مخلفات مصانع الموت تقتل أهالي خليج المكس وتقضي على الثروة السمكية

بيوت صغيرة لا يتعدى ارتفاع أي منها الطابقين، متراصة على جانبي خليج المكس بالإسكندرية، تحوطها الأشجار والأزهار، تتوسطها مياه البحر المكتظة بالقوارب ومراكب الصيد الصغيرة، يلقي الصيادون شباكهم في مياه البحر أملا في أن يسحبوها غنية بالأسماك، تستطيع أن تشم رائحة المخلفات الكيماوية الملقاة بمياه الخليج، التي تصبها مصانع الموت غربي الإسكندرية.

على زورقه الصغير، يقول محمد جميل، صياد بمنطقة المكس، إنه يعمل صيادا منذ أن كان طفلا عمره 10 سنوات أي منذ حوالي 50 عاما، وورثها أبا عن جد، عاشها في منطقة خليج المكس الملقبة بـ”فينسيا الشرق” أو “خندق الصيادين”.

يضيف جميل أنه يعشق مهنته طيلة حياته، لأنها كانت من المهن ذات الرزق الواسع، وكانت شباكه تحصل نحو 20 كيلو من السمك في المرة الواحدة، منذ حوالي 20 سنة، قبل أن تقوم المصانع المجاورة للمنطقة بصرف مخلفاتها من الجاز والمواد البترولية والزيوت والشحوم، والمخلفات الخطرة، علي البحر مباشرة، بداية من الساعة 12 بعد منتصف الليل وحتى الرابعة فجرا، لكي لا يكشفها أحد.

الأهالي يتهمون المصانع بقتلهم

يقول الصياد إن الشركات التي تلقي بمخلفاتها في خليج المكس هي شركة مصر للكيماويات، والإسكندرية للحديد والصلب، والنصر لدباغة الجلود والمجازر، والصناعات البترولية، والإسكندرية للبترول، ومصر للبترول، فضلا عن وجود 60 مدبغة خاصة تتمركز في منطقة خندق المكس، وجميعها تلقي مخلفاتها الصناعية السائلة المشكلة من ملوثات كيماوية ومعادن ثقيلة وملوثات أخري دون معالجة في البحر مباشرة.

ويوافقه في الرأي طارق السيد، صياد، الذي يتهم تلك المصانع بتعمد قتل الأهالي وقتل الثروة السمكية، ويشير إلى أن الصيادين في السابق كانوا يصطادون خيرات كثيرة من البحر، لكن الآن أصبح البحر خاويا من الأسماك وأصبح الصيادون لا يعملون وأغلب العام يجلسون في قواربهم يبكون علي الأسماك التي نفقت وطفت على وجه الماء بسبب إلقاء المخلفات الكيماوية في البحر.

ويقول السيد، إن تلك الكيماويات قتلت الآلاف من الأسماك بسبب وصول الغازات الضارة للسمك، ما جعله لا يتحملها ويموت، حتى تحول البحر إلى مجرد بركة للمياه السوداء الجارية فقط، وأصبح إنتاج المنطقة ضئيلا جدا، الأمر الذي أدى لجوع وتشريد مئات من أسر الصيادين الذين كانوا يعيشون على رزق البحر يوما بعد يوم.

استغاثات الأهالي والصيادين

على ضفة خليج المكس، يقف الحاج مجدي عيسي، شيخ الصيادين البالغ من العمر 60 عاما، مرتديا جلبابا بني اللون، ينظر إلى البحر بحسرة ويروي ما حدث من دمار من قبل أصحاب المصانع تجاه البحر.

يسرد الحاج عيسي حكايته مع البحر قائلا: ولدت وتربيت بمنطقة خليج المكس، عملت صيادا على مدار نحو 50 عاما، أعطيت البحر عمري وأفنيت صحتي فيه، ويحزنني حال البحر الآن، الذي أصبح مأساة حقيقة بعد أن كانت تلك المنطقة من أكبر الأماكن المصدرة لليود بالإسكندرية أصبحت هي أكثر الأماكن المصدرة للرائحة العفنة الكريهة المنبعثة من مياه البحر، جراء إلقاء المصانع للمخلفات الكيماوية به.

