بقلم الدكتور وليم ويصا

رئيس تحرير القسم العربي بالتليفزيون الأوروبي سابقَا
مؤسس ورئيس تحرير وكالة أنباء مسيحي الشرق الأوسط

شهدت الجريمة التي تعرضت لها سيدة قرية الكرم بعدا جديدا غير معهود لم تشهده من قبل الاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط في صعيد مصر وأماكن أخرى، فإذا كان القتل أو نهب ممتلكاهم أو حرقها أمرا اعتدادوا عليه، إلا أن هذه الجريمة جاءت بتطور جديد غير معهود وهو سحل سيدة بعد تجريدها من ملابسها في مكان عام.

وفي رأي أن هذه الجريمة لم يرتكبها فقط الذين قاموا بهذا الفعل البشع، ولكنها جريمة شاركت فيها مؤسسات الدولة بتقصيرها المعتاد في كل الاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط منذ عقود.

وهي تكشف أيضا عن التمييز المؤسسي الذي يعشش في أجهزة الدولة المصرية فيما يتعلق بالاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط منذ منذ عهود، ويكفي أن نذكر هنا قيامها بغلق عشرات الكنائس “لدواعي الأمن”، واستجابة لهؤلاء الذين يفرضون نفوذهم في مواجهة أجهزة الدولة المصرية.

ولعلنا أيضا اعتدنا، واعتادت أجهزة الدولة أيضا علي العنف الجماعي الطائفي الذي تشهده قرى الصعيد على وجه الخصوص بعد أي خلاف بين قبطي ومسلم، حيث يجري حشد المصلين بعد صلاة الجمعة للتوجه بشكل جماعي من عدد من مسلمي القرية والقرى المجاورة، للاعتداء على الأقباط الذين لا علاقة لهم بموضوع الخلاف، ونهب ممتلكاتهم وحرق بعض بيوتهم.

وفي مواجهة هذا العنف الجماعي، لا تقوم مؤسسات الدولة من شرطة وقضاء بواجبها، ولكننا اعتدنا وإعتاد الجميع على قيام الأمن بتنظيم هروب الجاني من العقاب عن طريق عقد ما أسميه بـ”جلسات الذل العرفية” التي يجري فيها فرض شروط مذلة على الأقباط، يهرب فيها الجاني من العقاب وتضيع فيها حقوق الضحايا، بفرض شروط مالية مجحفة لمنعهم من اللجوء إلى القضاء.

وهنا نلاحظ أيضا استقالة القضاء، الذي تأسس في شكله الحديث منذ أكثر من قرنين من القيام بواجبه في مثل هذه الأحوال، في مواجهة جلسات قبلية وفدت إلينا من صحراء قاحلة في أزمان غابرة.

ودعونا أن نقرأ في عجالة  تسلسل الأحداث حتى نتبين مدى فداحة الكارثة التي تتعرى فيها حقوق الأقباط من إحقاق العدل.

ذهبت سيدة قرية “الكرم”، للشرطة لتحرير محضر قبل تعرضها لهذه المحنة بأكثر من 24 ساعة، وأبلغت أنها تلقت تهديدات بالسحل، وذهبت مرة ثانية صبيحة يوم الجمعة إلى المركز لإبلاغهم مجددا بالتهديدات التي تتعرض لها، فاتهموها بأنها تحاول عمل “فتنة طائفية”، وصرفوها دون أدنى محاولة لتقديم الحماية لها وهم يعلمون بما يدور. وحتى نرى فداحة تقصير الشرطة في مواجهة هذه الاعتداءات التي يتعرض لها الأقباط، دعونا نفترض أن سيدة مسلمة ذهبت إلى الشرطة واشتكت، افتراضا، أن قبطيا قام بسحلها وتعريتها في الشوارع، سوف تقوم القيامة ولن تقعد.

