“فنار الإسكندرية” من مزار سياحي إلى “خرابة”.. وباحث: غير مدرج بجدول الآثار

فنار الإسكندرية أو فنار المكس أو منارة الإسكندرية، جميعها مسميات لواحد من أهم الآثار المتميزة الموجودة بمحافظة الثغر، ورغم الأهمية التاريخية والسياحية للفنار إلا أنه تعرض للإهمال في السنوات الماضية، خاصة بعد إغلاقه بالجنازير الحديدية، منعا لوصول أحد إليه، ليصبح في المقابل مرتعا للكلاب الضالة، ما جعل السياحة تنعدم حوله بعد أن كان مقصدا مميزا للسائحين.

الخلفية التاريخية

يقع فنار الإسكندرية القديم، أو كما كان يطلق عليه “منارة الاسكندرية” بمنطقة المكس غربي محافظة الإسكندرية، ويربط بين الحد الشرقي والغربي لسور فنار المكس القديم، الذي يعد من عجائب الدنيا السبع،

وتم إُنشاؤه عام 280 ق. م في عصر “بطليموس الثاني” وقام ببنائه المعماري الإغريقي “سوستراتوس” وكان يبلغ طوله مائةً وعشرين مترا، بينما يصل ارتفاعه إلى حوالي 230 ذراعا، بحسب الدكتور محمد عبد النبي، أستاذ الآثار اليونانية بجامعة الإسكندرية.

ويشرح عبد النبي حقيقة الالتباس الذي يحدث لدى السائحين والزوار بين فنار المكس الحالي و فنار الإسكندرية القديم أو منارة الاسكندرية، قائلا أن الفنار القديم هو الموقع المقام على أنقاضه قلعة قايتباي بمنطقة بحري حاليا، مرجعا تاريخ نشأة الفنار القديم إلى عهد البطالمة، أما بالنسبة لفنار المكس الحالي فقد تم إنشاؤه في عهد أسرة محمد علي باشا في العصر الحديث، لكي يكون بديلا عن الفنار القديم الغارق، مؤكدا أنه يعتبر من أهم رموز الإسكندرية الأثرية العظيمة.

موعد مع الإهمال

“سنوات طويلة من الإهمال يعاني منها الفنار ولا أحد ينظر إليه أو إلى التاريخ العظيم الذي ينتمى إليه، حيث أصبحت جدرانه مهملة ومتآكلة الأجزاء، كما تعرضت للحطام بسبب ملوحة البحر والرطوبة الزائدة التي تحاوطه بسبب تواجده داخل مياه البحر، هكذا يشرح خالد سعد، الباحث في الآثار بجامعة الإسكندرية وضع الفنار الآن.

ويضيف سعد أن الاهمال في بلادنا أسلوب طبيعي، خاصة في التعامل مع الآثار والتاريخ، فلا أحد يدرج أهمية هذا المعلم الأثري، مؤكدا أن الكارثة الكبرى هي أن معالم الفنار الرئيسية، التي كانت موجود منذ إنشائه، اختفت تماما وتمت سرقتها.

ويضيف الباحث الأثري أن الفنار كان يتميز بقبّة نحاسية تزن نحو نصف طن، لا تقدر قيمتها بثمن، ولكنها سرقت ولم يحرك أحد ساكنا حال سرقتها أو محاولة إعادتها مجددا، مؤكدا أن الأسلاك والقبة النحاسية التي كانت تضيء الفنار ليلا تمت سرقتهم بالكامل، وأيضا لم يتحرك أحدا.

البحث عن مستثمر

أما كريم صبحي، الباحث الأثري بوزارة الآثار، فيقول إننا نحاول جاهدين الحفاظ على ما تبقى من الآثار في بلدنا، لكن للأسف الإهمال طال كل شيء حتى الآثار التي من المفترض أن تستغلها لكي تدر علينا دخلا كبيرا، مؤكدا أنه عقب ثورة 25 يناير الماضية والفنار الإسكندرية، أحد عجائب الدنيا السبعة، يشهد إهمالا غير مسبوق.

ويؤكد صبحي أن المحافظة ووزارة السياحة والمجلس الأعلى للآثار- آنذاك – لم تكن ميزانيتهم تسمح بتجديد الفنار، فقاموا بالبحث عن رجل أعمال أو مستثمر عربي يقوم بإنشاء كوبري الفنار المنهار، وإعادة ترميمه، وطالبت المحافظة رجال الأعمال السكندريين بالتبرع لإعادة ترميم الفنار ووضعت شعارا “تبرعوا من أجل إنقاذ الفنار إحياءا للآثار” وإلى الآن لم يتبرع أحد.

ويلفت صبحي إلى أنه عقب ذلك قامت القوات المسلحة بتطوير الفنار وإصلاح الكوبري المنهار، ولكن باقي الفنار ما زال مهملا وتعاني أجزاؤه من السقوط بسبب ملوحة البحر الشديدة التي تسببت في تلفه.

مرتعا للكلاب

يقول محمد يوسف، أحد الصيادين المقيمين بجوار الفنار، إنه للأسف بعد سنوات من الإهمال لهذا المكان الرائع الخلاب، تحول المكان الأثري إلى مرتعا للكلاب الضالة المفترسة، التي أصبحت تعيش فيه وترهب أي زائر يقترب منه، حيث إن الفنار تحول لمنطقة مهجورة يخاف السائحين زيارتها.