ويضيف عيسي، أن المصانع الموجودة بمنطقة خليج المكس تصرف مخلفاتها عن طريق مواسير صرف تصرف على البحر مباشرة، ما يتلوث للبيئة نتيجة التسرب النفطي ونفايات المواد البلاستيكية التي قتلت الثروة السمكية التي تعتمد عليها المحافظة، وأصابت الأهالي بالأمراض.

محمد الفار، المتحدث باسم نقابة الصيادين بالإسكندرية، يقول إن أسباب تقلص الثروة السمكية بمنطقة خليج المكس هي الكيماويات التي تصرف في البحر لكون المنطقة مصب رئيسي لمياه الصرف الصحي والصناعي والزراعي، ما يتسبب في إصابة الصيادين بأمراض كثيرة منها الأمراض الجلدية والصدرية، وأمراض الكبد والكلى، بسبب تلوث المياه وتناولهم الأسماك المسممة.

“جاءت لنا محافظة الإسكندرية وأخبرتنا بقرار إزالة المنطقة وتهجيرنا منها، ومنحنا منازل أخرى قريبة بحجة أن منازلنا الموجودة على ضفتي خندق المكس آيلة للسقوط، ولكن هذا غير صحيح”، يقول الحاج سليم عبد المتعال، صياد وأحد سكان المنطقة.

ويوضح عبد المتعال، أن كل الأهالي في المنطقة يعملون بالصيد ولا يعرفون مهنة أخرى، متسائلا: كيف لنا ترك مهنتنا ومنازلنا ونسكن بعيدا عن البحر؟ إحنا زي السمك لو خرجنا من البحر نموت”، متهما المسؤولين بالطمع في منازل الأهالي لهدمها وبناء منتجع سياحي.

ويقول عبد المتعال، إن المحافظة وحي غرب أخبراهم بأنه تم بناء 8 عقارات سكنية بواقع 160 وحدة سكنية، وعليهم دفع إيجارات عن المنازل الجديدة التي سيتم نقلهم إليها، لكنه يضيف أن تلك الشقق لا تتجاوز مساحتها 45 مترا فقط، ولا تكفي لأسرة مكونة من 5 أفراد، لافتا إلى أن الأهالي يدفعون إيجارًا سنويًا لهيئة الثروة السمكية حوالي 15 جنيهًا، و”لا يمكن أن نترك بيوتنا ومراكبنا للنهب والسرقة وتحقيق الأطماع”.

تنص أحكام القانون رقم 4 لسنة 1994، والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009 بشأن حماية البيئة، على ضرورة دفن مواسير الصرف الخاصة بها بعيدا عن شاطئ البحر تحت سطح المياه ولمسافة تبعد 500 متر.

وذكرت وزارة البيئة في تقريرها عن منطقة خليج المكس 2016، أن هناك 12 منشأة كبرى تصرف بشكل مباشر أو غير مباشر في الخليج، وأن مياه البحر تعاني من تواجد بكتيري حاد، وبلغت نسبة الملوحة بها أدنى مستوياتها ووصلت إلى 12.9 في الألف لكل لتر مياه، رغم أن المعدل الطبيعي 35.5 في الألف لكل لتر، ما يتسبب في ضرر كبير للثروة السمكية.

خبراء: تهديد للأهالي والأسماك

يوضح الدكتور ربيع إسماعيل، الباحث بقسم الكيمياء البحرية والتلوث بالمعهد القومي لعلوم البحار بالإسكندرية، أن مخلفات المصانع التي تلقي في البحر تهدد الثروة السمكية وتقتلها تماما، وأن خليج المكس يعاني من نقص الملوحة في المياه، ما يعد تغييرا كبيرا في البيئة البحرية نتيجة تخفيف المياه المالحة بسبب الكيماويات التي تختلط بالماء، وتغير خواصها الطبيعية.

