الصعيد هو الخط الأحمر، ويختلف كثيرا عن مدن الوجه البحري، من حيث عاداته وتقاليده وطريقة تقبل أهله للأفكار الجديدة ونظرته للمرأة بشكل عام.

فمنذ قديم الزمان؛ يخرج من صعيد مصر رجال عظماء، تظل ذكراهم خالدة على مر التاريخ، الأمر غير الموجود بالنسبة للمرأة، بسبب العادات والتقاليد التي تقيدها وتمنعها من كثير من الأعمال.

وبالرغم من أن فتيات وسيدات الصعيد يختلفن كثيرا عن الماضي، من حيث التعليم والعمل، لكن تظل القيود مفروضة عليهن، كما أن ثمة بعض الأعمال من المحرمات على المرأة، مثل المسرح والصحافة والشرطة والطيران والسفر خارج مصر، لكن هناك بعض الفتيات في الصعيد استطعن ممارسة بعض من هذه الأعمال التي لا يتقبلها المجتع الصعيدي للفتاة حتى الآن، ومن يعملن بها تكون متمردة على العادات وتقاليد المجتمع.

وهكذا أصبحت أنا – كاتبة المقال – واحدة من المتمردات في المجتمع الصعيدي بدشنا، حيث بدأ تمردي منذ أن صعدت على خشبة المسرح وأخذ دور البطولة بمسرحية من تأليفي، التي نالت إعجاب محمود الدسوقي، رئيس تحرير إصدار “دشنا اليوم” ونلت شرف الالتقاء به والتحدث معه حول المسرحية.

ثم زاد التمرد من خلال خشبة المسرح، كمخرجه لمسرحية من تأليفي أيضا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها دشنا مخرجة مسرح لم تبلغ الـ20 عاما بعد.

والتقيت مرة أخرى برئيس تحرير دشنا اليوم، وبدأت العمل بالإصدار منذ 2014 دون واسطة أو حتى شهادات، وسط ترحيب كبير ودعم من “ولاد البلد” حيث تم تدريبي على يد مدربين من المؤسسة، سواء في المكاتب بقنا أو بمكتب القاهرة، لأكسب خبراتي الحالية في الصحافة وأرتقي أكثر.

وفي 28 أكتوبر التقيت بالاستاذ عوض بسيط، رئيس الديسك المركزي بمؤسسة ولاد البلد، في تدريب بإصدار “النجعاوية” وحصلت على تديب في الصحافة الإلكترونية لمدة يومين على يديه، ومنها انطلق تمرد الفتاة الصعيدية بداخلي لانطلق في شوارع دشنا وأمارس العمل الصحفي باحترافية.

في البداية؛ لم يكن المجتمع المحلي يتقبل وجود فتاة تعمل في الصحافة وتقوم بتغطية الأحداث اليومية، حيث أتذكر موقفا تعرضت له يوما، حينما كنت مكلفة بتغطية حفل لفريق الكونغ فو، وقمت بالذهب إلى المكان الذي به الحفل، ولم يكن ككل الحفلات التي كنت أغطيها في السابق، حيث لم أجد به سوى عدد كبير من الشباب، حوالي 200 شاب، ووقتها شعرت بالخجل كثيرا، ولكن دائما أتذكر نصائح وتشجيع رئيس التحرير التي جعلتني أضع الخجل جانبا وقت العمل، ونجحت في المهمة، وفوجئت بالترحيب الكبير من الحضور ومنظمي الحفل، كما لاحظت أعين أغلب الشباب على هذه الفتاة التي لم تخجل وظلت واقفه حولهم لتؤدي عملها، وكان هذا الموقف هو أول المواقف التي جعلتني أشعر بالخجل كثيرا بداخلي وتدفعني أيضا لترك خجلي جانبا وقت العمل، وسط انتقادات كثيرين لكوني فتاة تقوم بالحركة بحرية في الصعيد وتعمل صحفية أيضا، غير أنني وجدت الراحه في العمل الميداني والتحرك وسط المواطنين في الشوارع والبحث عن متاعبهم وكل ما يشغلهم.

في بداية الأمر، واجهت أيضا صعوبات وانتقادات كثيرة من الأهالي، وتعرضت للعديد من المواقف مع البعض، حيث أذكر في رمضان 2015 عندما ذهبت لمستشفى دشنا لتغطية مشاق وتعب العاملين هناك واجتماعهن للأفطار معا، فظن أحدهم أنني هناك لنقل صورة سيئة عنهم فأخذ مني الكاميرا ليمنعني من التصوير.

وبالرغم من المشادات التي قد أتعرض لها أحيانا من البعض إلا أنه مع الوقت يصبح الأمر ممتع وشيق للمعرفة أكثر والتواصل مع الناس أكثر.

وفي صيف 2015 أقيم أول مارسون رياضي في دشنا، وكان تكليفي هو تغطيته بالفيديو، وكان هناك ما يقارب الألف شاب، وكنت أنا الفتاة الوحيدة، التي تجلس فوق سيارة متحركة لتغطي المارثون، وكالعادة كانت أعين الشباب معلقة بي بسبب عدم اعتيادهم على وجود امرأة لتغطية حدث مثل هذا، بينما كنت أتحدث مع الفائزين والمسؤولين عن المارثون، حتى ان أحدهم حاول تصويري وأنا أعمل، باعتبار هذا الأمر جديد على الصعيد.

هذه أمثلة على مواقف تتعرض لها أي فتاة تعمل في الصعيد، ولست أنا وحدي من تعرض لهذا الأمر، لكن في النهاية نحن نؤمن بعملنا في الصحافة المحلية والمساعده في حل مشكلات المجتمع، وكل ما نحتاجه هو الدعم والتشجيع حتى نتقدم في العمل ونستطيع المساعدة والمساندة في بناء المجتمع المحلي، وهذا ما وجدته منذ بداية عملي في “ولاد البلد” من الثقة والدعم المعنوي والمساعدة والتشجيع.