والأساطير أيضًا تعشق “حابي”.. معتقدات شعبية بطلها “النيل”

والأساطير أيضًا تعشق “حابي”.. معتقدات شعبية بطلها “النيل” نهر النيل- تصوير: أحمد دريم

في عام 1735، سرت شائعة في مصر أن القيامة قد اقتربت، وبعد يومين فقط سيدك الله الأرض دكًا ويجمع الناس ليوم معلوم.

هذه الشائعة التي يرويها الجبرتي في تاريخه تقول إن المصريين في ذلك التاريخ، الذي وافق 1147 هجريًا، هرعوا إلى النهر نساء ورجالا يغتسلون فيه، ربما كان ذلك لجوءًا وهربًا من أهوال القيامة أو طلبًا للتطهر الأخير قبل الرحيل للآخرة، وربما كانت نزوة أخيرة من الدنيا.

لقد عبد المصريون القدماء “حابي” إله النيل، وحابي هو أحد أبناء “حورس”، وحابي أو حعبي تعني السعيد أو جالب السعد، عبده المصريون في الأماكن التي تقترب من النهر أكثر، فهل انتهت علاقة المصريين بالنيل عند هذا الحد؟

ملك لا يُنجَّس

علاقة المصري بالنيل، كما تفسرها المعتقدات الشعبية، تبدأ منذ ولادته حتى الممات، وليس مستغربًا في القرى القريبة من النهر أن يكون “وحم” المرأة الحامل هو طمي النيل.

وليس غريبًا أيضًا أن تلقي المرأة “خلاصها”، عقب الولادة في النهر الجاري، إذا كان لا يعيش لها مولود، وهو طقس شعبي تؤديه إحدى السيدات وهي تبتسم، راجية أن يكون المولود سعيدًا.

إلقاء الخلاص في النهر يتكرر أيضًا مع المواشي، أملًا في إدرار اللبن، إذ يحمل الخلاص طفلين لم يبلغا الحلم، ليلقيا “المشيمة” في النهر أيضَا.

لكن في الحالين هل يفكر الناس أنهم يلوثون نهر النيل؟ كلا إن البحر ملك، هل رأيت ملكًا يُنجس؟ الماء الجاري طهور، هكذا يعتقدون.

عِرق الصِّبا.. عندما ينام البحر

ولأن النيل ملك فهو خير علاج للأطفال المصابين ببثور، وما إن يغتسلوا في ماء النهر، حتى يذهب ذلك عنهم.

وماء النيل ليست شفاءً لبثور الأطفال وحسب، بل يمنح الصحة والقوة الخارقة أيضًا، فالنيل يغفو لحظات في السنة، إذ أدركها محظوظ وشرب منه أو اغترف منه فسوف يصيبه “عِرق الصِّبا”، وهي قوة خارقة تُمنح له مدى الحياة.

هذه اللحظة التي يغفو فيها النيل يُعتقد أنها تكون ليلة القدر في أواخر رمضان، ويعتقد أنها في ليلة غير معلومة من السنة، إلا أن الاعتقادين يتفقان على أنها في ساعة السحر، آخر ساعات الليل قبل بزوغ الفجر “عندما ينام البحر”.

والبحر هو “النيل” كما يطلق عليه، إنهم يدعون النيل بالبحر، إلا إنهم لا ينكرون اسم النهر على النيل أيضًا.

 صورة قديمة لنهر النيل تعود لما قبل 1890
صورة قديمة لنهر النيل تعود لما قبل 1890

ابن منظور، صاحب معجم لسان العرب، أورد عدة شواهد على ارتباط لفظ البحر بالعذوبة، متابعًا “وقد أجمع أهل اللغة أن اليمَّ هو البحر، وجاء في الكتاب العزيز: فَألقيهِ في اليمَّ، قال أهل التفسير هو نيل مصر” انتهى ما قاله ابن منظور، المتوفي 1311 ميلادية.

الغريب أن بعض العلماء قديما، ومنهم الشوكاني (توفي 1834) قالوا إن البحر لا يطلق إلا على نيل مصر، معللين ذلك بقولهم “لتبحره واتساعه”، اتفق المصريون مع علماء اللغة إذن.

والبحر، أو النيل، المشهور عنه أنه “غدار”، فإذا أردت اللهو والسباحة فيه، فلا تقترب من وسط النهر إلا إذا كنت ماهرًا، وإلا غلبك وأخذك إليه، وهنا يقال على غريق النهر “أخذه البحر”.

النقطة المعجزة

قبل بناء السد العالي كان المصريون يتابعون فيضان النيل، وعلى أساس ذلك تُحدد المحاصيل ومواقيتها، وقسمت أشهر السنة القبطية إلى فصول زراعية.

