منتجات “ديارنا”: 9500 يد مصرية تتلف في حرير

كتبت- ندى ضياء

في محاولة لأعاده تصنيع منتجات تراثية قديمة وتقديمها للناس بشكل عصري، وإيجاد فرص عمل ودخل لمن لا يملكون سوى موهبة الصناعة اليدوية، قامت وزارة التضامن الاجتماعي بتنظيم معرض “ديارنا” وهو مشروع للأسر المنتجة في دورته الـ52، في الفترة من  14/4  حتى 25/4، قدمت أسر ومجموعات من جميع محافظات مصر منتجات تم تصنيعها يدويًا بصورة كاملة.

قد يظن البعض أن كل ما يربطهم بالتراث هو مَثَل قديم توارثوه عبر الأجداد، أو أغنية عتيقة لطالما استمعوا إليها وهم يكبرون أو حتى زي الوطن التقليدي الذي يعبر عن تراث وعراقة الماضي، ولكنهم نادرًا ما يلحظون أن التراث هو جزء لا يتجزأ من حاضرهم المتمثل في الأدوات والأشياء المتواجدة في منازلهم والتي يستخدمونها بشكل يومي ودوري.

تنوعت المنتجات ما بين سجاد وكليم والجوبلان، مشغولات نحاسية وفضة، منتجات من الخوص، الجلود، الملابس والمفروشات، كل هذا بالإضافة إلى الأثاث المصنع يدويًا بما يحوي من أعمال حفر وتزيين عليه تجعل من الصعب تصديق أن ذلك المقدار من الحرفية والجمال قد صنع بمجهودات بشرية خالصة ومن دون أي تكنولوجيا.

شهد المعرض عرض 9.500 منتج، كل منهم له أكثر من لون وشكل، ما أدى إلى إقبال كبير من الزوار للتعرف على منتجات مميزة ومختلفة الصنع.

عبرت المنتجات عن التراث بصورة حديثة ومبتكرة، فتطوير الأدوات القديمة وتقديمها بصورة تناسب العصر الحالي كان أمر ملحوظ في عرض المنتجات، فلم يكتفي بعض العارضين بعرض الجلاليب القديمة والمطرزة، ولكن قاموا بعمل قمصان مطرزة تناسب الموضة المنتشرة، كذلك بعض منتجات الفخار المحفورة يدويا حولها الصانعين من تماثيل تقلييدية إلى حاملات شمع معطر والذي بدورهم قاموا بتصنيعه بأنفسهم من منتجات طبيعية تستخدم في البلدان الريفية لإضفاء رائحة حلوة على المنازل.

كذلك الميداليات وحاملات المفاتيح وأغلفة الموبايلات كانت من المنتجات الحديثة والتي عرضت بطابع تراثي قديم وروح تعيد مستخدمها إلى تراث الماضي، سواء عبر التطريزات الملونة أو استخدام مواد خام بدائية كانت تستخدم قديما.

عن المشروع

يعد المعرض آخر مرحلة من مراحل مشروع إعداد الأسر المنتجة الذي أنشأته الوزارة بالتعاون مع المنظمات الأهلية منذ عام 1946، والذي ساعد أكثر من 2.8 مليون أسرة من جميع أنحاء الجمهورية حتى الآن.

يقدم المشروع في البداية التدريب للمشتركين ليؤهلهم لإخراج منتج نهائي ينافس العالمية في معايير الإتقان والجمال، من ثم يقوم بتوجيههم إلى كيفية عمل اسم خاص للمنتج ومراعاة السوق المنافس في التسعير، من بعدها يقوم بتقديم التمويل اللازم لمن بحاجة إلى رأس مال لبداية خط سير منتجاتهم اليدوية، وفي النهاية يقوم بتسويق تلك المنتجات عن طريق دورات عرض تنعقد 3 مرات سنويًا يقدم فيها مختلف المنتجات التي تم تصنيعها.

قال محمد رشوان، المتحدث الرسمي باسم معرض الأسر المنتجة “ديارنا”، إن مشروع الأسر المنتجة يعد من أوائل المشاريع الفعالة في إيجاد فرص عمل ليس فقط في مصر بل حول العالم، مشيرًا إلى أن معرض ديارنا هو معرض مؤقت ولكن يوجد منافذ عرض دائمة للمنتجات في جميع المحافظات، والتي تمكن المستهلك من إيجاد تلك المنتجات في جميع أوقات العام.

في البداية كان المعرض سنوي، ولكن مع مرور الوقت والإقبال الدائم عليه قررت الوزارة أن يتم إقامته ثلاث مراث سنويًا، وقال رشوان: “لا أعتقد أنه إذا ما احتاجت أي أسرة مصرية منتج ستنتظر عاما كاملا من أجل أن تقوم بشرائه من المعرض، ولكن عندما أصبحنا ننظمه بصورة أكثر دورية أصبح هناك جمهور ثابت يأتي لشراء ما يحتاجه من منتجات كل فترة”.

أهم ما يميز المعرض ليس فقط التنوع في المنتجات التي تحاكي كافة الأذواق، ولكن كذلك تنوع الأسعار والتي تتوافق مع كافة الطبقات الاجتماعية، علَق رشوان على ذلك “لدينا منتجات أسعارها مرتفعة للغاية وعادة ما يقوم بشرائها طبقات محددة على سبيل المثال بعض السجاد المعروض يتراوح سعره من 40 إلى 50 ألف جنيه، لأنه مصنع من الحرير الخالص وعمل يدوي أخذ وقت طويل جدا من عدة أفراد، وفي نفس الوقت لدينا معروضات بمئات الجنيهات فقط للطبقات الأكثر انتشارًا في المجتمع”.

