحي الذي به المسجد، وكذلك قسم شرطة العطارين الآن.

ويلفت معتز إلي أن المسجد به ضريح، مكتوب على غطائه الأخضر مقام سيدي محمد العطارين ويعرف مسجده باسم جامع العطارين، و هو  العلامة المحدث  سيدي محمد  بن سليمان بن أحمد بن يوسف، الملقب بزين الدين- رضى الله عنه- ويضيف أن أن المقريزي ذكر في مخطوطة اتعاظ الحنفاء  إلى بناء  بدر الجمالي  لهذا الجامع أثناء زيارته لمدينة الإسكندرية في سنة 577 هجرية.

مغربي الأصل

يوضح معتز أن صاحب الضريح هو عالم مغربي متأخر اسمه محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف الملقب بزين الدين، وأصله من المغرب الأقصى وقدم به والده الى الإسكندرية وهو صغير، واستوطنها الى أن مات بها، وبعد وفاته أقبل الابن على العلم.

وتابع أنه أخذ عن تلاميذ الشيخ الحافظ السلفي وعن المحدث المشهور والعلامة الكبير عبدالوهاب بن فتوح السكندري، المتوفى سنة 648هـ، ولهذا نبغ فى علم الحديث، وكان يلقي دروسه فى هذا المسجد واتخذه مسكنا لـه إلى أن توفى في 14 ذي الحجة من سنة 717 هـ فدفن فيه.

علَّامة جليل

الشيخ جابر قاسم، يقول إن لهذا المسجد  شأن مرموق عند أتباع الطريقة الشاذلية، فسيدي أبو الحسن الشاذلي، مؤسس  الطريقة الشاذلية، كان يلقي دروسه في هذا المسجد، وعندما وفد إلى الإسكندرية صحبة سيدي أبي العباس المرسي، واتخذ له مسكنا بكوم الدكة.

ويضيف قاسم أن التدريس استمر بجامع العطارين إلى أن انتقل هو وتلميذه أبوالعباس المرسي إلى جهة منطقة “السيالة” بحي الجمرك، وكانت تسمى هذه المنطقة “المزار”، كان المريدون يزورن فيه ولي الله أبا العباس المرسي وكان بجواره قرافة باب البحر والضريح بذات المسجد بشارع مسجد العطارين بوسط مدينة الإسكندرية.

ويختتم قاسم حديثه قائلا إن مسجد العطارين تقام فيه احتفالية صوفية خاصة لسيدي محمد العطار بمناسبة مولده وذكراه في 20 من شهر رمضان كل عام.

الوسوم