مستشار مكتبة الإسكندرية: التغيرات المناخية سبب غرق “الثغر”

مستشار مكتبة الإسكندرية: التغيرات المناخية سبب غرق “الثغر” كبير مستشاري مكتبة الإسكندرية

قال الدكتور صلاح سليمان، أستاذ الكيمياء وسمية المبيدات بجامعة الإسكندرية، كبير المستشارين بمكتبة الإسكندرية، إن غرق الإسكندرية العام الماضي كان بسبب التغيرات المناخية، متطرقا إلى الحديث عن أزمة نقص المياه في مصر، بسبب الزيادة السكانية، مشيرا إلى أن الحل يمكن في زراعة محاصيل زراعية لا تستهلك قدرا كبيرا من المياه، مثل زراعة الموالح والخضروات، لافتا إلى أن المشكلة في أزمة سد النهضة ستكون مع السودان وليس مع إثيوبيا، كما أشار إلى ضرورة الاعتماد على الطاقة الشمسية، كحل ضروري لتوفير الطاقة، بل وتصديرها إلى أوروبا، بسبب ما تمتاز به مصر من سطوع دائم للشمس، وإلى نص الحوار..

كيف ترى وضع الزراعة في مصر، خاصة مع الإعلان عن مشروعات قومية لاستصلاح الأراضي؟

أعتقد أن الأمر كله متوقف بدرجة كبيرة على وفرة المياه، خاصة وأن مصر دولة فقيرة مائيا والأحلام بالتوسع الأفقي في الزراعة ليست قابلة للتحقيق لعدم وجود مياه كافية لذلك، بالإضافة إلى عدم ضمان ثبوت نسبة مياه نهر النيل في ظل زيادة التعداد السكاني ومستويات التغير المعيشي والحضري الذى أدى لاستهلاك مزيد من المياه بالاستخدام المنزلي، بجانب اختلاف وتطور نمط التغذية لدى المصريين وزيادة استهلاك اللحوم الذي يحتاج عشرات الأضعاف من المياه لإنتاجه بالمقارنة بما نحتاجه للمواد الغذائية الزراعية كالحبوب أو الخضراوت والفواكه، وعلى سبيل المثال إنتاج كيلو جرام من اللحم يحتاج 10 أضعاف كمية المياه التي نحتاجها لإنتاج كيلو جرام من القمح.

ما الذي تحتاجه مصر للخروج من أزمة نقص المياه وتأثيره على الغذاء بمصر؟

لابد من التفكير في قيمة وفائدة قطرة المياه التي نستخدمها فى حياتنا، بل وأصبح من الضروري أن تكون الأولوية في الزراعة للمحصول الذي يعطي قيمة اقتصادية أكبر وبأقل احتياج للمياه ولو بقطرة أو لتر مياه واحد، بل وتقليل زراعة المحاصيل التي تستهلك المياه بنسبة أعلى، وهو ما يعني وضع قيمة المياه المرتفعة التي نستخدمها في حسابات الإنتاج الزراعي، ومصر مؤهلة بنسبة كبيرة لإنتاج الخضراوت والفواكه، وهي محاصيل ذات قيمة عالية يمكن تسويقها في الخارج وتصديرها، واستغلال العائد منها في استيراد المحاصيل والحبوب التي تحتاج نسبة كبيرة من المياه لزراعتها كالأرز وغيرها. أما ما يثار حول القلق من توفر القمح فهو أمر غير مقلق ويمكن مواجهته بتوفير الأموال والدولار الذي يمكننا من شراء القمح، حيث إن إنتاج وزراعة القمح تتم بالعديد من الدول كاستراليا وكندا وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ويجب النظر للميزة النسبية للزراعة بمصر، حيث يمكننا استغلال القرب من أوروبا في إمدادها باحتياجاتها الموسمية من الخضراوت والفواكه غير المتوفرة لديهم، وبيعها بعائد مادي جيد يمكن استخدامه لتلبية الاحتياجات المطلوبة.

ما أبرز المحاصيل الزراعية بمصر، وما رأيك في التقرير الأمريكي الخاص بعدم مطابقة الفراولة المصدرة من مصر للمواصفات؟

لابد من الالتزام بمعايير التصدير إذا أرادنا المنافسة بمجال المنتجات الزراعية، سواء من ناحية المتطلبات أو الضوابط، التي تستدعي القيام بفحص مستمر للمنتجات قبل تسويقها بالخارج حتى لا تصاب المنتجات المصرية بسمعة سيئة، وعلى سبيل المثال فإن إسرائيل تعد مجرد بقعة زراعية بالمقارنة بمصر التي لديها 8.5 مليون فدان للزراعة، بمساحة محصولية تقدر بحوالي 15 مليون فدان، وبرغم ذلك فإن صادرات إسرائيل لأوروبا من الخضروات والفواكه أضعاف قيمة الصادرات المصرية من الخضروات والفواكه لأوروبا، وذلك لالتزامهم بمعايير جودة محددة تمكنهم من المنافسة بقوة في الأسواق العالمية.

