التلوث والصيد يهددان 40 نوعا من الأحياء البحرية في الإسكندرية بالانقراض

يواجه 40% من أنواع الأسماك النادرة خطر الانقراض في غضون السنوات القليلة المقبلة، بسبب ارتفاع نسب التلوث في البحر الأبيض المتوسط بمحافظة الإسكندرية، وعمليات الصيد الجائر التي يقوم بها الصيادون تجاه تلك الأسماك مثل “الترسة البحرية والتونة”، ما جعل الخبراء البحريون يحذرون من عواقب تلك الكارثة.

ناقوس الخطر

يقول الدكتور محمد كامل، الباحث بالمعهد القومي لعلوم البحار بالإسكندرية “تتعرض الأحياء البحرية النادرة لخطر الانقراض بسبب عوارض بيئية خطرة مثل التلوث البحري وصيد تلك الأحياء النادرة من قبل الصيادين وبيعها بأسعار مرتفعة، ما يهدد الثروة السمكية بالانقراض خلال السنوات المقبلة”.

ويضيف كامل أن الباحثين والخبراء البحريون في مصر لم يهتموا بقيمة الثروة البحرية بل يتعمد المسؤولين قتلها بإهمالهم وعدم معاقبة السفن التي تلوث البحر وتقتل الأحياء البحرية النادرة، فضلا عن أن المصانع البترولية والكيماوية التي تصرف مخلفاتها في مياه البحر مباشرة، الأمر الذي يؤدي إلى ضرر كبير يلحق بالثروة البحرية ويهدد بقائها.

ويوضح الباحث أن هناك العديد من أنواع الأحياء البحرية العظمية قد تتعرض لخطر الانقراض والاختفاء التام خلال الأيام المقبلة، بل هناك أسماك بالفعل انقرضت وكانت تعتبر من أهم الأحياء البحرية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط.

ويشير إلى أن مصطلح الأسماك العظيمة يطلق على الأسماك طبقًا لتكوين هياكلها، إذ تتكون من مجموعتين رئيسيتين، إحداهما مجموعة الأسماك العظمية الحديثة التي يتكون معظم هياكلها من العظم، والمجموعة الثانية فهي مجموعة الأسماك العظمية البدائية التي يتكون هيكلها جزئيًا من العظم وجزئيًا من الغضروف.

الصيد الجائر

يقول الباحث العالمي كينت كاربنتر، منسق تقييم الأنواع البحرية العالمية في سويسرا، في الدراسة البحثية التي أصدرها مؤخرا، إنه توجد أسباب تدعو للقلق بشأن سمك التونة ذات الزعانف الزرقاء، والتونة الأحمر والهامور الداكن، والقاروس الأوروبي وسمك النازلي،  في البحر الأبيض المتوسط وشرق المحيط الأطلسي على وجه الخصوص وهي كذلك مهددة بالانقراض، مشيرًا إلى وجود انخفاض حاد في تكاثر الأسماك العملاقة في البحر المتوسط، بسبب أربعة عقود من الصيد الجائر المكثف.

ويضيف كاربنتر أن هناك أكثر من أربعين نوعا من أسماك البحر الأبيض المتوسط مهددة بالانقراض خلال السنوات المقبلة، ويعود السبب إلى الصيد المفرط بحسب الدراسة الأولى التي أعدها الاتحاد العالمي للطبيعة، إذ أنه من بين 519 نوعا من الأسماك البحرية الأصلية، صنفت أكثر من 8% منها أي “43 نوعا” ضمن الأصناف المهددة في خطر كبير.

ويضيف التقرير أنه من بين الأنواع الـ15 الأكثر تعرضا للتهديد أسماك القرش والشفانين، ومن بين الأنواع الـ15 المصنفة “عرضة للخطر”، 8 أنواع من أسماك القرش و7 أنواع أخرى تنتمي إلى فئة الأسماك العظمية.

ويشرح الباحث العالمي في دراسته أن استخدام معدات الصيد مثل قصبة الصيد والشباك “جيبية الشكل”، إضافة إلى الشباك التي توضع على سطح الماء، أمران قد يؤديان إلى صيد مئات الحيوانات البحرية التي لا قيمة تجارية لها، وبالتالي تهدد هذه الممارسات أنواعا عدة من أسماك القرش والشفافين وحيوانات بحرية أخرى كالدلافين والحيتان والسلاحف والطيور.

سفن الصيد والشباك العائمة

أما الدكتور نادر فتح الله، الباحث بالمعهد القومي للأحياء المائية، يوضح أن أحد الأسباب الرئيسية التي تهدد بانقراض الأحياء البحرية العظيمة في البحر الأبيض المتوسط هو استخدام سفن الصيد عالية الفعالية والشباك العائمة للصيد، يتسببا في القتل العرضي لمئات الأحياء البحرية التي لا تملك قيمة تجارية لصائدها حيث أن الأغلب يقومون بصيدها من أجل التباهي والتظاهر بقدرته علي الصيد.

