سلسلة عاشت الأسامي| “بئر مسعود” في الإسكندرية.. هنا يبوح الناس بـ”الأماني”

سلسلة عاشت الأسامي| “بئر مسعود” في الإسكندرية.. هنا يبوح الناس بـ”الأماني”

فتيات صغيرات ونساء وأطفال وشيوخ وشباب، يقبلون قطع نقود معدنية ويلقونها في بئر بعد أن يخبرونها بأسرارهم، وقد يلقي أحدهم نفسه فيها، باعتقاد أن أمانيهم ستحقق بتلك الطريقة.

 “بئر مسعود” التي يأتي إليها الناس من مختلف الجهات، تقع في سيدي بشر شرقي الإسكندرية، وهي بئر محاطة بصخريات، وترتبط بالبحر المتوسط عبر قناة مائية.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 بئر الأماني

وتعد “بئر مسعود” أو “بئر الاماني” كما يطلق عليه أهل الإسكندرية، أحد المعالم الأثرية المهمة، الموجودة بالثغر منذ عقود طويلة، وهو عبارة عن بئر عميق ترتبط بقناة مائية مع البحر طولها نحو ثلاثة أمتار،تنخفض عن فوهة البئر بنحو 5 أمتار تقريبا في أعلى ربوة صخرية.

 وتتكون من البئر من كتل من الأحجار الجيرية البارزة داخل البحر، يتخللها الماء وينبثق منها خلال الثقوب والشقوق الطولية الصناعية التي صنعت من أجل توصيل مياه البحر إليه.

بئر أثرية

منطقة بئر مسعود هي إحدى المناطق الأثرية المهمة في محافظة الإسكندرية، وتعود للعصر اليوناني الروماني، وهناك الكثير من الدراسات الأثرية لعلماء يونانيين ومصريين، تداولت قصصًا كثيرًا عن مرجعية وأصل وجود هذه البئر، الذي يعد قطعة جمالية وسياحية، بحسب ممدوح علي، الباحث الأثري بكلية آداب الإسكندرية.

 مقبرة قديمة

الدكتور محمد مصطفى، مدير إدارة الآثار الغارقة بالإسكندرية، يقول إن بئر مسعود كان قديما عبارة عن مقبرة أثرية يونانية، واكتشفت في ثلاثينيات القرن الماضي، بواسطة العالم الإيطالي “بريتشيا”، وهي عبارة عن بئر للدفن وصالة مربعة بها أدراج متسعة.

 ويوضح مصطفي أن في العصر اليوناني كان اليونانيون ينشؤون مقابرهم قرب البحر، كما أن البئر غير مسجلة ضمن الآثار التابعة إلى وزارة الآثار حتى الآن.

 مصطفي يرجع عدم ضم البئر إلى الآثار إلى أنها أغلقت لمدة عشر سنوات، وتعرضت إلى تهالك شديد بسبب عوامل التعرية والرطوبة الشديدة، موضحًا أنه قبل عقود طويلة كانت البئر تقع على اليابسة، قرب البحر، ثم أغرقتها مياه المتوسط، وبعد فترة انحسرت مياه البحر وأعيد تجديدها.

 افتتاح جديد

في 26 من يوليو المنصرم افتتح المهندس محمد عبد الظاهر، محافظ الاسكندرية، المرحلة الاولي من تطوير بئر مسعود، بعد إغلاقها لمدة وصلت نحو 10 سنوات، بسبب انسداد المجرات المائية الخاصة به وعدم وصول مياه البحر إليها.

 يقول اللواء أحمد حجازي، رئيس الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية، ترجع تسميتها نإلى الشيخ مسعود أحد أولياء الله الصالحين، وكان يعيش في منطقة سيدي بشر منذ أكثر من 100 عاما، وكان دائم التردد على البئر للتأمل والذكر، إلى أن توفى جوار البئر فأطلق عليها اسمه.

 ويضيف حجازي أن منطقة سيدي بشر تعرضت للغرق قديمًا، وأرجع الناس وقتها ذلك إلى غضب الشيخ مسعود، باعتباره صاحب البئر، كما يعتقدون.

