هل يدفع المسيحيون فاتورة إخفاقات السياسة؟

هل يدفع المسيحيون فاتورة إخفاقات السياسة؟ سيارات متفحمة بجوار كنيسة مارجرجس في مدينة أسيوط إثر أعمال عنف أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة

سيارات متفحمة بجوار كنيسة مارجرجس في مدينة أسيوط إثر أعمال عنف أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة

تصوير- أحمد دريم:

أسوار كنيسة الشهيد أبوفام الجندى فى مركز طما شمالى سوهاج (حوالى 460 كيلو مترًا جنوب القاهرة)، تخضع لأعمال إحلال وتجديد من وقت لآخر لتصبح أكثر ارتفاعًا وتحصينًا، قد يراها البعض مظاهر قوّة، وقد يراها آخرون تعبيرًا عن الخوف من الماضي والحاضر وخشيةً للمستقبل المجهول.

ترددت فى الولوج لداخل الكنيسة فلم أفعلها من قبل، حتى المناسبات الخاصة بأصدقائي المسيحيين التي تتيح لي فرصة الدخول لهذا العالم المحفوف بالأساطير والمخاوف، تخلّفت عنها كلّها، وآثرت أن يصحبني صديق مسيحي حتى يأمن الناس ف الداخل جانبي فيمدونني بإجابات صريحة عن أسئلة جريئة.

هاتفت أحد أصدقائي المقربين من رجال هذه الكنيسة، ووعدني بعرض الأمر عليهم وإبلاغي بالرد، مضى يوم ولم أتلق إجابة منه، فبادرت بالاتصال به، ما يزال صدى جملته يتردد فى مسامعي، “الأمر شبيه بالعلاقة الزوجية لا يتناولها الناس بالحديث والفحص إلا في أضيق الحدود، آسف يا أحمد رفضوا وطلبوا مني أن أعتذر لك”.

في الثالث من يوليو 2013 أعلن الجيش عزل مرسي، وبث التلفزيون الرسمي للدولة بيانًا ألقاه الفريق أول عبدالفتاح السيسي -وقتها-، ويظهر إلى جواره الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والبابا تواضرس، ويونس مخيون رئيس، حزب النور السلفي، وعدد من القيادات العسكرية.

التيارات الإسلامية الداعمة للإخوان حشدت أنصارها في ميدان رابعة فى القاهرة، وسرت أقاويل غير مؤكدة وصل صداها لقرى الصعيد، بشأن قيام عناصر من الجماعات الإسلامية بالتزوّد بالأسلحة استغلالًا لحالة عدم التوازن الأمني الذي تشهده البلاد، وتمهيدًا للقيام بعمليات انتقامية محتملة.

يقف خالد. م، موظف فى شركة مياه الشرب، (30عامًا) مقيم بإحدى قرى محافظة سوهاج (حوالي 460 كيلومتر جنوب القاهرة)، مع أصدقاء له أمام مسجد رئيسى في القرية، يخبرهم أن سامى. ن، عامل، (44 عامًا) “مسيحي”، اشترى سلاحًا ناريًا، خوفًا من انتقام الإسلاميين، وكنت أنا أحد هؤلاء الأصدقاء، انتابنا شعور بالخوف من القادم، خاصة بعد أن أخبرنا خالد أن الشيخ سامح (جرى اعتقاله 12 عامًا على خلفية هجوم الأقصر فى التسعينيات) توعّد بردّة فعل قويّة سيوجهها الإسلاميّون للجميع.

تعجز الكلمات عن تفسير طبيعة العلاقات الاجتماعية التي ترسم شكل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى قرى الصعيد، يقول حازم، ف، مدرّس، (42 عامًا)، إن سيّدة مسيحية قصدت الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنّة، التي يدير بعضًا من أنشطتها تطوعًا، وطلبت المساعدة، وأنّ طلبها قوبل بالإجابة.