ويذكر فتح الله أن مخزون الأسماك يواصل تراجعه عالميا مثلما حدث في البحر المتوسط رغم الجهود المتزايدة لتنظيم عمليات الصيد وإيقاف الصيد الجائر، ولكن للأسف لا أحد يستطيع أن يوقف تلك الكارثة البيئية الحقيقيه التي تحدث من قبل الصيادين والسفن الذي تخالف كافة القواعد البيئية .

ويشير الباحث إلي أن المعهد القومي المصري لعلوم البحري وقع عدة معاهدات مع  الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأصدروا قوانين منفصلة لتنظيم عمليات الصيد في البحر الأبيض المتوسط، وذلك بمشاركة نحو 21 دولة تطل على البحر المتوسط، ولكن للأسف مصر لم تنفذ القوانين الصارمة على الصيادين المخالفين للقواعد البحرية وكذلك السفن التي تقتل الأحياء البحرية؛ بسبب تسريب مخلفاتها في مياه البحر ولا عزاء للقانون.

ويشدد فتح الله على أن اللجنة الدولية للمحافظة على سمك التونة بالمحيط الأطلنطي صوتت على خفض صيد الأسماك ذات الزعانف الزرقاء من 13 ألف و500 إلى 12 ألف و900 طن متري سنويا لكونها مهددة بالزوال، موضحا أن الصيادون في محافظة الإسكندرية مازالوا يقومون بصيد سمك التونة بكثرة لكونه يدر دخلا ماليا جيدا على صياديه دون النظر لمسألة خطر انقراضه واختفائه من بحر الثغر تماما.

الأسماك المنقرضة

طارق عبدالعال، الخبير في مجال علوم البحار بجهاز شؤون البيئة بالإسكندرية، يلفت إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الأحياء البحرية قد تعرضت بالفعل للانقراض وهناك العديد أيضا على مشارف الانقراض، منوهًا بأن الأنواع التي انقرضت فعليا هي: “البكورة التونة، والنازلي، ومارلن، وسمكة السيف، والبوري الأحمر، والشعوم، وفقمة الراهب المتوسط، وبعض طيور البحر”.

ويشرح عبدالعال أن هناك أنواع من الأحياء البحرية لا حصر لها تعيش داخل مياه البحر المتوسط، ومنها أنواع من أسماك الزينة والشعب المرجانية، مشيرا إلى أن من أنواع الأسماك التي باتت مهددة بالانقراض بسبب صيدها التجاري المتكرر هي: الموزة، والسردين، والمرمار، والوقار، والمياس، وموسي، والبلاميطة، وأبوسيف، والقاروس، والبطاطا، والبوري، والسيجان، والدنيس، والهامور، ومن الأسماك العظيمة التونة والحوت والدلافين.

ويضيف عبدالعال أن هناك أيضا أنواع مختلفة من السلاحف ذات الرأس الكبير”الترسة” على مشارف الانقراض منها: القرش، والفقمة، وسرطان البحر، والجمبري “القريدس”، والمحار، والقواقع، والديدان، والاخطبوط، والأسفنج المرجان، والطحالب ونجم البحر الساحر الجمال، مشيرًا إلى أن أسماك الشعاب المرجانية تأخذ المساحة الكبرى بين أسماك البحر المتوسط بنسبة 25%.

مخزون الأسماك

يوضح محمد فتحي، الباحث بالمعهد القومي لعلوم البحار بالإسكندرية، أن أكثر من 70% من المخزون السمكي في البحر الأبيض المتوسط يعتبر خارج الحدود البيولوجية الآمنة وإن بعض أسماك الصيد المهمة باتت مهددة بالاختفاء التام، موضحا أن كمية سمك التونة في البحر المتوسط انخفضت بنسبة تزيد عن 80 بالمائة في السنوات الـ20 السابقة؛ بسبب الصيد المبكر لها، مما أدخلها قائمة الأسماك المهددة بالانقراض.

مهمة الأمن البيئي

يقول المقدم إسلام عابدين، وكيل قسم شرطة البيئة والمسطحات بالإسكندرية، إنهم وبالاشتراك مع جهاز شؤون البيئة بالمحافظة ضبطوا 9 سلاحف بحرية “ترسة” على قيد الحياة وعددًا من صدف الترسة البحرية حديثة الذبح وهم من الكائنات البحرية المهددة بالانقراض، بعد ضبطهم مع أحد التجار الكبار بسوق الميدان وحلقة السمك والسيالة بمنطقة بحري شرق المحافظة، وذلك لبيعهم بأسعار باهظة الثمن بعد ذبحهم.

