صور وفيديو| أهالي “الغلبوني” يعيشون فوق ثروة تهدد حياتهم

بيوت وعشش صغيرة من صفيح متراصة بجوار بعضها البعض، وحواري ضيقة مكتظة بالقمامة والروائح الكريهة والحيوانات الضالة والزواحف الخطرة، محاطة من كل اتجاه بمستنقعات تنتهى بوجود السراديب والكنوز الأثرية والمقابر الرومانية التي تخفي في باطن الأرض مدينة أسفلها مدينة، ومواطنون ينتظرون الموت في أي لحظة بسبب الانهيارات المستمرة جراء الهبوطات الأرضية المتكررة ولا أحد ينظر لهم من المسؤولين.

الغلبوني

حي الغلبوني الكائن بمنطقة القباري غربي محافظة الاسكندرية هي منطقة أثرية من الدرجة الأولى ومن أقدم الأحياء الموجودة بالثغر، وكان يطلق عليها “نيكرو بوليس” أي مدينة الموتى، حيث يرجع تاريخها إلى نحو 1700 عام، وتعتبر من بقايا مدينة الثغر القديمة، وهي عبارة عن منطقة صخرية جبلية، هكذا شرح الدكتور محمد عبدالنبي، أستاذ الاثار بجامعة الإسكندرية، طبيعة المنطقة.

ويسرد عبدالنبي أن منطقة  الغلبوني تحوي في باطن أرضها علي الجبانة الغربية بالإسكندرية القديمة والتي ترجع للعصور الرومانية، مؤكدا أن المقابر عبارة عن “أرفف” متراصة بعضها فوق بعض ويوضع في كل رف جثة وهي مصممة على الطراز الروماني الشعبي.

ويضيف “الأصل في تسمية هذه المنطقة بالقباري لأنها  كانت منطقة مقابر في العصر الروماني وكانت أيضا  منطقة شعبية لديهم والدليل على ذلك الحجم الصغير للمقابر”.

تحت خط الفقر

“لم يشعر بنا أحد، نموت ويموت جيراننا كل يوم بسبب الهبوط الأرضي اللي بتسببه المقابر والسراديب الأثرية، وبتنهار منازلنا وذهبنا للمسؤولين آلاف المرات لكن دون جدوى، وكل مرة يوعدونا بإنهم هيوفروا لينا مساكن جديدة ولكن كله كذب في كذب ودعاية وشو إعلامي”.. هكذا وصف حمادة عيسي، أحد سكان حي الغلبونى، حاله.

ويقول عيسي “نعيش تحت خط الفقر بكثير نسكن في عشش صفيح لا ترقى حتى بالحيوانات أن يعيشوا فيها، لا نملك شباك واحد داخل منازلنا لكي يدخل لنا الشمس والهواء ما يجعلنا نموت في الصيف من شدة الحر ونموت في الشتاء من شدة البرد والأمطار التي تغرق عششنا وتسبب في مرضنا ومرض أطفالنا”.

ويضيف  أن جميع سكان عشش الغلبوني يعيشون تحت خط الفقر ويعملون علي باب الله كلهم “أرزقية”، وإن لم يعملوا يوما فلن يجدوا قوت أولادهم وأسرهم بل “يصل بهم الأمر إذا لم يجدوا مالا أن يأكلوا من القمامة مثل القطط والكلاب”.

الموت حيا

فيما يقول محمد فوزي، أحد السكان، إن منازلهم كالقبور لا يدخلها النور وأرضها من تراب وجدرانها من صفيح بلا أسقف، ويتابع “كل هذا والمسؤولين لم ينظروا لنا بعين الرحمة والرأفة ولم يهتموا بنا ويعاملونا وكأننا قطاع طرق وبلطجية يجب أن يموتوا أحياء”.

ويضيف “حينما نستيقظ من نومنا ننطق الشهادتين لأننا مازلنا على قيد الحياة بسبب انهيار المنازل بشكل يومي بسبب الهبوط الأرضي الذي يحدث من جراء وجود الكنوز والسراديب والجبانات الأثرية الموجودة في باطن أرض حي الغلبوني”.

ويوافقه في الرأي خميس أبوالحسن، أحد السكان، ويضيف أن “منذ فترة صغيرة انهارت نحو 15 عشة لجيراننا وأصبحوا لا يملكون سقفا يحميهم من الشارع، وهم الآن يجلسون بجوار عششهم المهدمة”، مؤكدا أن مسؤولي المحافظة أخبروهم “لا يمكن أن نتحرك وننقلكم لمساكن بديلة إلا لو سقط ضحايا”.

