حيوا أهل الشام| مواسم الهجرة إلى “المحروسة”.. التاريخ السري لـ”الشوام” في مصر

حيوا أهل الشام| مواسم الهجرة إلى “المحروسة”.. التاريخ السري لـ”الشوام” في مصر رسمة لأحد أحياء مصر- المصدر: CAIRO 969 -1969 كتاب تذكاري عن مصر

لا يوجد تاريخ محدد يوثق بداية الهجرات من الشام إلى مصر، فالأمر مرتبط بجغرافيا وتاريخ المنطقتين، والتاريخ بينهما عميق والجغرافيا تصب في صالح تلك الهجرات.

وخلال منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، شكّل الشوام في مصر قوة اقتصادية لم تكن عادية، بجانب النقلة الثقافية التي كانوا أحد أسبابها، أرأيت حين يجتمع الشامي بالمصري؟

وقد ظهر الدور الثقافي للشوام في مصر بشكل أكبر في ثلاثة مجالات: المسرح والصحف والتعليم، فماذا يحدث إذا رحل شامي إلى المحروسة إلا أن تذوب فيه ويذوب فيها فينصرها معا؟ أمْ مَن يسَع بسطة الأدب الدمشقي والفن البيروتي، ومن يهضم الأكلات الغزاوية ومن يطرب للقدود الحلبية إلا مصر، ومن يسع بيروت وحلب ودمشق وغزة إلا “المحروسة”، أم البلاد.

هنا ينبغي أن نشير إلى أن المقصود ببلاد الشام هي المنطقة الممتدة من جبال طوروس في الشمال إلى صحراء سيناء في الجنوب، ومن البحر المتوسط في الغرب إلى نهر الفرات في الشرق، وتعرف باسم بر الشام.

بداية صعود الشوام

وبدايةً من 1724 بدأ الوجود الشامي يتضاعف ويظهر بشكل أكبر في مصر، وهو ما يرجعه بعض الباحثين إلى الانقسام الذي نشب في الكنيسة آنذاك، إذ ادّعى كيرلس وسلفستروس تبوء سدّة البطريركية، واضطهد الأخير أنصار خصمه، مسنودًا بتأييد من الباب العالي.

في تواصل عبر “فيسبوك”مع الدكتور ياسر ثابت، وهو باحث وصحفي له عدة كتب تاريخية منها كتابه “قصة الثروة في مصر” الذي تناول فيه ظهور الأفندية وصعود الشوام في القاهرة” يقول ثابت كثير من الشوام كانوا يعيشون في القاهرة خلال القرن السابع عشر، وربما قبل ذلك، كان أكثرهم من طائفة الروم الكاثوليك، الذين أتوا إلى مصر للتجارة من فلسطين وسوريا.

ويضيف أن الانقسام الذي حدث في الكنيسة خلال القرن 18 أدى إلى لجوء كثير من الشوام إلى مصر، كان أكثرهم من التجار وأهل الصناعات، والكُتّاب، والحرفيين، ونساجي الحرير، وربما كان هذا سبب كاف لاستقرار المهاجرين في مراكز حيوية كالقاهرة، ذات الرواج التجاري الكبير، ودمياط والإسكندرية، كمدينتين ساحليتين، بهما موانئ.

يتابع الدكتور ياسر ثابت أن أول من تقدم بضمانة الجمرك هو أنطون فرعون، واحد من المهاجرين الشوام، وهو أول من أسس كنيسة خاصة للروم الكاثوليك في دمياط، وكان يحميها بنفوذه ويغنيها عن الفرمان العثماني.

يتابع أن أنطون فرعون ظل يلتزم الجمرك، باسمه او باسم أخويه فرنسيس ويوسف أو ابن عمته أنطون كساب وأخيه يوسف كساب إلى فترة طويلة، واتخذ من أقاربه وأبناء طائفته أعوانا، منهم حنا فخر على موانئ البحر المتوسط وميخائيل فرحات على القاهرة.

ومع مطلع القرن العشرين تصدر قائمة الأغنياء من الشوام حبيب باشا السكاكيني والكونت شديد، وفي ثلاثينيات القرن الماضي كانت قائمة الأغنياء تضم سمعان صيدناوي بك، صاحب المحل الأشهر، ولم يكن في مصر من لا يعرف بنك سمعان كما يسميه العامة، وقدرت ثروة سمعان آنذاك بنحو 3 ملايين جنيه.

