“الطرابيش”.. صناعة باقية من “زمن الأفندية”

“الطرابيش”.. صناعة باقية من “زمن الأفندية”
كتب -

كتب- أيمن الوكيل

“نحن صناع طرابيش الملوك” بهذه العبارة يستقبلنا عماد الطرابيشي، الذي لم يستطع زحام القاهرة أن يخفي شهرة جده “أحمد محمد أحمد الطرابيشي”، الذي اشتهر بنفس الصنعة، في حي الغورية، أحد أحياء الجمالية.

لم تتغير أدواته أو وقفته وهو قابض بيديه علي “طربوش” من الخوص في مرحلته الأوليه، راويا لنا كيف ورث هذه الصناعة عن جده الذي كان الملك فاروق “لا يلبس الطربوش إلا من يديه” .

يحكي الطرابيشي الحفيد وهو منهمك في عمله أن مراحل صناعة “الطربوش” لم تتغير منذ بدايتها في عصر الملكية حتي وقتنا هذا ، بدءًا من جلب الخوص “سعف النخيل” من مدينة رشيد، ثم فرده علي قوالب نحاسية “أشار إليها في زاوية متجره” على اختلاف مقاساتها التي تتراوح ما بين مقاس الأطفال وبين مقاسها الأخير 64، لتناسب كل الأعمار.

يتابع الصانع الماهر وهو يتجول بين أرجاء مصنعه الصغير، بعد جفاف “الخوص” يتم كسوته ببطانة داخلية من الجلد، يشد عليها صوف “الجوخ” الأحمر، الذي يصفه بأنه من أفخر أنواع الصوف وأجودها، ثم يلصقه بعجينة “النشا” التي تساعد علي جفاف الطربوش ومتانته، قبل أن يوضع عليه “زر” أسود من الحرير.

بزهو وفخر يقول إن متجره هو قبلة الراغبين في ارتداء الطربوش واقتنائه، منذ عهد الملك فاروق وحتى كتابة هذه السطور، لافتا إلى أن من كان يحصل علي لقب “الباشوية” قديما، كان يتوجه فورًا إلى مصنع جده الجده الصغير ليصنع له “طربوش خاص”، والذي كان يختلف علي “طربوش الأفندية” آنذاك .

ويوضح الطرابيشي أن أنواع “الطرابيش” التي ينتجها اليوم لا تزيد عن الثلاثة، وهي طربوش الباشا، وطربوش الأفندي، وطربوش الأزهري.

على الرغم من أن مهنته مهددة بالكساد، إلا أن أنامله ما زالت تحفظ سر “الصنعة” كابرًا عن كابر، لتصنع المزيد بأدوات متواضعة، تتصدرها ماكينة يدوية من النحاس منقوش عليها “تاج الملك” بقرار من الملك فاروق الأول، وشهادة تثبت ذلك تتوسط الجدار خلفها.

وعن تاريخ “الطربوش” يقول عاطف قناوي، باحث، ومفتش الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، إن ” الطربوش” دخل مصر في القرن العاشر الهجري، مع دخول العثمانيين، ليحل بديلا للعمائم التي دخلت مع الفتح الإسلامي.

ويضيف قناوي أن محمد علي باشا جعل الطربوش جزءا أساسيا من زي الجيش المصري، وكان يستورد من الخارج قبل أن ينشأ له مصنعا بمدينة ” فوه” بالدلتا ،يقوم عليه صناع من المغاربة لخدمة افراد الجيش فقط .

ويشير إلى أن “الطربوش” سرعان ما انتشر بين المصريين، حتي أصبح مظهرًا مهما من مظاهر الوقار والمكانة الاجتماعية والهيبة آنذاك.

في عام 1952 استبدل الطربوش بالعمامة والعقال والشملة، على اختلاف المكان والزمان، إلا أن صناعته ما زالت موجودة حتى اليوم، ويقبل عليها طلاب الأزهر الشريف في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي، رغم أن بداية ظهوره كان بديلا للعمامة، لكن سرعان ما عاد إليها في العصر الحديث.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

الوسوم