ما هي مؤشرات تغير المناخ وظواهرها ومن المتسبب الأساسي في حدوثها؟

أبرز ظواهر تغير المناخ غرق الإسكندرية، الذي حدث العام الماضي وما تبعه من تغيرات ملحوظة في مجموعة النوات المنضبطة، من حيث شكل ونسبة هطول الأمطار، التي أصبحت تخالف المعتاد والمتعارف عليه مسبقا خلال شهور فصل الشتاء، ويعود سبب عدم الانضباط الأساسي إلى تغير المناخ، ويمكننا رؤية تأثير أخر لتغير المناخ إذا ذهبنا بعد مدينة رشيد أو أدكو بـ 30 كم، وسنجد تأثير التغيرات واضح على مشروعات البنية التحتية بمنطقة شمال مطوبس، وتشمل القرى الواقعة بين بحيرة البرلس والبحر الأبيض المتوسط مثل قرية إبراهيم الدسوقي وغيرها التي أنفق عليها 7 مليارات جنيه في استصلاح الأراضي، ولكنها ذهبت مع الريح لأنها لم تراعي عند تنفيذها حدوث ارتفاع في منسوب البحر وملوحة الأراضي وانخفاض خصوبتها نتيجة تغلغل مياه البحر أسفل الدلتا والاحتياج إلى رفع الأراضي وزيادة ارتفاع مستوى التربة  لتكون صالحة للزراعة، ويمكننا رؤية آثار تغير المناخ سواء بناحية شرق الإسكندرية أو بمحافظات البحيرة والدقهلية ودمياط وحتى بورسعيد، بالإضافة لمعاناة الوديان المنتشرة غرب الاسكندرية ومرسى مطروح من انخفاض كمية الأمطار بنسبة كبيرة وتأثيره على إنتاجيتها الزراعية من التين والزيتون والأعشاب الطبية والعطرية التي تنتجها تلك الوديان، لدرجة وصلت بأصحاب الأراضي لأداء صلاة الاستسقاء، وبالفعل هطلت الأمطار وبذروا بذور القمح والشعير ولم تمطر بعدها قطرة لمدة أسبوعين مما أدى لموت البذور بعد نباتها، نتيجة قلة المياه وضياع سعر المحصول والبذور، وهو ما يؤكد ما تضمنته تقارير الأمم المتحدة حول انتشار الجفاف بمنطقتنا التي تعد من المناطق الجافة التي تزداد جفافا، وهناك فيلم تسجيلي باسم “ما قبل الفيضان” أنتج مؤخرًا عن ظاهرة الجفاف وتضمن اعتبار مصر أكثر بلاد العالم عرضة للجفاف نتيجة تغير المناخ.

هل هناك علاقة بين ما “ثقب الأوزون” وتغير المناخ؟

“ثقب الأوزون” كلمة غير منضبطة وليس صحيحة، بل هي “طبقة الأوزون” المكونة من غاز ثلاثي الأكسجين فى أعلى الاستراتسوفير، وهو المكون للغلاف الجوي المحيط بالأرض، وتركيز الأوزون بتلك الطبقة قل بعد أن كان بسماكة وتركيز معين قبل 100 عام، ولكن انبعاث بعض الغازات التي كنا نستخدمها بإسراف عقب الثورة الصناعيةن خاصة الغازات المستخدمة بالتبريد مثل الكلورفلور والهيدروكربون، أدى إلى تضائل سمك الغلاف وهو ما تداول وتعارف عليه بكونه “ثقب الأوزون” مما أوجب عقد اتفاقية دولية لوقف ذلك، وهو ما أعاد تلك الطبقة إلى التصحيح مرة تدريجيًا، ولكن الأزمة الكبرى والمسبب الأساسي للتغيرات المناخية هي الانبعاثات الضخمة من غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان الي تؤدي إلى رفع متوسط درجات الحرارة العالمية وتهديد العالم كله، خاصة مع الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري، دون ضوابط وعدم اللجوء لبدائل أخرى كالطاقة الشمسية التي تمثل فرصة جيدة خاصة في مصر، ولكننا نلجأ بقرارت غير مدروسة لاستخدام الوقود الأحفوري الأسوء في العالم وهو الفحم الذي لا نملكه من الأساس.