بالإضافة إلى فارس نمر  صاحب جريدة المقطم، والفريد شماس، الذي كان عضوًا لي مجلس الشيوخ لفترة، وأسعد باسيلي، أشهر تجار الخشب آنذاك، والخواجة شكرالله، تاجر الحديد الأشهر، وإدوار كرم وغيرهم كثير، لقد غير الشوام خريطة الاقتصاد في مصر، فكم كان حجم الوجود الشامي في مصر؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نتطرق إلى أكثر الأماكن التي تركز فيها الشوام.

أماكن تركز الشوام في مصر

في كتاب هجرة الشوام إلى مصر، لماهر محمد درويش، يذكر أن أكبر تجمع للشوام في القاهرة كان في مناطق الحمزاوي الكبير والصغير والغورية والأماكن التجارية كالمشهد الحسيني وخان الخليلي.

أما دمياط فقد كانت هي المدينة التالية للقاهرة، واتخذها االشوام القادمون من البحر المتوسط مقرًا، وكانت الحرف فيها متوسطة متواضعة وأهم المهن التي عمل بها الشوام هي “الصيرفة”، إذ  تولت أسرة بدر الدين بن أحمد الدمشقي مشيخة هذه المهنة لنحو 30 عامًا، كما اجتذبت دمياط عددا من تجار الدخان، خاصة القادمين من اللاذقية أمثال محمد بن يوسف الشهير بابن الأزخم.

أما الإسكندرية فقد عمل فيها أكثر المهاجرين الشوام في النشاط التجاري والصناعي، فكان منهم تجار الجبن والتمر والبهارات والأخشاب والدخان والخبازين والطحانين والدباغين.

المدينة الأخيرة كانت الغربية، إذ استقر الشوام بمدن المحلة الكبرى وطنطا ومحلة حسن، وكان أكثرهم وي نشاط حرفي صناعي  بجانب الفلاحة، إلى جانب أعداد قليلة في الجيزة والشرقية  والصعيد، انتهى ما ذكره درويش لكن الحديث عن الشوام لم ينته.

إذن يمكننا القول إنه من مدن (القاهرة ودمياط والإسكندرية) انطلقت شرارة القوة الاقتصادية الرهيبة للشوام في مصر، فعشية استيلاء نابليون على مصر كانت السيطرة على مصلحة الجمارك انتقلت فعليا إلى الشوام، لتستمر لسنوات طويلة، حتى عصر محمد علي، بحسب ما يُذكر في كتاب “قصة الثروة في مصر”.

حجم الشوام في مصر

في عام 1760 كان عدد العائلات الشامية (السورية تحديدًا) في القاهرة لا تتجاوز 200 عائلة، أي في المتوسط من 1000 إلى 2000 نسمة، ثم قفز العدد أواخر القرن الثامن عشر إلى 400 عائلة أي إلى ضعف الرقم السابق، بالإضافة إلى مجموعات متفرقة في رشيد ودمياط، بحسب ما يذكره ثابت.

نعود إلى كتاب “هجرة الشوام إلى مصر” لماهر محمد درويش، الذي يذكر أن النسبة الأكبر للمهاجرين الشوام وصلت ذروتها عام 1876 بعد تعليق العمل بالدستور، إذ كان السلطان عبدالحميد يرى أن الشعب ليس مهيئًا لتقبل الدستور.

يذكر درويش أنه في عام 1833 بلغ عدد المهاجرين نحو 5 آلاف، وزعوا على النحو التالي 3 آلاف في القاهرة، وما بين 500 إلى 600 في دمياط، وما بين 200 إلى 300 في الإسكندرية، والباقي توزع على محختلف الجهات

وقبل عام 1878 كان أكثر المهاجرين يتجهون إلى مصر، وارتفع معدل الهجرة بين عامي 1880 و1890، ووصل إلى أعلى مستوياته خلال الفترة من 1900 إلى 1914.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ازداد معدل الهجرات الشامية إلى مصر بشكل مضطرد، وتزايدت أفواج المهاجرين الشوام، ووصل عددهم عام 1907 نحو 34 ألف مهاجر، وتجاوز عددهم عام 1920 أكثر من 50 ألفًا.

والواقع أن فترة حكم محمد علي (حكم مصر من مايو 1805 حتى مارس 1848) شهدت نقلة نوعية في تعداد الشوام بمصر وتعاظم نفوذهم، فاستعان بهم محمد علي في مجالات عدة أبرزها التعليم.