ويضيف إسماعيل، أن هذا التلوث يؤدي إلى هروب أو نفوق الأسماك والكائنات البحرية، وظهور كائنات أخرى تكون أشد ضررا على صحة المواطن الذي يتناول الأسماك الخارجة من هذه المياه.

ويقول الدكتور علي شاكر، المتخصص في الكيمياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار بالإسكندرية، إن المعهد أخذ عينة من مياه البحر بمنطقة خليج المكس، وحللها، وتبين من النتائج وجود مخلفات من القمامة بلغت كثافتها القصوى في شواطئ المكس، مع وجود تلوث “برازي” شديد، مرجعا ذلك إلى تصريف خط مياه الصرف الصحي غير المعالج والمعالج جزئيا، أو مياه الصرف الزراعي للبحر مباشرة.

ويضيف شاكر، أن التحليل أثبت وجود تركيزات عالية من الأمونيا والنترات، بسبب أنشطة الصناعات البترولية في المنطقة، التي تصل إلى 60 %، وأن الحالة الصحية للمياه يتم قياسها بكثافة وجود أنواع معينة من البكتيريا المسببة للأمراض الخطيرة.

وتشير نتائج تحليل عينات المياه إلى ارتفاع نسبة تركيز بكتيريا “الايشيرشيا كولاى” بنسبة 9000 ضعف المسموح به قانونيا، في حين تخطت نسبة بكتيريا “القولون النموذجية” الحد الآمن بنسبة 7800 ضعف المسموح به، وتركزت البكتيريا “الكروية السبحية” بنسبة 280 ضعف المسموح به، وهي أنواع البكتيريا الضارة التي تخترق الأسماك وتتسبب في حالات التسمم الغذائي.

مشروع سياحي بديل للمساكن

يقول محمد فهيم، رئيس حي غرب الإسكندرية، إن هناك مخاطر كبيرة تهدد أرواح سكان المنطقة بسبب تهالك أساسات المنازل وتصدعها بالكامل، مما يعرضها للانهيار، مرجعا ذلك إلى وقوع منازلهم بشكل مباشر على ضفتي الخليج.

ويوضح فهيم، أن هدف نقل الأهالي إلى مساكن جديدة تبعد أمتارا قليلة عن منازلهم، هو سلامتهم والحفاظ على أرواحهم وأرواح أسرهم، مشيرا إلى أن محافظة الإسكندرية تعد مشروعا ضخما من أجل تطوير منطقة خليج المكس وتحويلها إلى منتجع سياحي يعود على البلاد بملايين الجنيهات ويعمل على تنشيط السياحة الداخلية للثغر، خاصة أن المنطقة تتشابه كثيرا مع جزيرة البندقية الموجودة بإيطاليا.

تقارير جهاز البيئة تدين المصانع

أما الدكتورة هدى مصطفى، رئيس جهاز شؤون البيئة بالإسكندرية، فتقول إن منطقة خليج المكس تعاني من نسبة تلوث كبيرة في مياه بحرها، بسبب قيام عدد من المنشآت بصرف مخلفاتها الصناعية الصلبة والسائلة دون معالجة، وتتمثل أنشطة هذه المنشآت في الأسمدة والكيماويات، والمبيدات والغزل والنسيج، والصباغة، والورق، والأغذية المحفوظة، وقد أصدر الجهاز تقريرا للمحافظة لاتخاذ إجراء ضدهم.

وتوضح مصطفى، أن جهاز حماية البيئة يتعاون مع البنك الدولي وبنك التعمير الألماني، بتقديم الدعم الفني والمادي للمنشآت، لتوفيق أوضاعها، ودعم المشروعات المختلفة بالشركات مثل مشروع التحكم في التلوث الصناعي الذي يتضمن معالجة المياه وانبعاث الهواء، مؤكدة على وجود حملات علي المنشآت المخالفة ردا على شكاوى مواطنين.

الوسوم