أهالي دشنا يشربون الماء من أواني الموت.. وموظفون بالمستشفى يبيعون الجراكن المسرطنة

كتب – أحمد طه:

في سيارة الكبود، وسيلة المواصلات الشعبية في دشنا، تجلس الحاجة أم محمد، وهي سيدة خمسينية قد أنهكها الفشل الكلوي حتى تستطيع أن تتبين مرضها من شحوب وجهها الذي صار أميل للسواد، وبيدين متعبتين قد هزمهما المرض، تحمل أم محمد جركنين أبيضين عليهما ملصق يوضح مصدرهما “محلول مركز للغسيل الكلوي تركيبة 1012 للتخفيف”.

وحين سأل معد التحقيق أم محمد “لو سمحتي يا حاجة انتي الجراكن بتستخدميها في إيه؟” قالت “يا ولدي بجيبها بخزن فيها المياه علشان نشرب، وانت عارف إن المياه الأيام دي مش لاقينها خالص، ولا صبح ولا ليل، ومش عارفين نعمل إيه”.

أم محمد –وهو اسم مستعار- من قرية السمطا، تقول إنها تشتري هذه الجراكن بعد الانتهاء من جلسة الغسيل الكلوي الخاص بها، بسعر 5 جنيهات للجركن، ثم تبيع بعضها للمواطنين في القرى بـ10 جنيهات للجركن.

وقرية السمطا هي إحدى أشد القرى معاناة من نقص مياه الشرب منذ 6 أشهر، بعد غلق المحطات الارتوازية بقرار من وزارة الصحة، لعدم صلاحيتها للاستخدام البشري، ويستخدم أهالي القرية جراكن محلول الغسيل الكلوي بكثرة، ويستخدمونها في تخزين المياه.

ووفق آخر الإحصائات الرسمية لوزارة الصحة، فقد بلغ عدد مرضى الفشل الكلوي في مصر أكثر من 52 ألف مريض، بينما تبلغ تكلفة علاج مريض واحد بالفشل الكلوي سنويًا نحو 40 ألف جنيه، وتنفق مصر 900 مليون جنيه لعلاج مرضى الفشل الكلوي سنويا.

الأهالي لا يبالون

يقول حمادة محمد، أحد أهالي القرية، إنه يستخدم هذه الجراكن كبقية الجراكن التي يحصل عليها المواطنون، ويغسلونها بالمياه الساخنة و”البريل” ثم تستخدم في تخزين مياه الشرب، ولا يهم مصدرها ولا فيم كانت تستخدم.

أما شحاتة فكري، من قرية نجع عبدالقادر، فيقول إن هذه الجراكن تباع بمستشفى دشنا أو من بعض الوسطاء في المستشفى، ويتراوح سعر الجركن من 5 إلى 7 جنيهات.

ويقول خالد حمدي، أحد أطفال قرية نجع الجامع، إنه يحمل كل يوم جراكنه البيضاء على حماره، ويذهب بها إلى النجع المجاور لقريته ليعبئ مياها نظيفة.

نظرة الأهالي للجراكن ليست نظرة سيئة، ويرى أكثرهم أن الحصول على بعض من مياه الشرب وتخزينها في تلك الجراكن لاستكمال يومهم ينقذهم من العطش، وأن اللون البيض –لون الجراكن- بالنسبة لهم يمثل النقاء والصفاء كما في المعتقدات القديمة، وأن المياه الساخنة ومنظف البريل قادرين على إزالة أي بكتيريا أو فيروس علق بالجراكن، وهذا ما يؤكده محمود محمد، خفير نظامي.

وفي محاولة للتثبت من صحة معلومة بيع الجراكن بمستشفى دشنا، ارتدى معد التحقيق جلبابه الصعيدي واتجه إلى المستشفى طالبا شراء جركنين فارغين، وبالفعل نجحت المهمة، وحصلنا على جركنين فارغين من جراكن سائل الغسيل الكلوي بثمن 10 جنيهات من إحدى العاملات بمستشفى دشنا المركزي.

في مستشفى دشنا لا تباع الجراكن بقسيمة مثلما يحدث في مستشفى الوقف المركزي، الذى كشفنا عنه من قبل في مهمة صحفية بشراء جراكن من المستشفى بقسيمة بيع، بينما في دشنا تباع الجراكن عن طريق وسطاء بالمستشفى أومرضى الغسيل الكلوي أنفسهم أو من خلال تجار في القرى يوردون الجراكن بأسعار مرتفعة عن سعر المستشفى.

يبلغ عدد سكان مركز دشنا حوالي 500 ألف نسمة، طبقا للإحصاء السنوي عام 2015، وتبلغ عدد القرى التي تعاني من مشكلات انقطاع المياه بشكل مستمر قد تصل لأيام وأشهر، 5 قرى هي: أبو مناع شرق، ويبلغ عدد السكان فيها 16 ألف نسمة، وأبو دياب، ويقدر عدد سكانها بحوالي 25 ألف نسمة، والسمطا بحري وقبلي، ويبلغ عدد السكان فيها حوالي 50 ألف نسمة، وتضم 14 نجعا، وقرية نجع عزوز ويقدر عدد السكان فيها بحوالي 15 ألف نسمة.