ويبدو أن استعانة محمد علي بالشوام جاء رغبة منهم في الاستفادة من إتقانهم اللغات الأوربية، فقد كان أساتذة مدرسة الطب التي أنشئت 1827 من الفرنسيين والإيطاليين، ولاحظ كلوت بك (طبيب فرنسي قضى معظم حياته في مصر) أن هيئة التدريس والطلبة يواجهون صعوبات بسبب جهل كل فريق بلغة الآخر، لهذا السبب لجأ محمد على إلى الشوام، بحسب السيد عبدالمقصود في كتابه الشوام في مصر.

إلى جانب التعليم استغل محمد علي الشوام في مجالات أخرى مثل أعمال الجمارك والترجمة وزراعة التوت ومن ثم صناعة الحرير، وكان من أشهر التجار السوريين سليم بك شديد الذي امتلك 33 ألف فدان، وحبيب باشا لطف الله الذي بلغ به الثراء إلى حد أن طمع ابنه الأمير لطف الله بن حبيب في ملك سوريا.

المسرح من سوريا إلى مصر

بعد عام 1860 كانت هناك عدة أحداث دفعت العديد من اللبنانيين والسوريين إلى الهجرة إلى مصر، كان أبرزها  المذابح الدامية التي وقعت 1860 بين الدروز والأرمن وتراجع تجارة الحرير بسبب استيراد أوروبا الحرير الياباني بدلا من اللبناني وفرض الأحكام العرفية عقب الحرب التركية الروسية عام 1877.

أيمن عثمان، باحث في التراث، يقول إن الشوام ساهموا في إثراء الحياة الثقافية والفكرية في مصر، وكانت أولى الفرق الشامية التي هاجرت إلى مصر فرقة سليم النقاش وأديب إسحاق عام 1876، وأحدث أبو خليل القباني  تأثيرا هائلا على المسرح، وتعد فرقة إسكندر فرج آخر الفرق الشامية التي ساهمت في إرساء قواعد المسرح في مصر.

يتابع عثمان أن الفضل الأول لتأسيس المسرح يرجع إلى الشوام، بعد أن طُردت الفرق المسرحية من سوريا، إذ كانت السيدات تشتكي من الأزواج، الذين يتأخرون خارج المنزل ليلا، وعندما كثرت الشكاوى تتبع الوالي الأمر، ليجد أن تلك المشكلة ترجع إلى المسارح التي أنشأها الشباب، فأصدر فتوى بتحريمها وطردوا من سوريا ليأتوا مصر.

وفي عام 1876 أصدر مفتي سوريا فتوى تُحرم وتجرم  فن التمثيل (التشخيص)، ليجد الشوام بيئة خصبة للمسرح في مصر، معتمدين على تعريب المسرحيات العالمية، بحسب ما يذكره عثمان.

والصحافة أيضًا شامية

إلى جانب المسرح ساهم المهاجرون الشوام  في تأسيس الصحافة المصرية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان منها الأهرام والهلال والمقطم.

وبلغ عدد الصحف التي أصدرها الشوام في الفترة من 1866 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية نحو 220 صحيفة، وبرزت عدة أسماء شكّلت مدارس الصحافة آنذاك منها:  فاطمة اليوسف، وبشارة تقلا، وأنطون جميل، وجرجي زيدان، وكريم ثابت، الذي ترك الصحافة وعمل مستشارًا صحافيًا للملك فاروق، والحديث عن صحافة الشوام يطول.

عقب ثورة 1952 بدأت ظاهرة الشوام تنحسر في مصر، لكن دورهم الاقتصادي والثقافي ظل موجودا على استحياء، ومع الوقت ذابت تلك العائلات الشامية في مصر، فلم تعد شامية بل مصرية خالصة، لكن هل توقفت مصر عن استقبال مهاجرين جدد من الشام، الإجابة قطعًا لا.


مصادر:

الدكتور ياسر ثابت، كتاب قصة الثروة في مصر”، الهيئة العامة للكتاب 2013

ماهر محمد درويش، هجرة الشوام إلى مصر، جامعة النجاح الوطنية- فلسطين، 2003

السيد عبدالمقصود، الشوام في مصر، الهيئة العامة للكتاب2003

الوسوم