بقلم: الدكتور عمرو هيبة

عضو فريق معاوني وزير البيئة

احتفلت مصر والعالم أمس باليوم العالمي للتنوع البيولوجي والذي حمل عنوان “استدامة البشر وسبل معيشتهم، إذ يدعم التنوع البيولوجي سبل معيشة الشعوب والتنمية المستدامة في جميع النشاطات، بما في ذلك القطاعات الاقتصادية مثل: الزراعة ومصائد الأسماك والسياحة وغيرهم.

ويأتي الاحتفال لزيادة الفهم والوعي بقضايا التنوع البيولوجي، وقد خصص هذا التاريخ تحديدًا لإحياء ذكرى اعتماد نص اتفاقية التنوع البيولوجي في 22 مايو1992 ، بحسب الوثيقة الختامية لمؤتمر نيروبي.

وفي هذا الإطار تسعى إدارة محمية قارون الطبيعية إلى زيادة كفاءة وفاعلية مهام إدارة المحمية الطبيعية، كونه الإطار التنظيمي القادر على حفظ مصادر التنوع البيولوجي من طيور وأسماك وثدييات برية.

وتقع “محمية قارون الطبيعية” في الشمال الغربي لمحافظة الفيوم، بمساحة إجمالية تقدر بحوالي 1385 كم2، منها مسطح مائي بمساحة حوالي 235 كم2، ما يعادل 55 ألف فدان، ويتمثل في بحيرة قارون، بالإضافة إلى حوالي 1100 كم2 متمثلة في جبل قطراني والمنطقة الصحراوية الجبلية شمال بحيرة قارون، ويتبقى حوالي 50 كم 2، عبارة عن شريط ضيق جنوب البحيرة وتصنف (محمية مناظر طبيعية أرضية وبحرية) طبقًا لتصنيف IUCN، وتداخل مع المحمية عدد 4 مراكز من محافظة الفيوم وهي: مراكز طامية، وسنورس، وأبشواي، إضافة إلى مركز يوسف الصديق.

تهدف المحمية إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي في المنطقة، والتراث الطبيعي والثقافي الذي يعتبر ثروة قومية، والمحافظة على الظواهر الطبيعية والخصائص المميزة لمنطقة المحمية وحمايتها من الاستنزاف والتخطيط السليم لاستخدام الموارد بطريقة مستدامة، وجذب السياحة البيئية المحلية والعالمية التي تساهم في تحسين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للسكان المحليين.

تحتل مصر الركن الشمالي الشرقي من القارة الإفريقية، حيث يلتقي أربعة من أقاليم الجغرافيا البيولوجية، هي: الإيراني، والطوراني، وإقليم البحر المتوسط، والسندياني الصحراوي، والإفريقي الاستوائي؛ ويمثل موقعها – بالوقت ذاته – قلب حزام الصحراء في الإقليم الثالث، السندياني الصحراوي؛ وهو الإقليم الذي يمتد من مراكش، في الزاوية الشمالية الغربية من إفريقيا، إلى صحارى أسيا الوسطى، المرتفعة الباردة، ويزيد من تفرد هذا الموقع كونه منقسما إلى جزئين، بواسطة أطول أنهار العالم النيل.

وتتسم مصر بأنها – في معظم أنحائها – جافة أو شديدة الجفاف في مناخها؛ إلا أنها ونتيجة للتباين الشديد في نطاقاتها البيئية، تعد موطنا للتنوع في الموائل البرية، والحياة النباتية والحيوانية، التي تتميز بالتنوع الفائق في تكوينها، بالرغم من صغر عدد أنواع الكائنات الحية بها، وقلة الأنواع المستوطنة.

كما يحدها من الشمال والشرق بحران شبه مغلقين، هما: البحر المتوسط والبحرالأحمر؛ ويتميز الآخير بثرائه بالعديد من الكائنات الحية، واحتضانه لأنظمة شعاب مرجانية، معدودة بين أغنى الأنظمة البيئية بالعالم؛ فضلاً عن أشجار الشورى المنجروف، التي تؤدي دورًا بالغ الأهمية في الحفاظ على صحة وحيوية البحر؛ ما يجعل الشعاب المرجانية والمنجروف أثنان من آليات التنوع الأحيائي في العالم.

إن الأنظمة البيئية والموائل من جانب والكائنات الحية من جانب آخر يستحقان الصون والحماية، وفي مصر بصفة خاصة يجب أن تتخذ الحماية صفة الضرورة القصوى، وذلك لأن الأنواع ليست وفيرة، بينما تكثر النطاقات البيئية والموائل الطبيعية التي توفر فرص الازدهار والتنوع للكائنات الحية؛ فعلى سبيل المثال النباتات التي تعيش في النظام البيئي للأراضي الرطبة الساحلية، هي الوسط المناسب الذي تضع فيه الأسماك والقشريات بيضها، كذلك فإن الأنظمة البيئية للغابات هي التي تعمل على تنظيم تدفق مياه الأمطار إلى أحواض الأنهار، فتحول دون حدوث الفيضانات، وقد يكون تأثير أنظمة هذة الغابات كونيا، كما هو الحال بالنسبة لغابات الأمازون المطيرة، التي تؤثر في المناخ العالمي، كما أن للمسطحات الخضراء المحدودة تأثيراتها المناخية في النطاق المحلي.

وإذا كان التنوع الأحيائي يعنى التباين في الأنواع النباتية والحيوانية، وما يرتبط به من تنوع في الصفات الوراثية، وفي تجمعات الكائنات الحية، فإن هذا المعنى أبعد بكثير من مجرد حصر أعداد النباتات والحيوانات، فهو يتعدى ذلك ليكون بمثابة الدعامة للحياة البشرية ورفاهيتها، إن مفهوم التنوع الأحيائي يعكس الأواصر والوشائج بين كل من الجينات، والأنواع والأنظمة البيئية، وعلينا – نحن البشر – أن نحرص على مراعاة هذة العلاقة بين المستويات الثلاثة من التنوع الأحيائي في أسلوبنا لتسيير أمور عالمنا، سواء كان مطلبنا متمثلا في منتجات الحياة البرية، أو خدمات وتسهيلات تقدمها لنا الأنظمة البيئية، أو كان المستهدف هو مجرد الحماية المجردة من الغرض، لصالح الأجيال القادمة، وإذااإنتقلنا إلى مستوى الجينات، وجدنا أن التنوع فيها هو الذي يقوي النظام البيئي، ولقد أدرك الإنسان – على مدى آلاف السنين – أهمية الصفات الوراثية في تهيئة النباتات، لتنمو على نحو يتزايد معه إنتاجها، كما عرف أسلوب تهجين الحيوانات الأليفة والداجنة، لإنتاج أفراد منها متمتعة بحالة صحية تجعلها وفرة من اللحم، لصالح استهلاك البشر، وقد أدت السياسات الرشيدة في تهجين محاصيل الغلال إلى تعظيم قيمة الإنتاج.

إن قائمة منافع التنوع الأحيائي، في مستوياته المختلفة لا تنتهي لذلك لابد من الحفاظ عليه وصونه.