تحذيرات طبية

يقول الدكتور محمد حامد، الطبيب بقسم الغسيل الكلوي بمستشفى الحسين الجامعي، إن جراكن الغسيل الكلوي غير مخصصة للاستخدامات الآدمية، ويحظر تداولها بين المواطنين، ويحمل الملصق الموجود على الجراكن عبارة “ممنوع استخدام الجركن الفارغ داخل الوحدة لأي غرض من الأغراض” وهذا وحده كاف لتحذير المرضى والعاملين من استخدامه لأي غرض، خاصة تخزين مياه الشرب.

ويضيف حامد أن الجراكن تحتوي على مواد خطرة مثل البيكربونات، والصوديوم، والبوتاسيوم، والماغنيسيوم، وهي مواد لو تفاعلت مع المياه تنتج ترسبات تؤثر على حياة الإنسان وتسبب السرطانن بخلاف إمكانية أن يصاب المواطن المستخدم له بالفشل الكلوي لو سقطت دماء أو فضلات جهاز الغسيل على الجركن وهو بداخل الوحدة وتم تداوله بعدها.

ويرجح الدكتور محمود عبد الرازق، مدير إدارة السلامة والصحة المهنية بمديرية الصحة بقنا، أن يكون لاستخدام جراكن محلول الفشل الكلوي في البيوت لتخزين المياه، دور كبير في انتشار أمراض خطيرة كالفشل الكلوي والأمراض السرطانية.

ويوضح عبد الرازق أن خطورة إعادة استخدام تلك الجراكن يكمن في احتوائها على بعض المواد الكيميائية، التي تلوث المشروبات أو المياه التي توضع بداخله، نتيجة التفاعل معها، ما يؤدي إلى تداخلها مع نظام الجسم الخاص بالرسائل الهرمونية الطبيعية، التي تنظم عمل أجهزة الجسم بالكامل، ما يعني مع الوقت إصابة جميع أجهزة الجسم بالعطل والخلل.

استخدام مشروط

ويوضح الطبيب أنه من الممكن استخدام هذه الجراكن في التخزين شريطة أن تكون المادة التي ستعبأ بها الجراكن ليس مياه للشرب، وبعد تطهير الجركن بمادة الكلور ومواد التعقيم لمدة تتراوح بين 3 إلى 4 أسابيع.

أما الدليل الإرشادي الصادر عن وزارة البيئة المصرية لعام 2015، بشأن إدارة نفايات الرعاية الصحية في مصر، فيذكر أن مخلفات وحدات الغسيل الكلوي تقع ضمن النفايات الطبية المعدية التي يجب التخلص منها بالطرق المعروفة، إما عن طريق الترميد ويقصد به الحرق، أو التعقيم بفصل الخواص الفيزيائية عن المخلفـ، أو الدفن، ويحظر تداول تلك المخلفات بين العاملين والمواطنين، ومن يخالف ذلك يعاقب بالحبس أو الغرامة.

ويشير الدليل إلى أن محافظة قنا تضم 9 مواقع عشوائية يتم التخلص فيها من المخلفات والنفايات الطبية الخاصة بمستشفيات المحافظة ومراكزها، ولا توجد بها أماكن محكومة.

ويقول الدكتور محمد رمضان، مدرس الكيمياء بكلية العلوم بجامعة جنوب الوادي، إن المواد البلاستيكية وخاصة الجراكن، تحتوي على بعض المواد الكيميائية التي تتفاعل مع المياه وتعمل على تحليل عناصرها الأساسية وحدوث تفاعلات تضر بحياة الإنسان.

ويشير رمضان إلى دراسة أجراها المعهد القومي للبحوث، عن استخدام الأكياس البلاستيكية والجراكن في تخزين المياه والأطعمة، وخاصة حينما تتعرض لآشعة الشمس، وتوضح الدراسة أنها تشكل خطورة خشية تحويل المواد التي يتكون منها البلاستيك بفعل أي تغير حراري إلى مواد أخرى تحتوي على سمية عالية تصل للجسم من خلال تسربها للمياه.

ويضيف الكيميائي أن الجراكن البلاستيكية تدخل في صناعتها مواد مثل “البولي إيثيلين”، أو “البتوتبين” التي تحتوي على أحد العناصر المسرطنة التي تسبب السرطان للإنسان وخاصة في جدار المعدة، محذرا من استخدام الجراكن البلاستيكية لفترات طويلة في مياه الشرب.

المستشفى ينفي

ورغم تداول جراكن الغسيل الكلوي بدشنا، وتحققنا من ذلك، فإن إدارة مستشفى دشنا المركزي تنفي بيع وتداول تلك الجراكن من خلال العاملين به، وتقول الإدارة إن الجراكن يتم التخلص منها فور الانتهاء من عملية الغسيل الكلوي للمريض.

الوسوم