مصانع “بير السلم” وراء انتشار الأدوية المقلدة بالإسكندرية.. وصيادلة يحذرون من خطورتها

انتشرت في الآونة الأخيرة بالإسكندرية أدوية مغشوشة ومقلدة بشكل كبير، بحسب صيادلة ومواطنين، حيث أصبحت تباع في الشوارع على الأرصفة بأسعار زهيدة، مما جعل المواطنون يتهافتون على شرائها عوضا عن الصيدليات التي ارتفعت فيها أسعار الدواء، في الوقت الذي حذر فيه صيادلة من خطورة هذه الأدوية التي يتم إنتاجها في مصانع “بير السلم”.

معدومو الضمير

“أصبحت الأدوية المغشوشة والمقلدة عن ماركات أدوية مستوردة ومحلية غالية الثمن متوافرة بشكل كبير في الإسكندرية حيث أصبحت تباع على الأرصفة في الأماكن الشعبية مثل محطة مصر وميدان الساعة والمنشية، التي يتردد عليها البسطاء الذين لا يعرفون كم الضرر الذي سيلحق بهم من جراء شراء تلك الأدوية، وكل ذلك بسبب معدومي الضمير من أصحاب مصانع بير السلم لصناعة الدواء” هكذا يصف الدكتور محمد يسري، مالك صيدلية، الوضع.

ويضيف يسري أن عدم الرقابة من المسؤولين على التأكد من التراخيص الخاصة بمصانع الأدوية والتفتيش الدقيق على مصانع بئر السلم جعل الأمر سهلا لدى محبي المكسب السريع، مؤكدا أن غش وتقليد الأدوية أصبح أمرا لا أزمة فيه بسبب استبدال المواد الفعالة والمركبات بالماء والطابشور والصودا والمواد الكيماوية الخطيرة.

المتاجرة بأوجاع الناس

ويؤكد الدكتور طارق زياد، صيدلي بالإسكندرية، أن تجار الأدوية المغشوشة يقومون بالإتجار في “أوجاع البشر” غير القادرين على شراء الأدوية بأسعارها المرتفعة من داخل الصيدليات المضمونة، مشيرا إلى أنهم يلجؤون إلى شراء المقلد من على الأرصفة دون معرفتهم بأنها فاسدة ومقلدة ولا تمت للدواء الأصلي بصلة.

ويضيف زياد أن الأمر لم يقتصر فقط على بيع تلك الأدوية الخطيرة على الأرصفة بل وصل الأمر إلى أن هناك أصحاب صيدليات يقومون بشرائها من التجار معدومي الضمير بأسعار زهيدة ويقومون بتقليد العلبة الأصلية للدواء غالي الثمن ويبيعونها للمواطنين على أنها الأصلية، مما يتسبب في حالات وفيات تجاه تناول تلك العقاقير دون معرفة أن السبب يرجع لهذا الدواء المقلد.

ومن جانبها أصدرت الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة بوزارة الصحة المصرية في يوم 6 من الشهر الحالي تقريرا حول صناعة الأدوية في مصر، يحذر من انتشار الأدوية المغشوشة بالأسواق المصرية وتأثيرها علي صحة الإنسان.

وقال التقرير إنه يتم إعادة تدوير الأدوية منتهية الصلاحية داخل مصانع “بير السلم” مما يهدد صحة المواطنين.

وأشار التقرير إلى أن عقار “الترامادول” وعقار “الألبومين” من أكثر الأدوية التي يتم إنتاجها في مصانع “بير السلم”، من خلال لصق تاريخ إنتاج وصلاحية جديدين على الأغلفة وإعادة بيعها للمواطنين بأسعار زهيدة.

انعدام الرقابة

أما الدكتور سعيد عمران، أستاذ الكيمياء الحيوية بكلية الصيدلة بالإسكندرية، فيشير إلى أن أسباب انتشار الأدوية المغشوشة والمقلدة تعود إلى انعدام الرقابة من قبل المسؤولين في الصحة والتفتيش الصيدلي والتموين، فضلا عن دور جهاز الشرطة في التصدي للمخالفين والفاسدين.

ويشير “عمران” إلى كارثة حقيقة بسبب انتشار تلك الأدوية التي تهدد صحة المواطنين الغلابة الذين يلجؤون لشرائها لرخص سعرها، مؤكدا أن في مصر نحو 2000 نوع من الدواء المغشوش يتم تصنيعه في مصانع “بير السلم” التي تعمل ولا تجد من يحاسبها.

ويشير عمران إلى أن الأدوية المغشوشة لا تحمل على عبواتها العلامة الأصلية للشركات الكبيرة المنتجة، وعلى المواطنين أن ينتبهوا لرقم تشغيل الدواء المدون على العبوة والعلامة الأصلية.