ويوافقه في الرأي أحمد منصور، أحد الصيادين، مضيفا أن الأمر لم يقتصر فقط على تواجد الكلاب الضالة بل زاد سوء، حيث تحول المكان إلى مقلب قمامة ومخلفات مراكب الصيد والسفن، مؤكدا أنه رغم وجود البحر ورائحة اليود الجميلة إلا أن رائحة القمامة والنفايات اختلطت برائحة البحر و تحولت إلى روائح كريهة.

حرق المخلفات

علي سعيد، صياد بالمنطقة، يقول إن الإهمال جعل كل المكان مهملا، حيث أصبح الصيادين والعمال يقومون بالتخلص من نفاياتهم بالحرق بالبنزين والجاز على رمال شاطئ البحر أمام الفنار، مما يجعل النيران المتصاعدة قوية جدا وتسبب سحابة سوداء على المكان، وتتسبب في تلوث البيئة، ما يجعلنا نستنشق تلك الأدخنة الكريهة.

مغلق حتى إشعار آخر

ويؤكد  محمد هريدي، عامل بفنار الإسكندرية، أن المسؤولين أغلقوا الفنار منذ نحو 3 سنوات وأصبح مغلقا تماما بل وضعت عليه الجنازير الحديدية في منتصف الكوبري الذي يوصل إلى مدخل الفنار، وذلك حتى لا يتمكن الصيادون ومحبو الصيد والسائحين من الدخول للفنار لمشاهدته أو الصيد منه، مما جعله مثل أي مبنى قديم لا قيمة له ولا استفادة منه.

ويضيف هريدي أن الفنار كان مزارا سياحيا يتوافد عليه الآلاف من السائحين من مختلف البلاد، فضلا عن كونه من أهم المواقع الجمالية التي كانت تجذب رموز الفن للتصوير فيه مثل فيلم “زوجتي والكلب” و”المرأة والساطور” وتصوير أغنية “حضن الغريب” للفنان تامر حسني، لما يحتله الفنار من أهمية عالية كونه من الآثار الهامة الموجودة بالثغر.

ويوضح أن الفنار كان مصدر رزق للآلاف من العاملين به فضلا، عن سكان المنطقة والمطاعم الموجودة حوله، حيث أصبح الآن مكانا خاويا لا رزق لأحد فيه، مؤكدا أنهم أرسلوا مئات الشكاوى لحي غرب والمحافظة من أجل إعادة فتحه وتطويره ولكن لم يستجب لنا أحد وتعاملوا مع الفنار على أنه عقار منهار صدر له قرار إزالة.

مفاجأة

أما محمد متولي، مدير الآثار الإسلامية بالإسكندرية، فيؤكد أهمية وعظمة ومكانة فنار الإسكندرية، الذي يعد من أهم المعالم السياحية الموجودة بالثغر، مشيرا إلى أنه رغم كل ذلك فإن فنار الإسكندرية غير مسجل ضمن جدول الآثار بالمحافظة ولا يعد من الآثار.

ويشير متولي إلى أن محافظة الإسكندرية خاطبت مسبقا الآثار من أجل تطويره وإعادته للحياة، ولكن كان الرد الحاسم بأن هذا المبنى غير مسجل، موضحا أنه على إثر ذلك تم إلغاء خطة التطوير التي كانت معدة من أجل فنار بالتكلفة المالية.

ويلفت إلي أن هيئة الآثار الإسلامية ستشكل لجنة لبحث أهمية الأثر وإمكانية إدراجه ضمن الآثار الإسلامية.

محمود بهاء، الباحث الأثري في التاريخ اليوناني بالإسكندرية، يؤكد أن فنار الإسكندرية أثري، لأنه بني نسبة للفنار القديم، وأصبحت الإسكندرية مالكة لفنار واحد هو الحالي، حيث مر على إنشائه أكثر من مائة وخمسين عاما، ولكن الدولة تتهرب منه حتى لا تتحمل تكلفة تطويره التي تبلغ نحو 300 مليون جنيه وتنفي أنه أثري.

ويوضح “بهاء” أن شروط تسجيل المباني الأثرية محددة ومعروفة، وهي أن يكون قد مر عليه فترة زمنية تزيد على الـ100 عام، وشهد حدثا تاريخيا مهما أو موقعة حربية، أو يكون قد عاشت فيه شخصية تاريخية مهمة، أو به عناصر فنية عالية، أو كونه مبنى نادرا لا وجود لمثله في التصميم.

ويلفت بهاء إلى أن فنار المكس أنشأ في عهد أسرة محمد علي، والغريب أنه من نفس موطن أسرة البطالمة والإسكندر الأكبر الذي بني الفنار القديم، مؤكدا أن الفنار عاصر كل الملوك وشهد فعاليات خروج الملك فاروق من مصر والخديوي إسماعيل وتوفيق وعباس حلمى الثاني ودخول الإنجليز إلى البلاد، متسائلا: كل ذلك وليس له شواهد تاريخية على أثريته؟

 

 

الوسوم