مع رفع الدعم عن المواد البترولية.. “الزبالة” لتشغيل مصانع الأسمنت

مع رفع الدعم عن المواد البترولية.. “الزبالة” لتشغيل مصانع الأسمنت
كتب -

دراسة: النفايات تكفى لإنتاج 30 مليون طن أسمنت سنويًّا

مصر تنتج نحو 45 مليون طن أسمنت سنويًّا، وتخرج 150 مليون طن من المخلفات الزراعية والصلبة يمكن استخدامها لتوليد الوقود البديل

 

كتب – إبراهيم الصحارى

 

أكبر مشكلة تواجه الحكومة المصرية، لسنوات قادمة، هى عجز الموازنة العامة الذى وصل إلى 11% من الناتج المحلى الإجمالى، وفى ظل توقعات بارتفاع أسعار الطاقة ستضطر الحكومة لتقليص هذا العجز باتباع إستراتيجية العمل على التحرير الكامل لأسعار الوقود، خاصة للمصانع كثيفة الطاقة مثل صناعة الأسمنت. وقد تدفع هذه الإستراتيجية الكثير من المصانع إلى البحث عن أشكال بديلة للوقود، خاصة الوقود المشتق من النفايات “الزبالة”، وذلك فى إطار الحد من تكلفة الإنتاج. وهو ما حدث فعلاً بحسب محللين؛ فمع رفع دعم الوقود تدريجيًّا، بدأت شركات أسمنت فى السعى إلى تبنى إستراتيجيات استباقية طويلة الأجل، لتنويع مصادر الطاقة للحد من تأثير ارتفاع أسعار المواد البترولية على الإنتاج.

 

40 مليون دولار للطاقة البديلة

 

برونو كاريه، العضو المنتدب لشركات مجموعة السويس للأسمنت، أكبر منتج للأسمنت فى مصر، أكد أن الشركة تأثرت خلال المرحلة السابقة بأسعار الطاقة المرتفعة. وقال: إن المجموعة تخطط لضخ 40 مليون دولار خلال الأعوام القادمة لاستخدام مصادر بديلة للطاقة كالفحم والنفايات.

 

أحمد شبارة، رئيس مساعد غرفة مواد البناء، قال: إن العديد من مصانع الأسمنت بدأت فى التوسع فى استخدام وقود بديل مشتق من النفايات، فى عملية إنتاج الأسمنت، وأضاف: سيكون ذلك بديلاً عن الوقود التقليدى خاصة المازوت والسولار والغاز الطبيعى، فهذه المصانع تسعى إلى تقليل الاعتماد على المواد البترولية فى ظل توقعات بارتفاع أسعارها ورفع الدعم عنها.

 

وأشارت دراسة لمركز التكنولوجيا للإنتاج النظيف بوزارة الصناعة إلى أن النفايات بها مخلفات صلبة تكفى لإنتاج 30 مليون طن أسمنت سنويًّا، وهو ما سيوفر من تكاليف الإنتاج، وينعكس بالتالى على أسعار الأسمنت والتى ستقلص تكاليف البناء وتقليل أسعار الشقق السكنية.

 

كما أوضحت الدراسة أن مكونات الوقود البديل تتمثل فى مزيج من المخلفات الزراعية كقش الأرز، أو نفايات صناعية كمخلفات البلاستيك. ويسهم الاعتماد على هذه المصادر فى تقليل تكلفة الطاقة لصناعة الأسمنت بما يتراوح بين 20% إلى 30%. وتستحوذ تكلفة الطاقة على نسبة تتراوح بين 40% إلى 60% من إجمالى تكاليف صناعة الأسمنت، ويعد التحدى الرئيسى أمام مصنعى الأسمنت مقارنة بعناصر الإنتاج الأخرى. ومن المتوقع أن يقلل الوقود البديل من انبعاث ثانى أكسيد الكربون بمتوسط حوالى 60 ألف طن كل عام.

 

ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 33%

 

فى موازنة العام المالى الجارى (2012/2013) رفعت الحكومة أسعار الطاقة للمصانع كثيفة الاستهلاك بنسبة 33%، وذلك بخفض دعم الطاقة من أجل توفير نحو 20 مليار جنيه لدعم ميزانية الدولة، فقد تمت زيادة أسعار الغاز للمصانع متوسطة الاستهلاك من 2.3 دولار للمليون وحدة حرارية إلى 3 دولارات، كما تم رفع الأسعار للصناعات الكثيفة من 3 دولارات إلى 4 دولارات للمليون وحدة حرارية.

 

الدكتورة ماجدة قنديل، المدير التنفيذى للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية، قالت: إن ارتفاع نسبة الدعم الموجهة للطاقة، فى ضوء تحرك أسعارها عالميًّا، يجعل فاتورة الدعم تصل إلى 100 مليار جنيه بنهاية العام الجارى، مشيرة إلى أن الصناعات الأكثر كثافة فى استخدام الطاقة تستحوذ على 35% من إجمالى المنتجات البترولية المدعمة.

