عمرو هيبة يكتب: الاستثمار السياحي في المحميات الطبيعية في الفيوم

عمرو هيبة يكتب: الاستثمار السياحي في المحميات الطبيعية في الفيوم عمرو هيبة

بقلم: دكتور عمرو هيبة

عضو فريق معاوني وزير البيئة

تُعد المحميات الطبيعية المصرية أحد أفضل المواقع في العالم، كما تنفرد باحتوائها على مواقع جيولوجية نادرة، وبحيرات مذهلة ومناظر طبيعية خلابة إلى جانب ما تتمتع به من شعاب مرجانية وتنوع بيولوجي وإرث ثقافي، إضافة إلى مجموعة من عناصر الجذب والتقاليد الحية التي تجعلها قطاعًا سياحيًا بيئيًا فريدًا من نوعه على المستوى العالمي.

وفي مصر الآن 30 محمية طبيعية منهم محميتان طبيعيتان بالفيوم “محمية قارون” و”محمية وادي الريان”، ويوجد بمحمية قارون مجموعة نادرة من أفضل الحفريات على المستوى العالمي، وأروع المناظر الطبيعية، حيث جبل قطراني شمال بحيرة قارون والمنتظر إعلانه كمنطقة تراث طبيعي وثقافي عالمي، وتستكمل الطبيعة أسرارها في موقع وادي الحيتان الرائع بمحمية وادي الريان والذي أعلن كأول موقع للتراث الطبيعي العالمي في 2005، إضافة إلى مئات المواقع لمراقبة الطيور المقيمة والمهاجرة وخاصة بجزيرة القرن الذهبي، ويجد زائر المحميات الطبيعية بالفيوم مفتاحًا سحريًا لبوابات الزمن إذ تضم المحميات مواقع تراثية وحضارية كانت جزءً من إمبراطوريات قديمة ظلت مختبئة داخل هذه الطبيعة؛ لذلك يمكنني القول بإن المحميات الطبيعية بالفيوم هي أكبر متحف للتراث الطبيعي والثقافي على المستوى العالمي، ويجب أن نتعامل معها وفقًا لهذا التعريف بتأهيلها كي تكون مراكز سياحية وعلمية على المستوى العالمي توفر لزائريها تجربة حقيقية لا تنسى.

وعلى الرغم من الإمكانيات المذهلة للمحميات الطبيعية بوصفها نقاط للجذب السياحي والعلمي، فأعداد السياح الذين تستقبلهم حاليًا لا يتناسب مع إمكانياتها، ناهيك عن التحديات الرهيبة التي تتعرض لها وهو ما يثير قلق المسؤولين عن حماية الطبيعة في مصر، إزاء تدهور الفوائد الاقتصادية العائدة منها، إضافة لتراكم وتشابك المشكلات مع السلطات المحلية والقوانين المتضاربة.

وبما أن للطبيعة ثمن في الأسواق العالمية نجد محافظة الفيوم قد شهدت زيادة ملحوظة في أعداد السياح، الذين توافدوا إليها في فترة قصيرة بعد أن أعلنت منظمة التربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” التابعة للأمم المتحدة منطقة وادي الحيتان موقعًا من مواقع التراث العالمي عام 2005، وقد أدى هذا التصاعد في شعبية المنطقة إلى ضرورة دراسة كيفية تنفيذ تخطيط شامل ومستدام لعناصر الجذب السياحي بالفيوم، وذلك لضمان تحقيق نتائج إيجابية من السياحة لصالح السكان والموارد الطبيعية لمحافظة الفيوم.

يمكننا القول بإن تقسيم مناطق السياحة البيئية بمحميات الفيوم الطبيعية (قارون – وادي الريان) يعد نموذجًا إيجابيًا للتنمية المستدامة ومثالاً فريدًا لإمكانية الجمع بين البيئة والأهالي والتنمية، ونظرًا لحساسية النظام البيئي فمن الممكن إيجاد نموذج للاستمرارية وبناء نمط من التنمية قابل للتطبيق على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، في إطار من المراقبة البيئية الصارمة، مما سيتضمن درجات مختلفة من التنمية وبرامج للحفاظ على البيئة للامتثال للحساسية البيئية.

وهناك حاجة إلى تصنيف كيفية وقوة استخدام الأراضي للتقليل من التأثيرات السلبية على البيئة الطبيعية والثقافية بالفيوم، وأيضًا لجعل تجربة السياحة البيئية تجربة مثالية.

وبوجه عام فإن الموارد التي يريد أن يراها الزائرون غالبًا ما تكون تلك التي لا تصمد أمام التأثيرات الناتجة عن الاستخدامات، ولذلك فإن التحدي الذي يواجه جميع خطط تحديد المناطق هو الاستجابة للمطالب السياحية بالقرب من الموارد أو داخلها والتقليل من التأثيرات أو إزالتها.

وعليه تم إيجاد نظام تقسيم المناطق في إطار سياحي بيئي لمحميتي وادي الريان ووادي الحيتان، إذ يهدف هذا النظام إلى التعرف على تجارب الزوار وتقييمها وتصنيفها من حيث مستويات الحساسية وكذلك تحديد الأنشطة الملائمة لكل منطقة مثل السياحة التقليدية أو البيئية والحفاظ على الطبيعة والبحث.

ونفذت محمية (وادي الريان) من خلال دعم المانحين مخططات تهدف إلى تنمية السياحة البيئية انطلاقا من التنمية المستدامة للموارد الطبيعية والبشرية والثقافية، بهدف المساهمة في تخفيف حدة الفقر في المجتمعات المحلية المحيطة بالمناطق المحمية، وذلك من منظور اجتماعي، كما تهدف إلى الحفاظ على قيمة التراث الطبيعي والثقافي بمنطقة الفيوم من منظور حماية وصون الطبيعة، إضافة إلى الارتقاء بالمناطق المحمية وترويج المنطقة للاستثمار المسؤول بيئيًا لكي تكون جهة سياحية تجذب الزوار المحليين والدوليين ذلك للمساهمة في الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز السياحة البيئية وتنويع المنتجات السياحية المصرية.

وحيث تم الإعلان عن إنشاء هيئة اقتصادية لحماية الطبيعة، الأمر الذي من شأن رفع الكثير من الأعباء عن الموازنة العامة للدولة، ويكفل الموارد اللازمة لتحديث وتطوير المحميات، وفي الوقت نفسه المحافظة على مكانة مصر العالمية في هذا المجال.

مأمول من هذه التطورات الهيكلية أن يتم تعظيم الاستفادة – الحقيقية – والتي طال انتظارها من المحميات الطبيعية في مصر، لذلك أتفق بشدة مع التوجهات الرامية للاستثمار في المحميات الطبيعية بالفيوم، وفقًا لضوابط محكمة لا تتهاون مع حجم هذا الإرث الهائل من الثروات الطبيعية.

إن فكرة الاستثمار البيئي في محميتى الفيوم الطبيعيتين تستهدف التأكيد على استراتيجية حماية وصون الطبيعة ودعم السياحة البيئية، مع تحقيق التنمية الاجتماعية بالتوازي مع إجراءات الصون والحماية للموارد البيئية بغرض إحداث تغييرات اقتصادية إيجابية بين سكان المجتمعات المحلية بالفيوم، وإعداد مواطنين قادرين على دفع عملية الإنتاج في المجال السياحي مدركين لأهمية حماية وصون الطبيعة.

الوسوم