وعلى مدى ستة أيام كاملة تجلى فيها التمييز المؤسسي لأجهزة الدولة في أبشع صوره، من التقصير حتى التواطؤ. محاولات من قبل مدير الأمن لإخفاء ما حدث، ومحاولة المحافظ تصوير هذه الجريمة البشعة على أنها “حاجة بسيطة” لأنها تخص سيدة قبطية. ولم يتحرك أحد إلا بعد قيام قداسة البابا تواضروس وفي لغة رقيقة تكشف عن ثورة مكتومة بمطالبة الجميع “بإغلاق الطريق على من يحاولون المتاجرة بالحدث”.

ولعلنا أيضا لاحظنا محاولات الإعلام منذ أيام لتصوير هذه الجريمة بأنها جنائية فقط وليست طائفية، وسوف أتوقف فقط وفي عجالة عند مطالبة الأستاذ خالد صلاح رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير اليوم السابع، بضرورة ضبط مصطلحات توصيف الحادث كي نحاصر المزايدات، وأن الحادث هو جريمة شرف وجنائية وليست طائفية.

كان يمكنني أن أتفق معه على أنها “جريمة شرف وجريمة جنائية وليست طائفية لو اقتصر الأمر على مهاجمة عائلة السيدة المسلمة للعائلة القبطية فقط، والمزعوم علاقة ابنها الهارب من الفتك به. ولكن ما رأيه في قيام حوالي ٣٠٠ مواطن مصري مسلم، لا علاقة لهم بهذه الموضوع، بمهاجمة بيوت عائلات قبطية أخرى لا علاقة لها بالطور أو بالطحين وبنهبها وإحراق أجزاء منها؟.

بل حتى مع افتراض أن هناك علاقة بين قبطي ومسلمة والاثنان متزوجان، لا شأن لأحد بها سوى زوجته وزوجها إن اشتكى أي منهما للسلطات، ولا ذنب لوالده أو والدته في هذا الأمر.

أعتقد أن من يحتاج لضبط مصطلحاته هنا هو الأستاذ خالد نفسه، ومعه الكثير من أجهزة الإعلام التي حاولت تصوير ذلك على أنه جريمة جنائية.

ولو أن الإعلام المصري قام بضبط مصطلحاته في الجرائم التي يتعرض لها الأقباط منذ عقود وقام “بضبط مصطلحاته” وتوقف عن انتهاك أبسط قواعد العمل المهني وفي مقدمتها الصدق والشفافية،  بمسمياتها الحقيقة، لما كنا قد وصلنا إلى هذا الواقع الذي يعيشه الأقباط في وطنهم.

وإذا كان الرئيس السيسي يرى أنه ورث “شبه دولة” و”بلد خربانة”، أمامه فرصة ذهبية  لبدء الإصلاح في الملف القبطي والتحول من شبه دولة إلى دولة، وهو طريق طويل. وتتمثل هذه الفرصة في ضرورة توجيه رسالة واضحة ورادعة للجميع بمحاسبة المقصرين، ليس هناك أقل من إقالة مدير الأمن والمحافظ، بل ووزير الداخلية الذي يتحمل مسؤولية سياسية في هذه الجريمة، بل وتقصيرا يتمثل في تشكيل لجنة من المقصرين لبحث هذه القضية.

أما فيما يتعلق بموقف الرئاسة من هذه القضية، فقد أصدرت الرئاسة بيانا تطالب فيه الأجهزة والقوات المسلحة باتخاذ اللزم وإعادة إصلاح وتأهيل كافة المنشآت المتضررة وهو أمر جيد، ولكن انتهاك كرامة هذه السيدة والجرح الدامي الذي يعاني منه جميع الأقباط، بل وأقول غالبية من المصريين، لن يصلحه بيان عام ، وأقارن هنا بموقف الرئيس من التحرش بسيدة مسلمة في ميدان التحرير، حيث ذهب إليها وقدم لها باقة من الورد وقدم لها اعتذار مصر عن هذا الحادث المشين، وبين موقفه من هذه الجريمة وهي أكثر بشاعة من التحرش.

أنتظر يا سيادة الرئيس منك أن تذهب إلى المنيا وأن تقدم اعتذار مصر كلها لهذه السيدة البسيطة التي تعرضت لجريمة بشعة تعرت فيها مصر كلها، وإن ذهبت إليها، ستذهب معك مصر كلها.

[email protected]