 

 45 مليون طن سنويًّا من الأسمنت

 

مصانع الأسمنت، وفقًا للتصنيف، هى مصدر رئيسى لملوثات الهواء الخطرة، وتنبعث منها أكاسيد النيتروجين، وثانى أكسيد الكبريت، والزئبق، وأول أكسيد الكربون. وقال الدكتور إبراهيم زهران، الخبير البترولى: إن عملية الحصول على الوقود المشتق من النفايات تستخدم على نطاق واسع فى كل من الهند والصين، موضحًا أن مصر تخرج 150 مليون طن من المخلفات الزراعية والصلبة يمكن استخدامها لتوليد الوقود البديل.

 

وحسب مذكرة بحثية صادرة عن بنك الاستثمار “سى آى كابيتال”، تنتج مصر نحو 45 مليون طن سنويًّا من الأسمنت توجه لاحتياجات السوق المحلى والتصدير، ويتوقع أن يرتفع الطلب المصرى فقط فى ٢٠٢٠ إلى ٨٠ مليون طن سنويًا، وهى الزيادة التى سيترتب عليها ارتفاع فى طلب القطاع على الطاقة.

 

وتقدر الاستثمارات الحالية فى هذا القطاع داخل السوق المصرية بنحو 50 مليار جنيه، من المتوقع أن ترتفع إلى 70 مليار جنيه فى عام 2015.

 

ويوجد حاليًا 15 مصنعًا للأسمنت فى مصر، من المتوقع زيادتها إلى 19 مصنعًا فى 2015، إذا لم تتم إضافة رخص جديدة لمصانع الأسمنت، فالمؤشرات تدلل على أن الوقود البديل أصبح ضروريًّا مع الارتفاع المتوقع فى أسعار المشتقات البترولية.

 

كفاءة عالية وخدمة مجتمعية

 

مصانع الأسمنت فى بنى سويف والإسكندرية والسويس وشمال سيناء بدأت فى التعاقد مع شركات النظافة والشركات الصناعية والبترولية للاستفادة من مخلفاتها فى الوقود البديل. ووفقًا لموقع وزارة البيئة، حصلت الشركة العربية للأسمنت على التصاريح اللازمة لاستخدام هذا الوقود من جهاز شئون البيئة التابع لوزارة الدولة لشئون البيئة. كما وافق الجهاز على مشروع استخدام النفايات كوقود مكمل فى أفران صناعة الأسمنت للخطين 1 و2 بشركة العامرية للأسمنت بمحافظة الإسكندرية، كذلك وافق الجهاز على مشروع شركة السويس للأسمنت بمصنعى القطامية وحلوان لاستخدام المخلفات غير المستغلة كوقود مكمل فى عمليات صناعة الأسمنت، وتقليل غاز ثانى أكسيد الكربون كأحد مسببات ظاهرة الاحتباس الحرارى، وذلك ضمن مشروعات آلية التنمية النظيفة.

 

أما شركة “لافارج” للأسمنت فتمتلك مصنعًا ضخمًا فى العين السخنة، يعد ثانى أكبر مصنع فى العالم بطاقة إنتاجية 10 ملايين طن سنويًّا، وقد ذكر ديفيد شنتون، مسئول البيئة فى الشركة، أنهم بدءوا التفكير فى استخدام النفايات كوقود بديل، عبر تنويع موارد الطاقة وخفض تكاليفها عن طريق الحد من الاعتماد على أنواع الوقود التقليدية فى السوق، وخدمة المجتمع عن طريق إعادة تدوير النفايات. وقال: إن استخدام هذا النوع من الوقود يعكس التزامنا بالمساهمة فى تقليل الآثار السلبية لإنتاج الأسمنت على البيئة المصرية، وذلك بالتخلص من النفايات الصلبة، بما فى ذلك بعض النفايات الأكثر خطورة، بصورة آمنة؛ إذ أن درجات الحرارة فى أفران الأسمنت عالية جدًّا، والساعات الطويلة التى تعمل خلالها هذه الأفران تخلق بيئة ذات كفاءة عالية لتدمير المركبات العضوية الخطرة مثل مركبات “الديوكسين”، و”الفيوران”.

وقال خوسيه ماريا ماجرينا، الرئيس التنفيذى للشركة العربية للأسمنت بمحافظة السويس: إن استخدام الوقود البديل من شأنه التخفيض من استهلاك الغاز الطبيعى؛ إذ يوفر 436 مترًا مكعبًا من الغاز عند استخدام طن واحد من الوقود الناتج عن معالجة النفايات