الموت المفاجئ

ويؤكد الدكتور أحمد سعد الله، استشاري أمراض الباطنة، أن الأدوية المغشوشة قد تؤدي للوفاة لمن يتناولها أو تأتي بنتائج عكسية للمرض الموصوف لها، بل من الممكن أيضا أن تضاعف الآثار الناتجة عن المرض، مشيرا إلى أنه على وزارة الصحة أن تسحب كل الأدوية التي تباع على الأرصفة وفي الصيدليات غير المرخصة لحماية الأرواح من الخطر الذي يداهمهم.

وينص قانون وزارة الصحة رقم 48 لسنة 41 المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994، مادة رقم  2 على أن “كل من غش أو شرع في أن يغش شيئا من أغذية الإنسان أو الحيوان أو من العقاقير أو النباتات الطبية أو الأدوية أو من الحاصلات الزراعية أو المنتجات الطبيعية أو من المنتجات الصناعية، وكذلك كل من طرح أو عرض للبيع أو باع شيئا من هذه الأغذية أو العقاقير أو النباتات الطبية أو الأدوية أو الحاصلات أو منتجات مغشوشة كانت أو فاسدة أو انتهى تاريخ صلاحيتها مع علمه بذلك “.

كما أشار القانون أيضا إلى أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز أربعين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة.

ردود المسؤولين

يقول اللواء شريف عبد الحميد، مدير المباحث الجنائية بالإسكندرية، إن قسم مباحث التموين يعمل على قدم وساق من أجل ضبط المخالفين من أصحاب مصانع بير السلم والصيدليات التي تبيع الأدوية الفاسدة للمواطنين بغرض تحقيق مكاسب، مؤكدا أن هناك حملات مستمرة لض

بط الأدوية التي تباع على الأرصفة وغير مطابقة للمواصفات وفاسدة.

ويؤكد عبد الحميد أنه في يوم 12 أغسطس الحالي تم ضبط المدعو السعيد عبد العزيز إبراهيم بركات، 69 عاما، صيدلي، يقوم بتصنيع وتعبئة الأدوية “بدون ترخيص” مستخدما مياه الصنبور العادية بعد تمريرها على فلاتر غير صالحه للاستخدام.

وأوضح أنه تم ضبط  60 ألف عبوة مياه خاصة بتحضير وإذابة الأدوية الجافة  غير مطابقة للمواصفات، وكذا 1000 كرتونة خاصة بعبوات مياه، و 10 رول خاص بتعبئة المياه، وفلتر مياه منزلي، وتمت مصادرة المضبوطات وتشميع المصنع المتواجد بأحد المباني بمنطقة العجمي غربي الإسكندرية تحت مسمي مصنع “إليكس فارما” الشهيرة وأحيل للنيابة للتحقيق معه وأخطرت نقابة الصيادلة بالواقعة.

تغليظ العقوبات

ويرى المستشار علي عباس، القاضي بمجلس الدولة بالإسكندرية، أن لابد من تغليظ العقوبات عليى أصحاب مصانع بير السلم، الذين يتم ضبطهم حتى يكونون عبرة لغيرهم ممن تسول له نفسه المتاجرة بآلام البشر وأوجاعهم، مؤكدا أن الصيادلة والأطباء الذين يبيعون ضمائرهم ويثبت أنهم يقومون ببيع تلك الأدوية لتحقيق مكاسب مادية لابد من محاكمتهم وشطبهم من نقابتهم عقابا لهم على مخالفة شرف المهنة.

ويؤكد القاضي بمجلس الدولة بالإسكندرية أن التعديلات التي قامت بها وزارة الصحة على القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلية، جيدة إلى حد ما وتتطلب التطبيق السريع للتصدي للكارثة.

ويشير عباس إلى أن العقوبة المقترحة لمحاربة غش الأدوية والمستحضرات الصيدلية والمستلزمات الطبية تتمثل في السجن مدة لا تقل عن 3 سنوات وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه أو أي عقوبة أشد ينص عليها أي قانون آخر إذا لم يترتب على ذلك أي ضرر على صحة الإنسان أو الحيوان، موضحا أن هذا القانون اختلف عن القانون القديم المعمول به حاليا حيث غلظ العقوبة إلى حد ما، ونص على أن تكون مدة العقوبة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد عن 10 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه، إذا نتج عنها أي ضرر للإنسان أو الحيوان، وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة إذا ترتب عن الغش إصابة الإنسان بعاهة مستديمة أو الوفاة مع مصادرة المضبوطات.

 

الوسوم