يضيف: انقسمنا بشأن تأييد الإخوان من عدمه، كنت أرى أن نبتعد تمامًا عن السياسة، آخرون رأوا النقيض، وفي مجلّة البيان التى تصدر عن الجمعية الرئيسية، جاءنا الرأي الفصل، نوّهت إدارة الجمعية إلى معاقبة أي عضو يثبت تورطه فى ممارسة أية نشاطات سياسيّة بالفصل.

“ماري فتاة مسيحية لا يتجاوز عمرها 16 عامًا، تقف الآن فى صيدلية لشراء الدواء، يهجم عليها من الخلف شاب مسلم، يتعمد إلصاق جسده بجسدها، صاحب الصيدلية المسلم يشاهد ما يحدث، لكنه لا يحرّك ساكنًا، تنصرف مارى ولا تنبس ببنت شفاه”، هذه الرواية ينفيها تمامًا، عمرو. ع، سائق معدات ثقيلة، (26 عامًا)، تخلل السكون ومحاولة حساب الموقف إجاباته عن أسئلتي، حاولت تطمينه، لكن ارتباكه بعض الشيء أثار بداخلى شكًّا أن تكون هذه الرواية محض اختلاق، ماري قد تكون بطلة لقصة مختلقة لكن أخريات مثلها يتعرضن لانتهاكات جنسيّة بسبب الدين، فى غالبية الأوقات لا يخضع الجناة للمحاسبة القانونية أو حتى اللوم أو التوبيخ.

يجلس علي. ن، طالب، (19 عامًا)، وسط أسرته أمام شاشة التليفزيون فى انتظار معرفة نتيجة استطلاع رؤية شهر رمضان، يصل إلى مسامعه صوت ارتطام الحجارة بباب بيته، يهروّل ناحية النافذة ليلقي نظرة على الشارع من الطابق الثالث، مجموعة من الصبية ترجم بيوت المسيحيين بالحجارة، وتردد عبارات معادية لهم، يتعرض بيت علي “المسلم” للرجم، لأنه ملاصق لبيوت المسيحيين، ولأن الصبية الذين جاؤوا من مناطق بعيدة فى القرية ليحتفلوا بقدوم شهر رمضان -على طريقتهم- لا يعرفون حدودًا فاصلة بين بيوت المسلمين والمسيحيين، يقول علي.

سعيد، صاحب فرش لبيع الكتب، (34 عامًا)، يتنقل بين شوارع وميادين مدينة سوهاج، اسمه الحقيقي “يونان”، يعشق العقّاد، يهتم بكتبه ويغلّفها بأكياس بلاستيكية، ويحرص على وضعها في أماكن متميزة على فرشه، لم يكمل سعيد تعليمه مثلما حدث مع العقّاد، قد يفسر هذا ولعه به، يقول لي إن الصوفيين هم أقرب الطوائف المسلمة للمسيحيين، لأنهم زهّاد يبحثون عن متع روحية مثلما يفعل الرهبان في الأديرة.

يضيف: كنت مدافعًا متحمسًا عن المسلمين، كان أقراني من المسيحيين يتعجبون من حماستي في الدفاع عن المسلمين فى حال قادنا أي نقاش لهذه المنطقة، لكنني توقفت عن هذا منذ فترة، عندما أراني صديق لي ما كُتب داخل أحد المساجد، “أموالهم ونساؤهم غنيمة لنا”.

شيخ أكبر مساجد مدينة سوهاج -طلب عدم ذكر اسمه- ينفي صدق هذه الرواية تمامًا، يؤكّد لى أنها “عبارة يتبادلها المسلمون والمسيحيون على سبيل المزاح”، المساجد الآن صارت أكثر انضباطًا بعد حزمة إجراءات تتبعها الوزارة، لجان تفتيش مفاجئة، وخطوط عريضة لخطبة الجمعة يلتزم بها خطباء الأوقاف، يقول الشيخ.

حسب مواقع إسلامية فإن “أموالهم ونساؤهم غنيمة لنا” هو جزء من حكم أصدره سعد بن معاذ (من صحابة الرسول) على يهود بني قريظة بعد أن نقضوا العهد مع المسلمين وتعاونوا على قتالهم مع الأحزاب التي حاصرت المدينة.