 وعن عمليات التطوير التي حدثت للبئر يوضح حجازي أن أعمال التطوير تكلفت نحو مبلغ مليون جنيه، وشملت فتح وتطهير المجرى المائي لصخرة بئر مسعود الشهيرة، بعدما منعت حواجز الأمواج وصول مياه البحر إليها علي مدار سنوات طويلة تسبب في غلقه.

 صاحب البركات

“تعودت علي زيارة بئر مسعود كثيرا، إلى أن أغلق لسنوات طويلة وبعد افتتاحه الشهر الماضي أصبحت أزوره يوميا وأهمس  لعملة معدنية بأمنيتي التي أرغب أن تتحقق ثم ألقيها في المياه بـ”بركات الشيخ مسعود صاحب البئر”، هكذا تشرح إيمان صبحي، أحد سكان حي سيدي بشر ورواد المكان، ما يفعله زوار البئر.

 تقول إيمان إنها تعلم أن هذا البئر مباركة، مرجعه أسباب اعتقادها إلى أنها علمت من أجدادها أن هذه البئر لرجل صالح وولي من أولياء الله الصالحين كان يقيم بمنطقة سيدي بشر، وكان إمام مسجد، ودائم الجلوس عند البئر ليحل مشكلات الناس، ما جعل الناس يطلقون عليه “صاحب البركات”.

 وتوافقها في الرأي سناء عبد الرحيم، إحدى الزائرات، قائلة إن زيارة البئر هي عادة قديمة، توارثوها من الآباء والأجداد، واعتادوا زيارة المكان وإلقاء العملات المعدنية، موضحة انها تؤمن بكرامات “بركات الشيخ مسعود”، بحسب ما تعتقد.

حكايات عن سبب التسمية

الدكتور محمد هريدي، أستاذ التاريخ اليوناني بجامعة الاسكندرية، يقول مع الأسف لا يوجد دليل قاطع علي أسباب تسمية بئر مسعود بهذا الاسم، وأن الشيء الوحيد المؤكد هو أن هذه البئر الأثري يرجع بناءه إلي اليونانيين، وكان يستخدم كمدفن إذ اعتاد اليونانيون دفن موتاهم جوار البحر.

ويضيف هريدي، أن الاساطير والحكايات أحاطت بالبئر، ومنها أن سبب تسميتها أن كان هناك تاجر مخدرات تبحث عنه الشرطة و تهاجمه ثم قفز في البئر محاولا الهرب فغرق، وبعد ذلك عثر على جثته، فأطلق اسمه على البئر.

يتابع أن هناك رواية أخري عن قصة أسم البئر وهي أنه كان هناك طفلا يدعى “مسعود” غرق فيه وبعد عدة أيام ظهر، أما الاسطورة الأخيرة فتقول إن “مسعود” هو أول رجل أتى من صعيد مصر للمنطقة، لهذا أطلق السكان على المنطقة اسم “مسعود” ونسبو البئر إليه.

هريدي يوضح أن كل ذلك مجرد أساطير وخرافات أطلقها السكان والأهالي على البئر ولا يوجد دليل علمي وبحثي عليها سوى مرجعية أصله وتاريخه وبنائه.

القفز القاتل

أما المشهد الاكثر لفتا للانتباه هو قفز الشباب صغار السن من أعلى البئر إلى داخلها، ثم يخرجون إلى  البحر  عبر قناة تربط بينهما، من أجل السباحة وجمع العملات المعدنية التي يلقيها زوار البئر.

جمالات حسنين، من زوار البئر، تقول إنها لم تأت إلى المنطقة منذ سنوات طويلة بعد أن توفى ابنها الأكبر  محمد داخل هذا البئر، عندما كان يقفز مع أصدقائه فيها ليخرجوا إلى  البحر، مضيفة أنها أتت اليوم لترحم على ولدها، الذي كان يعشق هذا المكان.

الوسوم