هل تكون الغابات الشجرية رئة مصر الجديدة ووسيلة التكيف مع تغير المناخ؟

أقر المجتمعون الممثلون لقرابة 171 دولة، في مؤتمر “الأطراف 21” للتغيرات المناخية، الذي عقد بالعاصمة الفرنسية باريس في ديسمبر من العام الماضي، أن مسؤولية التصدي لتغيّر المناخ هي مسؤولية مشتركة بين الدول، لكنها تتفاوت بحسب قدرات كل دولة واختلاف السياق الوطني لكل واحدة منها. ويراعي الاتفاق مستوى التنمية والاحتياجات الخاصة للبلدان الأضعف.

وتعد مصر من أكثر الدول المتوقع تأثرها بالتغيرات البيئية بوجه عام، وارتفاع منسوب سطح البحر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، بشكل خاص، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي فإن مصر من بين أكثر 5 دول تضررا من تغير المناخ.

وفي محاولة للتكيف مع التأثيرات السلبية لتغير المناخ، أقدمت الحكومة المصرية على عدد من الإجراءات من بين

ها التوسع في إنشاء الغابات الشجرية بعدد من المحافظات، ومن بينها الغابة الشجرية بمدينة جمصة على ساحل البحر المتوسط، وشمالي دلتا النيل، الموضع الأكثر تضررا بارتفاع منسوب سطح البحر.

مساع حكومية

كشف وزير الزراعة السابق صلاح هلال، في يونيو من العام الماضي، عن خطة وزارته الاستراتيجية للتوسع في زراعة الغابات الشجرية باستغلال مياه الصرف الصحي المعالج، على مساحة تصل إلى مليون فدان، بإعادة استغلال 6 مليارات متر مكعب من المياه التي تقدر بـ 10.8% تقريبا من حصة مصر من مياه نهر النيل.

كان أحمد زكي بدر – وزير التنمية المحلية، قد أعلن، في أبريل الماضي، إن الوزارة تنسق مع وزارتي الإسكان والبيئة، لتنفيذ البنية التحتية لغابات شجرية باستغلال مياه الصرف الصحي المعالج، في 8 محافظات هي: المنيا، وسوهاج، وأسيوط، والأقصر، وأسوان، والبحر الأحمر، ومطروح، والوادي الجديد.

ويهدف المشروع – وفق بيان الوزارة – إلى تحقيق عائد اقتصادي وبيئي، يتمثل في تقليل التلوث الناتج عن صرف مياه الصرف الصحي، واستخدام هذه المياه بعد معالجتها في إقامة مزارع الغابات وإنتاج الأخشاب والوقود الحيوي، وحماية القرى السكنية والمزارع بالمناطق الصحراوية من الرياح والرمال.

مخاطر محتملة

يحذّر التقرير التجميعي الرابع المنشور في عام 2007، للهيئة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) ومقرها في جينيف، من الآثار السلبية للتغيرات المناخية على دلتا نهر النيل بمصر، ويطرح التقرير سيناريوهين للمساحات التي ستتعرض للغرق، أولهما أنه في حالة ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط 50 سم فمن المتوقع أن تصل المساحة المعرضة للغرق إلى 1800 كم مربع، وتهجير نحو 4 ملايين نسمة، بينما يتوقع السيناريو الثاني أنه في حالة ارتفاع منسوب مياه البحر مترًا، أن يتم تهجير نحو 8 ملايين نسمة وغرق مساحة تصل إلى 5700 كم مربع.

وطبقا لتقرير نشرته –بالإنجليزية- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD -مقرها في فرنسا- عام 2004، عن التنمية والتغيرات المناخية في مصر، فإن دلتا النيل تتراجع سنويا من 3 – 5  ملليمترات، وأن ارتفاع مستوى سطح البحر لمتر واحد فقط سيدمر المدن كثيفة السكان –في الدلتا- التي يقوم عليها الاقتصاد المصري.

كما يصنف التقرير الصادر عن وزارة الري والموارد المائية المصرية، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP عام 2014، أراضي دلتا النيل على أنها “شديدة الحساسية للتغيرات المناخية”.

ويؤيد تقرير حالة البيئة في مصر، الصادر عن وزارة البيئة المصرية عام 2015، ما ذهبت إليه الدراسات السابقة، ويقول: إن ارتفاع منسوب مياه البحر في المنطقة الساحلية للبحر المتوسط سيؤدي إلى: تأثر المنطقة الساحلية لدلتا نهر النيل بالغمر، نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وتأثيره على الأنشطة الصناعية وأنشطة النقل والموانئ، بالإضافة إلى الأنشطة الزراعية، وتعرض الملايين من القاطنين بشمال الدلتا للتهجير.