فى 31 ديسمبير 2014 نشر المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي تقريرا عن الانتهاكات التي تعرض لها المسيحيون خلال عام، كان من أبرزها وجود 43 حالة اختطاف في المنيا، ووفقا لما نشره موقع جريدة “الصباح”، في 23 مارس 2014 على لسان رامي كامل، رئيس مؤسسة “شباب ماسبيرو للتنمية وحقوق الإنسان”، تعرّض المسيحيون لـ192 حالة اختطاف في 2013.

يقول القس فيلوبس القمص، سكرتير مطرانية المنيا، إنّه لا يستطيع إلصاق جرائم الخطف التي يتعرض لها المسيحيون، بالفكر الديني المتطرّف، لكنّه يعزوه لحالة الانفلات الأمني التي تغري المجرمين للجوء للحلقة الأضعف اجتماعيًا -يقصد المسيحيين-، ويراهن القمص بقوّة على التعليم، يعتقد أنه السبيل الأمثل لوأد الفتنة، فالتشريعات والقوانين لن تردع أناسًا يرفضون فكرة وجود الآخر بينهم.

“ههههههههههههه، لا طبعًا اللون الأسود لون الوقار وكثير من رجال الدين في الشرق يرتدون اللون الأسود”، يجيبنى القمص عن سؤالي “هل يرتدي رجال الدين المسيحي اللون الأسود حزنًا على دخول الإسلام لمصر؟”.

ويضيف: لا لم ننسحب من الحياة السياسية، والمسيحيون لا يمثلون غالبية الملايين التي أيّدت السيسي، ولا يمكنني القول إن حوادث القتل التي تعرّض لها مصريون مسيحيون في ليبيا هي انتقامًا من تأييدنا للسيسي.

يوافقه في الرأي عبد المنعم الجهيمي، صحفي ليبي، تواصلت معه عبر فيسبوك، ويوضّح أنه بداية من 2012 شهدت مدن ليبية كثيرة ممارسات عنيفة من قبل جماعات إسلامية متطرفة، هدمت شواهد القبور والأضرحة، وتعرّضت بالحرق لدور عبادة مسيحية، وقتلت عددًا من المسيحيين، وأن الهجمات التي يتعرّضون لها تختلف من منطقة لأخرى بحسب الجماعات المسلحة المسيطرة.

تقدمت الكنائس الثلاث “الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية”، بمشروع قانون بناء دور العبادة الموحد، وأرسلته إلى المستشار إبراهيم الهنيدى، وزير العدالة الانتقالية، لإرساله إلى مجلس الدولة ومراجعته، تمهيدًا لتقديمه إلى مجلس النواب فى أولى دورات انعقاده، حسب موقع الوطن في 7 أكتوبر 2014.

يبدو أن البرلمان المقبل يواجه تحديات كبيرة وتاريخية، بداية من المشكلات الاقتصادية والسياسية، ومرورًا بمشكلات اجتماعية لها انعكاساتها الخطيرة على حاضر ومستقبل الوطن، فهل تستجيب المؤسسات الدينية الرسمية لدعوة الرئيس السيسي بإحداث ثورة دينية حقيقية؟

العنف لا يمكن إلصاقه بطرف دون آخر، هناك انتهاكات يقوم بها مسيحيون ضد أقرانهم من المسلمين، لكن عددها وردّة الفعل التي تحدث ضدها لا يمكن مقارنته بتلك التي يتعرضون لها، في مجتمع غالبيته الساحقة، مسلمة، يبدو الأمل والحلّ في تطبيق القانون على الجميع دون أيّة اعتبارات أخرى.

ما لاقيته من تحفظ وخوف وشكوك من مختلف الأطراف التي حاورتها واستقيت منها مادة هذا التحقيق تنبيء بالخطر، وبأننا نخشى مواجهة مشكلاتنا، ونفضل أن نصمت وألّا نذكرها، وهو فعل شبيه بفعل النعامة عندما تستشعر اقتراب مصدر للخطر منها، تدفن رأسها في الرمال.

تنويه: جرى تغيير بيانات المصادر التي شاركت في التحقيق وإخفاء بعضها بناءً على طلبها

الوسوم