مصطفى أحمد.. الشيخ الذي أحب “شادية” وطالب تلاميذه بالدعاء لها

مصطفى أحمد.. الشيخ الذي أحب “شادية” وطالب تلاميذه بالدعاء لها
كتب -

قنا- أنس عبدالقادر:

الشيخ مصطفى أحمد محمد مصطفى، وُلد بصعايدة دشنا في 21 سبتمبر 1924، وحصل على العالمية من الأزهر الشريف، عمل معلما للغة العربية والدين بعدة مدارس، منها عمر بن الخطاب الابتدائية ودشنا الإعدادية ودشنا الثانوية.

كان الرجل غريب الأطوار، حيث يبالغ في زهد الدنيا وزخارفها، ويطول في مجاهدة النفس وإذلالها، مع المعرفة الغزيرة في العلوم الدينية واللغوية والسياسية، كما أجاد اللغة التركية، وكان العلماء من محافظات عدّة يسألونه في علوم الحديث.

حفظ الشيخ القرآن الكريم في سن مبكرة، وكذلك صحيح البخاري وهو على ظهر أتان (حمار)، فكان يذهب للزراعة في (الحرجة) شرقي دشنا، وفي أثناء ذلك يقرأ ويحفظ صحيح البخاري وغيره، حيث حفظ البخاري في سن السادسة.

أتم مصطفى دراسته الثانوية الأزهرية عام 1947، وحالت الظروف بينه وبين استكمال الدراسة في القاهرة، وظل فترة على ذلك الحال، حتى قرر الشاب العالم أن يذهب للعمل في السودان مع عمال التراحيل، أعد الشاب عدته وانتظر القطار الذي سيحمله إلى أسوان ومنها للسودان، وفي ذلك اليوم قابل الشيخ عثمان آدم – وكان الشيخ مصطفى من تلاميذه ومحبيه – على غير العادة، وطلب منه أن يصنع له قهوة وقال له (على مهلك خالص يا ملك أنا مش مستعجل)، وقام الشاب المهذب وسط قلقه وخوفه من أن يفوته القطار بصنع القهوة، وظل الشيخ معه حتى سمعا صوت القطار مدويا يغادر دشنا ، فقال له الشيخ عثمان (يا مصطفى إحنا مش شغالين فواعلية.. إحنا بتوع علم) وطلب منه أن يكمل تعليمه.

وجاء والد الشيخ ليلا وقد رزقه الله برزق وفير لكي يسافر الشاب للقاهرة، ليكمل تعليمه هناك، ثم يعود لدشنا للعمل كمعلم.

كان الشيخ مصطفى كمعلم يشرح باستفاضة، خاصة في النحو، وكان يعتبر الإنجليز أساتذة السياسة في العالم، وأن العالم كله أطفال بالنسبة للسياسة الإنجليزية، وحدثت مشادة سياسية بين الصين وإنجلترا في الستينيات فقال الشيخ (سوف تعتذر الصين لإنجلترا خلال عدة أيام) وتحقق ما قاله الشيخ في الفترة التي حددها.

ومن القصص التي قالها الشيخ عن البرود الإنجليزي أن إنجليزيا وفرنسيا ركبا في القطار فاستفز الفرنسي الإنجليزي وألقى بحذاء الإنجليزي من نافذة القطار، فما كان من الأخير سوى أن أخرج من حقيبته حذاء جديدا، وفي فترة الستينيات كانت أمريكا ترسل المساعدات لمصر من لبن مجفف وجبن وسمن وخلافه، فأعجب الناس بأمريكا وظنوها دولة مسالمة ومحبة للشعوب، فقال الشيخ (لا تغتروا بأمريكا فلم تظهر وجهها القبيح بعد، وربنا يمد في عمركم حتى تروا أمريكا رقم 10 في العالم).

ومن العجيب أن الشيخ حفظ الكثير من الأغاني، وخاصة أغاني المطربة شادية، وكان يدندن دائمأ بأغنية (غاب القمر يا بن عمي.. يلا روحني دي النسمة آخر الليل بتفوت وتجرحني)، وكان يقول (ربنا يتوب علينا زي ما تاب على شادية) فيتعجب الناس منه لأن شادية كانت تملأ الدنيا في الإذاعة والتليفزيون والسينما، وكان في مجالسه دائما يطلب من الحضور الدعاء لشادية وقراءة الفاتحة لها، ويقول ما لها شادية مهي حلوة وبإذن الله لن يعذبها الله بالنار، وكان الشيخ يحفظ الأغنيات الجديدة والقديمة ويدندن ببعضها.

جاهد الشيخ مع نفسه كثيرا وكسرها، فكان يذهب للسوق ويطلب من أحد الصبيان أن يجرّه من كم جلبابه ويقول له (قول بقرة للبيع) أو أن يطلب من تلاميذه أن ينادوه باسمه مجردا، فيقول له التلميذ (يا مصطفى) فيستريح الشيخ وربما يزيد عن ذلك بقول (موت يا مصطفى)، ففي أحد الأيام كان يقف الشيخ في الشارع ووجد مجموعة من الشباب فنادى على أحدهم، وكان الشيخ يضع شالا على رقبته، وطلب منه أن يجره من الشال وينادي (بقرة للبيع)، وعلى استحياء من الشاب الصغير نادى بصوت خفيض، ولكن الشيخ طلب منه أن يرفع صوته وجاب به الشوارع حتى طلب منه أن يدخل الجبانة وقال له (قول موت يا مصطفى) فانصاع الشاب لأوامر الشيخ.

وفي شهر سبتمبر من سنة 1971، رحل الشيخ مصطفى عن الدنيا التي زهد فيها وطلقها، ودُفن في جبانة دشنا، وهو في سن 47 عاما، ليرحل عالم زاهد عابد عن تلك الدنيا الزائلة، ضاربا المثل في التقوى والورع والزهد.