يشارك في صنع المنتجات فئات مختلفة من المجتمع ويتم إعطاء منح خاصة من الوزارة لبعض الفئات مثل المرأة المعيلة أو الأيتام أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وأما عن طرق التمويل تكون عادة من الجمعيات الأهلية التابعة للوزارة، والتي تقوم بعملية متابعة لكل المشروعات الفردية والأفراد منذ فترة التدريب حتى فترة ما بعد البيع.

ولفت رشوان إلى إقبال الناس على شراء المنتجات حينما يرون مدى جودتها بالمقارنة مع أسعارها والتي تكون أقل من أسعار المنتجات المصنوعة إلكترونيا، يقول: “فالدورة الماضية للمعرض قمنا ببيع منتجات بمبلغ 2.5 مليون جنيه ولم يكن الإقبال على المعرض بنفس درجة هذه الدورة”.

خلال العام ماضي، نجح المشروع في تدريب 11 ألف شخص لإنتاج مصنوعات يدوية مختلفة في 420 مركزًا حول الجمهورية.

وذكر رشوان “هذا العام أضفنا قسم خاص لتسويق منتجات مصنعة بيد الأمهات السجينات اللاتي يعملن من أجل عدم العودة إلى أوضاعهن السابقة، وإيجاد كسب حلال من أجل أطفالهن سواء من كانت من هن مازالت في الحبس أو خرجت بعد انقضاء مدتها، كذلك هناك قسم خاص بدور الأيتام”.

وهذا ما أكدته إحدى العارضات حين قالت “أبيع شراشف مطرزة بألوان وأشكال مبهجة وجميعها صنعت بواسطة فتيات يتراوح أعمارهن ما بين الـ 12 و18 في دار أيتام، ويتراوح سعر بيع المنتج ما بين 180 إلى 280 جنيهًا، قد يراه البعض مرتفع السعر، ولكننا قمنا جميعا بعملية الصنع منذ أن كان الشرشف عبارة عن قماش إلى أن تحول إلى الشكل النهائي المطرز بكافة الألوان”.

وذكرت كذلك أن الفتيات يقضين معظم أوقات يومهن في فترة الإجازة من المدرسة يصنعن تلك الشراشف بمشاعر مختلطة ما بين السعادة والرغبة في الابتكار قائلة: “إننا نترك لكل مجموعة الرغبة في اختيار ما تريد صنعه، منهن من تحب صنع الكروشيه وأخريات يحبن التطريز، ولكن العنصر المشترك ما بينهن جميعا أنهن يقضين الوقت في صناعة تلك المنتجات بضحكات عالية وسعادة بالغة بأنهن عضوات فعالات في المجتمع، كذلك يتنافسن ما بينهن على الابتكار وإيجاد أفكار جديدة ورسومات لم يسبق أن تعرض من قبل في السوق المحلية والعالمية، لأن ذلك يزيد من بهجة إنتاج العمل”.

واختتمت كلامها على ذكر “أن تلك المنتجات كأطفالنا الصغار، نعمل على إخراجهم للعالم الخارجي بأفضل صورة ممكنة ليظهر الحب المبذول على المنتج”.

وقالت سلمى، إحدى الزائرات، إنها لم تكن تتوقع أن تكون المنتجات المصرية بهذه الجودة وفي الوقت نفسه بأسعار مناسبة للغاية، “لم أصدق أنها منتجات تنافس على العالمية إلا عندما رأيتها فعلا ولاحظت مدى جودة واتقان صنعها”.

في الوقت الذي أشاد الجمهور بالمعروضات ومدى إتقانها كان لبعض العارضين وجهات نظر أخرى، قالت إيمان السدواي، وهي تبيع فضة يدوية الصنع، “إن المعرض كان ليجذب عدد أكبر من الأفراد لو كان خصص له جزء أكبر من الإعلانات ليصل إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور”.

وعبرت إحدى العارضات الأخرى عن عدم رضاها عن التنظيم الخاص بالمعرض، وسوء أماكن عرض بعض المشاركين، والذي لم يساعد الناس في رؤيتهم وبالتالي أدى إلى قلة عدد المشترين.

في النهاية قوبل المعرض باحتفاء من المستهلكين، الذي توافدوا عليه طول مدة انعقاده مع أمل في انعقاد قريب له مرة أخرى.

جهود موازية

وفي نفس الوقت الذي يسعى المعرض فيه إلى بناء قاعدة جماهيرية محلية للمنتجات، تسعى بعض الجهات الأخرى في عملية التسويق العالمية وتوصيل المنتجات إلى المهتمين بها في جميع دول العالم، مثل منظمة التجارة العادلة في مصر و”يدوية”.

“يدوية” هو موقع محلي يهدف إلى ربط المنتجات والمصنعيين المحلين بالمستهلكين العالمين خارج إطار مصر، عبر عرض صور من المعرض والمنتجات على الموقع الخاص بهم وصفحتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يسعى الموقع إلى زيادة التسويق والاطلاع على المنتجات المتنوعة، وبالتالي زيادة الطلبات الخارجية التي تصل لمصنعيها.

منذ بدء المعرض شنت يدوية حملة دعائية مكثفة لمنتجاته على الرغم من عدم مشاركته بصورة فعلية بعرض أيا من منتجاته في “ديارنا”، وبذلك أصبح حلقة ربط لهذه المنتجات القادمة من أطراف الدولة لتعبر الحدود.

الوسوم