من المتسبب الأساسي فى الانبعاثات التي أحدثت التغيرات المناخية؟

الدول الصناعية الكبرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، التي كانت مسؤوليتها متفردة عن تلك الانبعاثات حتى الـ 20 عاما الماضية، ولكن انضم إليها مؤخرًا كل من الهند والصين كمسبب أيضُا من خلال استخدام تكنولوجيات نظيفة لا تراعي كمية الانبعاثات، ومسؤولية تلك الدول تاريخية عما حدث من تغير مناخي عالمي، أما مشاركة مصر على سبيل المثال في تلك الانبعاثات فهي محدودة ولا تتجاوز 0.85 بينما وفق النسب المقررة فإن نسبتها المسموح بها هي  1.6، وبالتالي فمصر ليست متسببة في ظاهرة تغير المناخ، ولكنها في الوقت ذاته من أكثر الدول تعرضًا للاتلاف الذي يحدث نتيجة تغير الناخ بعدة أشكال، مثل ارتفاع درجة الحرارة والجفاف الزائد نتيجة قلة الأمطار على السواحل واحتمالية انخفاض كمية مياه النيل القادمة لمصر نتيجة هطول الأمطار على منابع النيل، وذلك وفق تقارير عالمية.

ما تأثير التغيرات المناخية ونقص المياه في ظل مشروع إقامة سد النهضة الأثيوبي؟

سد النهضة سيؤدي على المدى القصير إلى خفض كمية المياه الواردة إلى بحيرة ناصر، ولكن لحسن الحظ مصر خزنت من المياه الواردة للبحيرة على مدى السنوات الماضية كميات تصل إلى 180 مليار متر مكعب وهو ما يكفي احتياج مصر من المياه دون نهر النيل لمدة تصل إلى 4 سنوات، ولكن المشكلة ستكون في انخفاض كميات الطاقة الكهربية المولدة من السد العالي وهي بالفعل منخفضة بالنسبة للاستهلاك في مصر، أما على المدى البعيد فلن يؤثر سد النهضة على كمية المياه التي ستأتي لمصر من خلال النيل الأزرق، ولكننا سنواجه مشكلة صرف المياه من سد النهضة على مدار العام كله وليس على مدار شهرين، ولكن عقب مشروع السد ستصل إلينا المياه الهاطلة خلفه على الهضاب الأثيوبية بشكل  “سرسوب” حيث ستوزع الكمية المقدرة ب 55.5 مليار متر مكعب على مدار السنة بمعدل 5 مليار متر مكعب  شهريًا، وهنا لابد من ضمان ألا تمس حصتنا من المياه من قبل السودان، فإثيوبيا لن تفعل ذلك لأنها لابد أن تصرف المياه، أما السودان فلابد من الاتفاق الشديد بيننا وبين حكومته، التي لا أثق فيها، وبالتالي لابد من وضع مواثيق ومعاهدات تقضي باحترام حصتنا من المياه، التي ستمر عليهم ووضع ضوابط لذلك تتضمن  وضع خط أحمر لعدم المساس بحصة مصر أو كمياتها ولو بلتر واحد، وعدم التفريط مهما كلف الأمر ولابد أن تعي الحكومة السودانية ذلك جيدا، خاصة بعدما خانتنا في الاتفاقيات مع أثيوبيا، ويجب على الحكومة المصري “النائمة في العسل” ضمان ذلك بضوابط صارمة تكفل تحمل انخفاض نسبة  المياه على الجانبين المصري والسوداني وليست مصر وحدها.

هل مصر تمتلك مصادرا للطاقة النظيفة أو المتجددة؟ وما المعوقات التي تواجه الاستفادة منها؟

