“ضيعة كلها زعمة منين بدي جبلك شعب”!!

هي كلمات خطها الراحل الساخر محمد الماغوط” لمشهد مسرحي في “غربة” ليست هي نفسها التي يعيشها السوري اليوم بعيداً عن وطنه وإن بدا لنا مضمونها متشابهاً.

جميعهم يريدون أن يحكموا هذا الشعب المسكين، حتى في غربته، ورغم قهره، وإن بحثت في المقابل ستدرك أنها ليست أكثر من “شهوة” أو “مصلحة” تتملكهم بجنون.

لقد أتى ذلك المواطن السوري “الغلبان” إلى مصر، بعد أن فقد في وطنه كل شيء، ليبدأ حياته في “أم الدنيا” من لا شئ، راضياً بقسمته ونصيبه في أي شئ، ليفاجأ أنه قد بات أسير عدة جهات ذات هوية سورية، تتنافس فيما بينها بشدة لتحكمه على طريقتها الخاصة، فإن رفض وتمرد لفظته دون شفقة أو رحمة “وروح انطح راسك بالحيط”.

أما إن نجح السوريون في “أم الدنيا” في الثبات والتقدم قليلاً نحو الأمام، رغم الظروف المعيشية القاسية التي يكابدونها اليوم برفقة أبناء هذه الأرض، التي دخلوها منذ سنوات خلت آمنين مسرورين، فذلك لأنهم يملكون الكثير من العزيمة والمعرفة التي لا منة لأحد عليهم فيها، لا بل إن العكس هو الصحيح، فلم ترحمهم مثلاً قنصلية بلدهم التي لم تقبل منهم إلا “الدولارت الجديدة” وبالمئات لأبسط المعاملات، في الوقت الذي تخلت عنهم فيه بالمطلق في أي مواجهة قانونية مع الدولة المصرية.

ولو انتقلنا إلى الطرف المقابل وبحثنا عن دور للائتلاف الوطني السوري في حياة السوريين على أرض الكنانة، لأدركنا أنه كيان لا حول له ولا قوة في ظل انعدام موارده ومحدودية دوره المقتصر بالنسبة لمواطنيه على خطاب مباشر مع الخارجية المصرية، لإنقاذ بعضهم من قرارت نظيرتها الداخلية، في الترحيل أو السجن بحق من وقع منهم في المحظور.

لأجل ما سبق خرجت كيانات جديدة بخطابات ثورية ادعت فيها أنها شعبية، فتشكلت أولاً رابطة الجالية السورية في مصر بغطاء من المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي سرعان ما تلقت أولى الضربات بالعودة المفاجئة لرئيسها الأول إلى “حضن الوطن”، وتسرب باقي أعضائها خارجها تباعًا مع غياب أي إنجاز يذكر، فانتهى مشروعها في الوقت الذي كان الائتلاف الوطني السوري يبارك مبادرة مماثلة بمسمى “التجمع الخدمي السوري”، بعد ولادة متعثرة لانسحاب عدد من الأفراد والمؤسسات، بعد أولى اللقاءات نتيجة تأثيرات جانبية من قطب آخر منافس، فبقي الوليد ضعيفًا هزيلًا لا يملك من اسمه شيئًا حتى تاريخه.

وفي ظل غياب الحاكم الجامع أطلت مؤسسات المجتمع المدني بإمكانياتها المادية والبشرية المتقدمة لتتصدر المشهد بكل ثقة وفاعلية، وتحمل ثقلًا وطنيًا خذلته مؤسساته الأصلية، فقدمت أداءً تنافسيًا حماسيًا نجح في المحصلة بالمحافظة على الهوية السورية في الحاضنة المصرية، لكنه لم يكن قادرًا في النهاية على جمع السوريين خلف قيادة موحدة بسبب اختلاف توجهاتها وسلوكياتها وأهدافها، ليبقى التساؤل مستمرًا: من يحكم السوريين في مصر؟!

كاتب المقال

مدير فريق الطوارئ السورية (هو فريق تطوعي يهدف إلى تقديم المساعدة للسوريين المقيمين في مصر وفي عدة دول أخرى)