وزيادة الفيضان كان مؤشرًا لسنة تحمل رغد العيش لمصر، وقد ارتبط فيضان النيل بـ”النقطة المعجزة”، تلك التي تنزل  في 17  يونيو من كل عام،  إذ كان يُعتقد أنه في تلك الليلة تسقط نقطة معجزة في النهر، فتتسبب في ارتفاعه، وكان المصريون يحتفلون بـ”ليلة النقطة” أو عيد رئيس الملائكة ميخائيل.

 (ميخائيل في الفكر القبطي هو رئيس الملائكة، وهو نفسه ميكائيل في الفكر الإسلامي)

ويروي الواقدي في كتابه فتوح الشام أن السيدة مريم عندما دخلت البهنسا بمصر هي وابنها وجدا بئرًا وأرادا أن يشربا فوجدا المياه قد غارت فيها.

وبعد عطش شديد، بكى عيسى فحزنت الأم فارتفع الماء من قعر البئر إلى سطحها حتى فاض فشربا، وهي منذ ذلك اليوم ترتفع في أوقات يعرف منها زيادة مياه نهر النيل.

مقياس النيل في الروضة- الفترة بين 1850إلى 1890
مقياس النيل في الروضة- الفترة بين 1850إلى 1890

“فألقيه في اليم”

وعلى الرغم من أن “القرآن” لم يصرح بـ”النيل” في أي من نصوصه، إلا أن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن النيل هو “اليم” الذي ألقي فيه نبي الله موسى، هذا فضلًا عن أن يوم وفاء النيل، كما يذكر بعض المفسرين، هو نفسه “يوم الزينة” الذي التقى فيه فرعون موسى.

وبحسب مفسر بقدر الطبري فإن اسم نبي الله موسى يرتبط  بالنيل أيضًا، إذ يفسر اسمه موسى بقوله “وموسى فيما بلغنا بالقبطية كلمتان”مو”  وهو الماء و”سا” وهو الشجر، ولم يتسن لي معرفة دقة ما ذهب إليه المفسر الكبير، يضيف الطبري: إنما سمى بذلك لأن أمه ألقته في اليم كما أُوحي إليها، وقيل إن اليم هو النيل.

منبع النيل

وعندما نزل العرب مصر أرجعوا سبب ثرائها الى النيل، نلمح ذلك في الكتب التي تحدثت عن فضائل مصر، كما أسهبوا في الكتابة عن منابع النيل،  فذهب بعضهم إلى أنه يأتي من جبل يدعى جبل القمر وآخرون ذهبوا إلى تفسيرات غير ذلك.

ابن كثير في موسوعته “البداية والنهاية” لم يكن ليغفل الكلام عن النيل “وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبُعد مسراه فيما بين مُبتداه إلى مُنتهاه” بحسب قوله، متابعًا: إن أصل النيل من جبال القُمْر، يعني أنها بيضاء، إذن فهم جبال وليست جبل واحد.

لكن ابن خلدون لم يدع نصًا كهذا يمر عليه دون تدقيق، فقد رأى أن عند تلك الجبال حيات عظيمة، تقتل بمجرد النظر، وأشياء غريبة وأناس ليسوا عاديين مستدركًا: وليس خلف ذلك عمران.

المعتقدات الشعبية حول النيل لم تُنتج دفعة واحدة، بطبيعة الحال، بل توارثتها الأجيال تباعًا، فأضاف كل جيل إلى تلك المعتقدات ما يناسب عصره، ومع ذلك فإن تلك المعتقدات قديمة “تحق كحت البحر”، وهو المثل الذي توصف به الأشياء القديمة أو التي نود المبالغة في عمرها، ويَحُق يعني شَاهدَ أو عاصَر، وكَحت أو فَحت يعتي حَفر وأما البحر فهو النيل، ذلك النهر الخالد.


مصادر وأسانيد:

    • عبدالرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج2، 2013، طبعة الهيئة العامة المصرية للكتاب.
    • هشام عبدالعزيز، فولكلور النيل، 2011، ص70 وما بعدها.
    • عمرو عبدالعزيز منير، مصر والنيل بين التاريخ والفولكلور، الفصل الخامس ص265، 2009، مكتبة الدراسات الشعبية.
    • عماد الدين ابن كثير، البداية والنهاية، ج1 ص 58، 1999، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط1.
    • محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج13 تفسير سورة القصص، نسخة PDF دون اسم أو تاريخ إصدار.
    • عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الفصل 60 ص 365 وما بعدها، بيت الأفكار الدولية الأردن، نسخة PDF غير مدون تاريخ الإصدار.
    • عرفة عبده، وصف مصر بالصورة، ص32- 50،  1993، دار الشروق.
    • ابن منظور، معجم لسان العرب، مادة بحر.
الوسوم