مقابلة| أستاذ اقتصاد زراعي: مصر فشلت في تحقيق الأمن الغذائي.. وسياسات الاستثمار محبطة

مقابلة| أستاذ اقتصاد زراعي: مصر فشلت في تحقيق الأمن الغذائي.. وسياسات الاستثمار محبطة

تمس القرارات الزراعية قطاعًا كبيرًا من المواطنين المصريين، نظرًا لامتهان الكثير منهم لمهنة الزراعة، “ولاد البلد” التقت الدكتور عبد الله زايد، الأستاذ المتفرغ في معهد بحوث الاقتصاد الزراعي والحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة مونبيليه في فرنسا، للتعرف على رؤيته لسياسة مصر الزراعية وكيفية تطوير القطاع الزراعي.

هل فشلت مصر في تحقيق الأمن الغذائي؟ ولماذا؟

نعم، لا توجد سياسات واضحة في القطاع الزراعي، سواء التمويلية أو الإنتاج الحيواني والنباتي، والدليل عند زراعة محصول معين يجب أن أعرف سعره وعلى أساسه أعرف هل أزرعه أم لا، هل سيأتي بمردود أم لا، تحديد السعر يجب أن يكون في البداية وليس في نهاية الزراعة.

 وليس هناك آلية لتحديد الطلب على المحصول الزراعي، فمثلًا نضع الخطة على أساس زرع 2 مليون فدان أرز، لكن هل هناك منظومة تحدد كمية الطلب على الأرز أم لا، فمثلًا في الدول الأخرى، يتم الحساب على أساس الكالوري، بحيث يعرف أن لديه 90 مليون مواطن، كل مواطن سوف يستهلك كمية معينة في اليوم وفقًا للكالوري، وإن كان سيصدر، يحسب حجم ما يصدره، وهذا غير موجود لدينا.

هل تعتقد أن هناك ضعف في الاستثمار الزراعي في مصر؟ ولماذا؟

هناك استثمار في المجال الزراعي لكن كل السياسات الموجود تحبط هذا الاستثمار، أول ما ينمي الاستثمار هو السياسة التمويلية، وهذا غير موجود في مصر، لكي تأخذ قرض من بنك التنمية تصل الفائدة إلى 22% و23%، والمفروض أن الفائدة في القطاع الزراعي تكون بسيطة، وهنا الفائدة مركبة.

ثم يجري تحميل المستثمر بمصاريف إدارية، والبنك بينفرد بكونه يضع الشروط والسياسات التي تلبي مطالبه وليست مطالب الفلاح، فعلى سبيل المثال، يقوم البنك بعمل كشف حساب كل 3 أشهر، الكشف بثلاثين جنيهًا، في العام 120 جنيها، لو هناك 2 مليون عميل وهذا رقم بسيط، ستجد أن البنك يأخذ 2 مليار جنيه تقريبًا، كل هذه الأمور تجعل العميل عندما يحصل على القرض يكبل بمصاريف إدارية وفوائد تعوق عملية السداد.

في الماضي، السداد كان مرتبط بالإنتاج، لكن الآن يعطيك القرض ويطلب منك السداد في أوقات يكون الفرد غير مستعد للسداد، فالسداد في القطاع الزراعي يجب أن يكون مرتبطا بالإنتاج سواء كان إنتاجا زراعيا أو حيوانيا أو داجنيا.

هل يتناسب حجم صادرات مصر الزراعية مع مواردها؟ وما إمكانية تطوير ذلك؟

لكي تقوم بالتصدير في القطاع الزراعي يجب أن تمتلك منظومة تسويق كاملة متكاملة، لكن هذا غير موجود، والدليل أن التدريج للمحصول يجب أن يكون في المزرعة مثل كل العالم، لكن التدريج في مصر يكون عند تاجر التجزئة، لذا فمنظومة التسويق في مصر غير مجهزة لعملية التصدير، وعملية التصدير تتم من خلال أفراد يتحملون على أنفسهم عبء العملية كاملة، لكن نحن نريد الفلاح العادي يقوم بالتصدير، وهذا يتم من خلال عملية التسويق.

بالإضافة لضرورة وجود مصانع تقوم بتهيئة المنتج للتصدير، مما يسهم في تقليل الهامش التسويقي، الذي يصل إلى 150-200%، وهو الفرق بين سعر المزرعة من سعر المستهلك، بعكس أي دولة في العالم، لا تجد هذه الفجوة، وهذا الأمر يؤدي لارتفاع السعر وهو ما يقابل في الخارج بعدم تقبل، لكن كلما كان السعر معتدلًا كلما كان الإقبال على المنتج أكبر.