توسع في إنشاء الغابات

وطبقا لوزارة البيئة المصرية، فإنه جراء إنشاء 24 غابة شجرية تروى جميعها بمياه الصرف الصحي المعالج، في 17 محافظة، على مساحة إجمالية قدرت بحوالي 11195 فدانا.

كما يجري حاليا العمل على إنشاء 27 غابة شجرية جديدة في 8 محافظات، بإجمالي مساحة قدرت بحوالي 16984 فدانا.

وسيلة للتكيف مناخيا..ومصدر للأخشاب

يقول الدكتور أحمد رخا – رئيس الإدارة المركزية للتفتيش البيئي بوزارة البيئة، إن فكرة إنشاء الغابات الشجرية تهدف لمعالجة مشكلة التغيرات المناخية في المنطقة المعرضة للتآكل والغرق في شمال الدلتا.

ويضيف رخا: حيث يرتفع بهذه المنطقة منسوب مياه البحر بمعدل 1,5 ملم سنويا، كما تهبط الدلتا بنفس المعدل أيضا، وقد أكدت الأمم المتحدة في الاتفاقية الإطارية لمواجهة التغيرات المناخية، أن التغيرات المناخية تعتبر من المشكلات التي لا يمكن مواجهتها، كالزلازل والبراكين، واتفقت على أن الحل الأمثل لمواجهتها هو التكيف مع آثارها.

يوضح الدكتور محمود علي – الباحث في البيئة النباتية بمركز بحوث الصحراء، فوائد الغابات الشجرية التي يقول إن من بينها التخلص من مياه الصرف المعالج، والتخفيف من الآثار السلبية لمظاهر التغيرات المناخية عن طريق خفض انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، والحد من تأثير غزو مياه البحر، وارتفاع منسوب المياه التحت السطحية.

ويضيف علي، إن الغابات الشجرية تسهم في تحسين نوعية الهواء، والحد من الأتربة والجسيمات العالقة، وتحسين البيئة الساحلية، ودعم المنظومة البيئية وزيادة التنوع البيولوجي، وزيادة إنتاج الأخشاب، والصناعات الصديقة للبيئة.

جدير بالذكر، أن مصر استوردت عام 2014 أخشابًا ومنتجات خشبية بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي، وفق تقرير غرفة صناعة الأخشاب، الصادر في 15 أبريل الماضي.

وتقول وزارة البيئة إنه تم اختيار الأنواع النباتية التي زرعت بالغابات الشجرية بعناية وبخبرة علمية متميزة، حيث تتوافر فيها القيمة الاقتصادية العالية، إضافة لملائمتها للظروف البيئية للمنطقة من حيث نوعية التربة وحالة المناخ، كذلك تم زراعة مصدات الرياح التي تلائم المنطقة بجميع الطرق الداخلية للغابة، وحول الأسوار.

مشكلات تواجه استزراع الغابات

لكن مشروعات استزراع الغابات الشجرية القائمة بالفعل، في مصر، تواجه مشكلات بيروقراطية وأخرى تقنية، فغابة جمصة التي أنشأتها الدولة في نهاية عام 1999 على مساحة 150 فدانا، بطاقة تصريفية 1500 متر مربع في اليوم الواحد، وتروى بنظام الري بالتنقيط، تقلص حجمها إلى 100 فدان فقط، بعد التعديات التي وقعت على حرم الغابة من قبل محافظة الدقهلية، باستقطاع 50 فدانا لإنشاء وحدات للإسكان الاجتماعي عام 2013، وفق المهندس حمدي سالم – مدير الغابة.

ويقول سالم، إن 6 أفدنة إضافية من مساحة الغابة تم اقتطاعها لصالح إنشاء محطة لتوليد الكهرباء، ووعدت المحافظة بتخصيص 6 أفدنة بديلة لصالح الغابة، وهو ما يقول إنه لم يحدث.

لكن التعديات على حرم الغابة ليست هي مشكلة الغابة الوحيدة، فيشير مدير الغابة إلى أنها تواجه مشكلة في الري المسؤول عنه مجلس مدينة جمصة، ويقول سالم إن المياه “يوم تيجي ويوم ماتجيش”، حتى أصبحت المساحة المنزرعة من الغابة 85 فدانا فقط، يعمل بها 13 عاملا مؤقتا بنظام أجر اليومية.

كما يواجه العاملون بالغابة الشجرية في الأقصر، من عدم توفير أمصال طبية لهم، في ظل انتشار عدد من الحيوانات المفترسة كالضباع والذئاب، إضافة إلى الأفاعي والعقارب. أما الغابة الشجرية في بياض العرب ببني سويف، فقد تعرضت للإهمال مع وقوع عدد من المشكلات بين المحافظة والشركة المنفذة بشأن إجراءات التنفيذ والمعاملات المالية والإدارية.

الوسوم