ويضيف المهندس عصام هاشم، مدير الإدارة الساحلية بالإدارة المركزية لجهاز شؤون البيئة، إقليم غرب الدلتا بالإسكندرية، أن تلك الحملة استهدفت إنقاذ الحيوانات المهددة بالانقراض تنفيذا للاتفاقيات الدولية “سايتس”، لحماية الحياة البرية ومنع الاتجار بها، وتطبيق مواد قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009، للحفاظ على البيئة البحرية وعودة سلاحف الترسة البحرية لبيئتها الطبيعية في البحر المتوسط مرة أخرى.

التلوث البحري

بينما ذكرت الإحصائية الرسمية الصادرة عن معهد علوم البحار والمصايد أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تعاني ارتفاع نسبة المخلفات البحرية، إذ تبين وجود كثافة عالية من المخلفات البحرية حول سواحل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وإسكندرية بمتوسط 1,935 صنف لكل كيلومتر مربع.

وتمثلت المخلفات البحرية نحو 76% منه الزجاجات والأوعية البلاستيكية، و94% من أكياس البلاستيك، والتي تأكد من فحصها أنها تنقل السموم القوية إلى أجسام الكائنات الحية بما في ذلك الديدان البحرية والمحار الأزرق.

وذكرت الإحصائية أن هناك 220,000 سفينة تجارية تمر بمياه البحر المتوسط تحمل أكثر من 100 مليون طن عبر البحر المتوسط كل عام، وفي كثير من الأحيان تحمل هذه السفن بضائع خطرة، حيث تفرغ خزانات المواد الكيميائية والنفايات الزيتية داخل البحر.

وأفادت الإحصائية بأن البحر الأبيض المتوسط يتلقى 17% من تلوث النفط البحري عالميا، ويتم كل عام تفريغ ما بين 100 ألف و150 ألف طن من النفط الخام عمدًا في البحر.

وأكدت الإحصائية أنه يتم نقل ما يقارب 370 مليون طن من النفط سنويا في البحر الأبيض المتوسط، فيما يتم يوميا عبور نحو 300 ناقلة نفط، وكل ذلك يلحق الضرر بالأحياء البحرية.

دور البيئة

هدى مصطفى، رئيس جهاز شؤون البيئة بالإسكندرية، أشارت حينما سألناها عن أسباب تقلص الثروة البحرية، إلى أن نسب التلوث المائي في مياه البحر المتوسط ارتفعت في الفترة الآخيرة كثيرا، ما عرض الثروة السمكية للموت المتعمد والانقراض، موضحة أن أكثر العوامل التي تسببت في فقدان 80% من الأحياء المائية ترجع إلى تصريف مياه الصرف الصحي على البحر، وتصريف الصرف الكيماوي للشركات داخل مياه البحر مثل منطقة خليج المكس.

وتضيف هدى كما يتم تصريف مخلفات السفن وقوارب الصيد من الزيت المعدني، الزئبق والرصاص والفوسفات، وتضخ بكميات كبيرة ومتفاوتة إلى قلب البحر، موضحة أن هذا الأمر خطير وقد أدى إلى كارثة، إذ نفق الكثير من الكائنات البحرية بسبب التلوث الكبير في مياه البحر واختلال تركيز الغازات في أعماق البحر.

وشددت رئيس جهاز شؤون البيئة بالإسكندرية على أن هناك قوانين خاصة بحماية البيئة تخضع لها السفن المخالفة التي تصرف مخلفاتها داخل البحر، وهناك عقوبات رادعة نصها القانون ولابد من تنفيذها من قبل المسؤولين الذين يراقبون حركة السفن داخل مياه البحر، ومهمة جهاز حماية البيئة هي متابعة وتحليل مياه البحر وأخذ عينات من الأحياء البحرية وإعداد التقارير ورفعها إلى الجهات المختصة بمتابعة السفن.

سيادة القانون

تنص المادة رقم 90 من قانون حماية البيئة أنه يعاقب بغرامة لا تقل عن مائة وخمسين ألف جنيه ولا تزيد على خمسمائة ألف جنيه كل من ارتكب أحد الأفعال الآتية ألا وهي تصريف أو إلقاء الزيت أو المزيج الزيتي أو المواد الضارة في البحر الإقليمي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وذلك بالمخالفة لأحكام المادتين 49، 60 من هذا القانون.

كما أشارت تلك المادة إلى أن عدم الالتزام بمعالجة ما يتم صرفه من نفايات ومواد ملوثة أو عدم استخدام الوسائل الآمنة التي لا يترتب عليها الإضرار بالبيئة المائية وذلك بالمخالفة لأحكام المادة 52 من هذا القانون.

وفي حالة العودة إلي ارتكاب أي من هذه المخلفات تكون العقوبة الحبس والغرامة المذكورة في الفقرة السابقة من هذه المادة، وفي جميع الأحوال يلتزم المخالف بإزالة آثار المخالفة في الموعد الذي تحدده الجهة الإدارية المختصة، فإذا لم يقم بذلك تقوم هذه الجهة بالإزالة على نفقته.

الوسوم