السياسة الزراعية الحالية للدولة قائمة على التعاونيات بصورة أساسية، فما هو تقييمكم لدورها؟

إذا لم تكن هناك حركة تعاونية نشيطة قادرة على التحكم في منظومة الإنتاج الزراعي والسياسة الزراعية، فلن تقوم قائمة للإنتاج الزراعي أو الزراعة عمومًا، فالحركة التعاونية تتركز بصورة أساسية على الجمعية التعاونية، وهي في حالة انهيار وفشل وعدم وضوح رؤية أو تماسك، فهي لا تقدم أي خدمات للفلاح، هي عبارة عن مخازن موجودة، ويقوم بنك التنمية بشراء السماد والتحكم.

ولكن لو هناك حركة تعاونية سليمة، كان من الممكن إنشاء جمعيات تمويلية تساعد في الحد من تحكم بنك التنمية، ومن جانب آخر، فبنك التنمية وقت تأسيسه كان رأس ماله من الجمعيات التعاونية والفلاحين بحيث يقدم لهم خدمات، ولكن في الفترة الأخيرة خرج البنك عن مساره، وأصبح آخر ما يفكر فيه هو خدمة الفلاح.

والحل العاجل هو توفير المستلزمات بحيث تقدم للفلاح السماد والتقاوي، فهي تخلق قوة طلب للفلاح في السوق، فبالتالي أستطيع التحكم في سعر الأسمدة والتقاوي، ولكن في غياب الحركة التعاونية لا يوجد ما يحمي الفلاح.

إلى أي مدى يمكن أن تهدد التعديات على الرقعة الزراعية الأمن الغذائي المصري؟

التعديات على الرقعة الزراعية مشكلة حلها ليس في إصدار القوانين والتشريعات ولكن في توفير البدائل، فهناك الكثير من القوانين والتشريعات التي صدرت ومع الأسف كانت محفزة للتعدي على الأرض الزراعية، مثلًا في عام 1985 صدر قانون بمنع البناء على الأرض الزراعية بعد شهر أغسطس فشهد هذا العام طفرة غير عادية في البناء على الأرض الزراعية في الريف.

ومشكلة التعدي على الرقعة الزراعية مرتبطة بمشكلة الإسكان بصورة أساسية، فبالتالي إما أن نشجع البناء الرأسي في الريف بحيث يقوم الفلاح ببناء 5 أو 6 أدوار بحيث يستوعب المنزل أكثر، أو أن يصاحب المنظومة الجديدة للطرق منظومة سكة حديد، فمثلًا محافظة الدقهلية بها 62 ألف فدان في المناطق المحيطة بمدينة جمصة، ولكي يذهب الناس إلى هناك يجب أن تكون وسيلة المواصلات سهلة، وبدلًا من شراء قيراط أرض هنا، يقوم بالشراء هناك.

كيف سيؤثر سد النهضة على الزراعة في مصر؟

موضوع سد النهضة أخذ منحى آخر غير المنحى الطبيعي له، فهو أخذ بعدا سياسيا بدلًا من البعد المائي أو الاقتصادي، في البداية لابد من التسليم بقضية أن المورد الأساسي هو الأمطار، وهناك هدر في 200 مليار متر مكعب للموارد المائية لنهر النيل، فنحن مطالبون بإنشاء شبكة سدود تعظم من الموارد المائية لكل دول حوض النيل ومنها مصر والسودان.

 وهذا يتطلب سياسة وفكر مختلف تمامًا عن ما يحدث اليوم، فبدلًا من التفكير في ضرب السد نحن مطالبون ببناء أكثر من سد في أثيوبيا، ولماذا لا نضع سياسة واضحة مع دول حوض النيل لبناء سدود أخرى، والأزمة الأساسية في سد النهضة تكمن في مشكلة التخزين، هل في 3 أم 5 أم 10 سنوات؟، لو تم التخزين في 10 سنوات لن نشعر بفارق، وهذا مورد طبيعي فالأمر ليس بيد أحد، فهذا العام مثلًا كان هناك فيضانات أغرقت السودان والحبشة، فلو أرادت أثيوبيا حبس المياه ومنعها عن مصر فسوف تغرق، وبالتالي لست منزعجًا أو متخوفًا من سد النهضة، ولكن البعض يضخم الأمور لأوضاع سياسية.