ويقول أبوالحسن إنه يخشى الذهاب إلى عمله في بيع الخضار بسوق المفروزة المجاور له خشية سقوط العشة الحجرية على أولاده وزوجته.

ويؤكد منصور حسن، عامل، أحد السكان، أن الثعابين والعقارب والفئران تخرج عليهم ليلا من الحفر والمستنقعات وتدخل إلى العشش ما جعل أولادهم في خطر، مؤكدا أن أطفاله الثلاثة تعرضوا للعض من الفئران… نجل جاري صاحب الـ11 عاما توفي منذ عامين بسبب لذغة ثعبان”.

اكتشافات

أما رامي صادق، الباحث الأثري بهيئة الآثار بالإسكندرية، يؤكد أن منطقة الغلبوني “دائما تشهد اكتشافات أثرية رومانية عظيمة لا تقدر بمال، حيث تم اكتشاف جبانة كبيرة مكونة من 5 طوابق أو صفوف فوق بعضها البعض من المقابر الرومانية ووجدنا بقايا رفات جثث الرومان بشكل كبير”.

“لابد من إخلاء المنطقة من السكان حتى نتمكن من إخراج كافة الكنوز الموجودة في باطن الأرض وأسفل العشش التي يعيش فيها المواطنون، حيث إن الآثار الموجودة خاصة بالعصر اليوناني ولابد من إخراجها لوضعها في المتاحف والاستفادة منها بشكل كبير”، هكذا يقول سمير صبحي، الباحث الأثري بوزارة الآثار بالإسكندرية.

ويؤكد سمير أن منطقة القباري تحوي كنوزا عظيمة جدا حيث “اكتشفنا في عام 1995 أسفل منطقة كوبري القباري مقبرة المفروزة”، مؤكدا أن على المسؤولين بالمحافظة توفير مساكن بديلة للأهالي الفقراء في هذه المنطقة لكى يتمكنوا من حماية باقي الآثار الموجودة بباطن الأرض.

هوس التنقيب

الدكتور محمد عبدالحميد، مدير منطقة آثار الإسكندرية المصرية، يقول “إننا نحاول جاهدين ضم منطقة الغلبوني إلى وزارة الآثار، ولكن هناك عوائق كثيرة منها مشكلة تهجير سكان المنطقة والتي يجب أن تقوم بها المحافظة والحي والموضوع منظور أمامهم للبحث”.

وعن هوس التنقيب عن الآثار في هذه المنطقة يرجع عبدالحميد الأسباب إلى سهولة الحفر لكونها منطقة صخرية جبلية، ويضيف أن “هناك بعض الأهالي يقومون بالتنقيب والحفر داخل منازلهم وبالفعل أخرجوا كميات من الآثار لا تقدر بثمن”.

ويؤكد عبدالحميد أن الهيئة تتلقى شهريا نحو 10 بلاغات بالتنقيب عن الآثار داخل الجبانة الرومانية التي تقع بالمنطقة، مؤكدا “هناك حملات بشكل مستمر تنظمها الآثار والشرطة لتوعية الأهالي بقيمة تلك الآثار”.

فيما يقول علي ممتاز، الخبير الجيولوجي بجامعة الإسكندرية، أن تلك المنطقة لا تصلح للسكن نهائيا وتعرض حياة المواطنين للخطر بسبب انهيار المنازل بسبب الهبوط الأرضي المتكرر الذي يتسبب في ضياع أرواح ليس لها ذنب سوى أنها فقيرة لا تملك ثمن سكن بديل، مضيفا “يجب على المحافظة توفير سكن مناسب للأهالي لإنقاذ حياتهم هم وأولادهم”.

رد مسؤول

العميد محمد أبوشبانة، رئيس حي غرب الإسكندرية، يؤكد “بالفعل يتم حاليا بحث نقل سكان منطقة الغلبوني إلى مساكن بديلة لحماية الآثار الموجودة بالمنطقة… الحي والمحافظة قاما بإخلاء بلوك 2 مدخل 2 الغلبوني وتم تسكين سكانه في 10 شقق بمساكن زاوية عبدالقادر لأنهم كانوا مهددين بانهيار منازلهم بسبب السراديب الأثرية”.

ويلفت شبانه إلى أنه يجري الآن شن حملات مشتركة مع هيئة الآثار والشرطة على المنطقة لرصد حالتها والتجهيز لنقل الأهالي لمساكن بديلة حماية لأرواحهم.

الوسوم