مصر أكبر وأكفأ بقعة في العالم يمكنها تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة مختلفة، سواء طاقة حرارية مباشرة أو طاقة كهربائية، وأوروبا تخطط منذ أكثر من 20 عاما لأن تكون مصر منبعها للطاقة الشمسية، وعلى سبيل المثال جميع المنازل والطرق والمزارع بألمانيا مقام عليها خلايا تحويل الطاقة الشمسية، برغم عدم قوة شروق الشمس لديها مقارنة بمصر، وهناك مشروعات بدأت بالفعل في مصر ولكن نحتاج إلى المزيد، وتعد الصحراء الغربية هي الموقع الأمثل لمثل تلك المشروعات، التي تحظى بأعلى معدل للإشعاع الشمسي المستخدم في الطاقة الشمسية، ولكننا نحتاج لتذليل بعض العقبات من قبل الحكومة والتعامل بجدية وتشجيع للاستثمار بهذا المجال، وهناك 3 أنواع لاستغلال الطاقة الشمسية، أولها تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة حرارية مباشرة باستخدام السخانات الشمسية التي توضع أعلى المنازل، أما النوع الثاني فهو تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية من خلال الخلايا الشمسية ويمكن استغلال ذلك في الاستفادة المنزلية، وإذا حلقنا فوق مصر سننبهر بكم أطباق الاستقبال أعلى المنازل، ولماذا لا يكون التفكير على سبيل المثال في تصميم أطباق استقبال مزودة بخلايا شمسية تغذي أجهزة التلفاز. أما الاستغلال الثالث والأهم الذي يمكن الاستفادة منه هو إقامة مصانع أو مولدات ضخمة تعتمد على الطاقة الشمسية بالمساحات الشاسعة بالصحراء التي تقدر بنسبة 96% من المساحة، ويمكن استخدام المرايا بتلك المشروعات لتركيز الضوء على مكثفات تؤدي لصهر الملح بحيث يمكن استخدامه في الإمداد بالطاقة ليلا ونهارا، كما يمكن تصدير تلك الطاقة بمقابل مادي كبير أو استخدمها في الاعلانات ضخمة الاستهلاك بالطرق الرئيسية كالمحور وغيره.

ما أبرز التوصيات التي خرج بها مؤتمري باريس ومراكش للمناخ؟ وما مدى تطبيقها؟

اتفق رؤساء وممثلو الدول التي شاركت في مؤتمر باريس على محاولة تقليل الانبعاثات، بحيث لا تزيد درجات الحرارة العالمية عن معدلاتها قبل العهد الصناعي بمقدار 1.5 درجة، ولكنه اتفاق تطوعي غير ملزم للدول وهو ما يعد سببا أساسيا لعدم الالتزام، كما تضمن الاتفاق تخصيص صندوق تحت اسم “صندوق المناخ الأخضر” تضع به الدول المتسببة في الانبعاثات 100 بليون دولار كل عام لصالح الدول النامية المتضررة من تغير المناخ، وهناك محاولة لاستبعاد بعض الدول من ذلك التصنيف من بينها مصر. ونظرًا لعدم كون الاتفاق ملزما، مثل قرارت مجلس الأمن وغيرها، لم يتم وضع المبلغ المتفق عليه ولم يتجاوز ما تم وضعه 20 مليار دولار، برغم مرور عام على الاتفاق، وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات لمواجهة تغير المناخ من الممكن أن ترتفع درجات الحرارة العالمية بمعدل 4 أو 5 درجات وهو ما يمثل كارثة كبرى تقضي على البشرية.

هل يمكن القول أن غرق الإسكندرية العام الماضي سببه تغير المناخ؟

من الواضح أن تغير المناخ ملحوظ في شكل ومعدل سقوط الأمطار على مستوى العالم، أما ما حدث فى الإسكندرية، ليس كما اعتدناه، من حيث أن تكون بداية الشتاء من أكتوبر وحتى فبراير على شكل نوات أو رخات متقاطعة، ووفق التقارير المناخية ففصل الشتاء لن يكون نموذجي، بل من الممكن أن يسقط شتاء الفصل كله في يوم أو يومين، وهو ما يصعب مواجهته أو استيعابه في شبكات صرف المدينة، ما يؤدي إلى غرقها مثلما حدث العام الماضي، بالإضافة إلى تلف المحاصيل الزراعية، ويمكن وصف ذلك بـ “الحوادث الشديدة”. أيضا فمدينة الإسكندرية تصرف الأمطار من خلال شبكتين، أحدهما لتجميع وصرف الأمطار من خلال محطات معدة لذلك تقوم بصرفها على البحر دون أن يتعارض ذلك مع اتفاقية برشلونة، ولكننا أهملنا تلك الشبكة وقمنا بسدها وربطنا الجزء الذي يعمل منها بشبكة الصرف الصحي وهو ما يعد “كارثة” أيضا فإن ارتفاع منسوب البحر يكون نتيجة ذوبان الجليد وتمدد المياه، الذي نغفله دائما وهو العامل الأساسي في ارتفاع منسوب البحر، فكلما زادت درجة الحرارة تقل كثافة المياه وبالتالي تتمدد ويرتفع منسوب سطح البحر، ووفق ما هو متوقع فإن الارتفاع يمكن أن يكون مترا أو اثنين، وإذا التزمنا يمكن ألا يتجاوز نصف متر، مما لا يؤثر على مدينة الإسكندرية إلا ببعض المناطق المنخفضة مثل كرموز وغيط العنب ومن السهل مواجهة ذلك.

الوسوم