كيف يمكن زيادة إنتاج مصر من الإنتاج الحيواني؟

مع الأسف ليس هناك أي قوانين للإنتاج الحيواني في مصر، لذا حدث خلل، فالجزار مثلًا يذبح الإناث فقط، ونحن نحتاج لسن تشريعات جديدة وبناء أسواق جديدة على نظام حديث، بحيث تباع المواشي بالميزان فقط مثل الأسواق في الخارج، ومواشي التسمين لها سعر والحليب لها سعر، والإنتاج الحيواني في مصر يعتمد على الفلاح الذي لا حول له ولا قوة، فالعلف غال الثمن بحيث وصل سعر الطن لـ6 آلاف جنيه، فمن أين يأتي المكسب؟، فالإنتاج الحيواني أصبح مصدر خسارة للفلاح وليس مصدر مكسب.

ويمكن زيادة الإنتاج الحيواني عن طريق بناء مزارع كبيرة تعتمد على العلف المركز مثل الذرة الأصفر أو التبن، وهي تساعد في تنمية الثروة الحيوانية، ولكن فكرة أن ننتج كيلو لحم بنفس سعر كيلو اللحم الموجود في دول المراعي كالبرازيل والأرجنتين فهذا صعب.

هل مشروعات تنمية الرقعة الزراعية في مصر مثل المليون ونصف فدان، تكفي لتلبية احتياجات المواطنين؟

هي وجهات نظر، فأنا كتبت في عام 1986 كتبت في مجلة المنار بباريس عن الفجوة الغذائية في مصر إلى أين، وتوصلت إلى أننا لا نمتلك المياه التي تساعدنا في عملية الإنتاج الزراعي، فبالتالي كان الحل كخطوة سريعة هو الحصول على 2 مليون فدان من السودان ومليون من العراق ونقوم بزراعتهم بنظام المشاركة أو غيرها من النظم، فبالتالي نوفر لأنفسنا المياه والإنتاج، ولكن في المشروعات الجديدة لا يوجد ظهور للفلاح أو من يقوم بالزراعة، وهل هناك كوادر للإدارة لمثل تلك المشروعات، وإن منحتها لشباب الخريجين، فهو غير مؤهل لعملية الزراعة لأنها علم، لذا يجب أن تصاحب تلك المشروعات خطوات أخرى.

روشتة للنهوض بالاقتصاد الزراعي في مصر

محور النهوض بالقطاع الزراعي هو بنك التنمية وعملية التمويل، فلابد من مراجعة منظومة التمويل في مصر، بحيث تكون منظومة خدمية لخدمة الفلاح وليس استغلاله، والعامل الثاني يكمن في توفير الآلة الزراعية سواء بإقامة مصانع أو باستيراد الآلة الزراعية، فمثلًا لو وفرنا مكابس بأسعار مناسبة سنقضي على أزمة حرق قش الأرز، من ناحية أخرى لابد من تحديث الآلات الزراعية المستخدمة حاليًا في مصر، لأن كل الآلات الموجودة في مصر تعتبر عبئا على الاقتصاد المصري، فإما أن نقوم ببناء مصنع لإنشاء تلك الآلات أو نستوردها دون جمارك.

ومن ناحية أخرى فإن الآلات الحديثة تمنع أزمة موجودة بمصر وهي “التطبيل”، وتعني أن كل كل الجرارات في مصر لا تصل سوى لعمق 20 سنتيمتر، وبعد ذلك تكون هناك طبقة صماء، تمنع تصريف المياه لأسفل وترفع نسبة الملوحة في التربة، لذا فنحن في حاجة إلى جرارات كبيرة وعملاقة للوصول لعمق أكبر.

ولابد من إعادة النظر في عملية الإنتاج الحيواني ككل وفي منظومة المبيدات والتقاوي المغشوشة التي تؤدي إلى عدم وجود إنتاج، كل تلك الأمور يجب أن تؤخذ بصورة جدية مع وجود إنتاج صناعي، فمثلًا في بعض الأوقات يكون سعر الطماطم متدن جدًا، فلو هناك إنتاج صناعي فهذا يعني أنه سيتم تصنيع صلصة أو بذور أو عصير وهذا مكسب أكبر، فلابد من هيكلة القطاع الزراعي بما يتناسب مع العصر وبمفهوم أوسع مما نحن فيه.

هل تعتمد عملية التطوير بصورة أساسية على الدولة أم على الفلاح؟

لابد من الاعتماد على الدولة في بعض الأمور وعلى الفلاح في بعض الأمور، ولكن تحميل كل الأمور لطرف واحد فهذا ليس منطق، وعلى سبيل المثال لابد أن تكون منظومة التسويق في صالح الفلاح، فأنا أريد أن أعطي محصولي لشخص يقوم بتسويقه لكي أزرع ما وراءه، ولكن في بعض الأحيان بعد حصاد المحصول يرفضون تسلمه، كما حدث في عملية القمح، فالحكومة تتحمل مسؤوليتها والفرد يتحمل مسؤوليته، بحيث تكون هناك شفافية.

الوسوم