الصورة الذهنية للشيطان ذي الوجه البهائمي والقرون الطويلة والشوكة الثلاثية، هذه الصورة المشوّهة رسمتها قرون متعاقبة من انتشار المسيحية في أوروبا الوثنية، الشوكة الثلاثية رمز لبوسيدون إله البحر، والقرون رمزية تاريخية للفحولة والقوّة، وكان المحاربون القدماء يحرصون على ارتداء القرون الطويلة لإخافة أعدائهم، هكذا يفسر الروائي الأمريكي دان براون، تطور الصورة الذهنية للشيطان من خلال روايته شفرة دافنشي.

لكن استخدام الشيطان في صورة بشرية، وجعله جزءًا رئيسيًا من عمل أدبي، بدأ في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، من خلال أسطورة شعبية نُسجت حول كيميائي ألماني اسمه فاوست، يعقد هذا الكيميائي صفقة مع الشيطان تقضي ببيع روحه له، نظير أن يقدم الشيطان خدماته له طوال حياته، لكن الاستيلاء على روح فاوست مشروط ببلوغه قمة السعادة.

عبد الرحيم كمال الصعيدي المحمّل بحكايات الجنوب وأساطيره استخدم هذه التيمة التي استهلكتها السينما العالمية في أفلام كثيرة، لعل آخرها ghost rider  من بطولة نيكولاس كيج، التيمة المستهلكة عالميًا ليست جديدة حتى على السينما المصرية التي تناولتها أكثر من مرّة، لعلّ أوّلها وأشهرها فيلم “سفير جهنم” إنتاج العام 1945، من تأليف وإخراج يوسف وهبى، لكن الجديد هذه المرّة استخدام هذه التيمة في الدراما التليفزيونية، 30 حلقة تساوي شهرًا من الجرعات المحفزة للخيال والتنبوء، الجديد هذه المرّة بالنسبة لعبدالرحيم كمال هو وجود بطل شرير للعمل الذي يكتبه، لكنه ليس بالأمر الجديد على يحيى الفخراني الذي قدّم هذه النوعية في مسلسله “شرف فتح الباب”، من إنتاج 2008، تأليف أحمد محمود أبوزيد.

الفخراني في “شرف فتح الباب”، خدع المشاهدين، العجوز أمين المخازن المتدين، خدعنا وخدع زملاءه في العمل واستطاع أن يحصل على تعاطفهم معه في أزمته، أقنعهم أنه ضحية لمؤامرة خفية، وأنّه رجل شريف لا يمكن أن يسمح بسرقة ما في عهدته، ثم نكتشف قبل نهاية المسلسل أنه سارق.

في العام 2012 قدّم لنا أحمد السقا صورة مغايرة تمامًا للبطل الذي عهدناه مثاليًا، ضابط الشرطة بطل مسلسل “خطوط حمراء”، رفض تقديم المجرمين للعدالة، وفضّل أن يطبقها بيديه، قتل ابن عدوّه اللدود دياب، الطفل الصغير بدم بارد، انتقامًا لمقتل ابنه الصغير.

خلطة ونوس مطعمة بتيمات كثيرة قديمة، مثل آدم “ياقوت” والشيطان “ونوس”، في الحلقة الثانية يتحدث الفخراني مع نبيل الحلفاوي عن القصر، وشجرة التفاح، وفي إحدى الحلقات الأخرى يتحدث مع حنان مطاوع عن السحر وفنونه، والأعمال السفلية التي قد تكون غريبة عن سكّان القاهرة المزدحمة سريعة الإيقاع، لكنها مألوفة عند أهل الصعيد، وفي الحلقة الأولى تفتح طفلة صغيرة الباب لطارق مجهول فلا تجد أي شىء ولكنها تشعر بالبرودة فجأة، وهي فكرة مقتبسة من فيلم The Sixth Sense أو الحاسة السادسة، من بطولة بروس ويلز، الذي يقوم بدور طبيب نفسي يسعى لحل لغز طفل يدعي أنه يشاهد الموتى ويتحدث معهم، الطفل يخبر الطبيب بأنه يعرف بحضور الأشباح إذا شعر ببرودة شديدة فجأة.

ما بين حكاوي التصوف والسحر والغموض الجنوبي، واقتباس أفكار وتيمات قديمة، وبراعة ممثل اسمه الفخراني، له رصيد كبير عند جمهوره، وتألّق طاقم العمل وعلى رأسهم حنان مطاوع ونبيل الحلفاوي، نحن في انتظار المزيد والمزيد من جرعات الونس، فالحياة القاسية التي نعيشها بحاجة لنوع خاص من الونس، ونس يليق بالوحدة وسط الجموع والضجيج، ونس يضئ الجانب المظلم من شخصياتنا، يتلاعب بالمنطق ومعايير الصواب والخطأ.