لم الشمل.. حلم يؤرق اللاجئين السوريين في مصر

لم الشمل.. حلم يؤرق اللاجئين السوريين في مصر جواز سفر سوري - صورة أرشيفية
كتب -

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

في أحد شوارع حي الزيتون داخل العاصمة المصرية القاهرة، تقطن أسرة فاتينا أحمد السورية، المكونة بالإضافة إليها من ابنتيها وزوج إحدى بناتها وأولادهم، حيث حياة الضيق التي يعيشونها وسط حالة من الحرمان وضيق المعيشة، وغياب رب الأسرة الأساسي، بعد خروجهم من سوريا تاركينه ورائهم على أمل اللحاق بهم إلى مصر.

بنبرة حزينة وبصوت تخالطه الدموع، بدأت فاتينا صاحبة الـ60 عامًا حديثها، قائلة “نحن نعيش الفراق دومًا، هكذا كتب علينا القدر، القدر فرقنا عندما خرجنا من سوريا والعالم لا يريد لنا أن نجتمع”.

كلمات تختصر مشكلة لم الشمل التي يعاني منها السوريون في مصر، منذ القرار الذي أصدرته الحكومة المصرية فجأة في يوليو 2013، بوجوب حصول السوريين على تأشيرة دخول إلى مصر، يتوجب الموافقة عليها أمنيًا قبل نيلها، ما أفرز حالة من الشتات تعيشه أسرة فاتينا وغيرها من الأسر السورية المشابهة لوضعها، أدت بمجملها إلى الهوان وقلة الحيلة، في ظل غياب أرباب الأسر وعدم قدرتهم على الدخول إلى مصر.

وتتابع السيدة السورية حديثها لـ”ولاد البلد”، موضحة أنها جاءت وأسرتها إلى مصر منذ أربع سنوات بعد توتر الأوضاع بمنطقة جوبر التابعة لدمشق في سوريا، وانتهى بهم المطاف في حي الزيتون، بعد أن تنقلوا بين العديد من الشقق بمناطق مختلفة، واضطر زوجها بعد خمسة أشهر من استقرارهم إلى تركها والذهاب إلى لبنان لإنهاء بعض شؤون العائلة، لكنه علق فيها فلم يستطيع العودة إلى سوريا، ولم يستطع أيضا المجيء إلى مصر، بعد صدور قرار وجوب الحصول على التأشيرة قبل دخول الأراضي المصرية، وصعوبة الحصول عليها في الظروف الحالية.

شتات لا مفر منه

لا يستطيع ضياء صاحب الـ25 عامًا، زيارة أمه بعد أن سافر إلى السويد بهجرة غير شرعية بعد مجيئه إلى مصر بعام واحد، نظرًا لضيق المعيشة وارتفاع الأسعار، ما اضطره للهجرة بحثًا عن حياة أفضل، لكن بعد تطبيق قرار التأشيرة، حرمت الأم من ابنها الذي أصبح حبيس الخارج، لا يملك الأوراق ولا التأشيرة التي تمكنه من العودة إلى مصر مرة أخرى.

تقلق فاتينا على زوجها صاحب الـ70 عامًا، والذي يعاني من المرض السكر، حيث لا أحدًا له يعيله في لبنان، ولا يستطيع العودة إلى سوريا أيضًا بسبب الحرب، وحتى إن عاد فليس من أحد يقف جانبه في عمره الكبير.

وتشير السيدة السورية إلى أنها تقدمت مرارًا بطلب لم الشمل، للحكومة المصرية المعنية بذلك، لكنه رفض دون أسباب واضحة، لتبقى رهينة انتظار الفرج الذي لا تظنه قريبًا، بعد أن تخلى عنها وعن عائلتها كل من قصدته من أجل مساعدتها في محنتها.

دواعي أمنية

لا تختلف قصة محمد ديب، 42 عامًا، عن حكاية شتات عائلة أحمد، حيث تقدم بطلب للحكومة المصرية لجلب شقيقته الوحيدة صاحبة مرض “سرطان الثدي” والأم لابنتين، مشيرًا إلى أنه ليس لديهم عائل يقوم بالإنفاق عليهم نتيجة وفاة والدهم، حيث لابد من أن يكون راعيًا لهم في ظل ارتفاع أسعار العلاج بسوريا وقلته أيضًا.

يوضح ديب أن حالة أخته الصحية أصبحت متأخرة جدًا، مستنكرًا قساوة قلوب من يتعامل مع هذه القرارات دون مراعاة روح القانون في مثل هذه الحالات، التي تحتاج لنظرة إنسانية بعيدة عن أي اعتبارات أخرى، مثل التي يسمونها دواعي أمنية، تلك التي تعيق مجيء أخته واستكمال علاجها، كي لا تترك ورائها أيتامًا كما يقول ديب، متسائلًا: “ما هي هذه الدواعي الأمنية فليشرحوا لنا ذلك؟!”.

أمل في تعديل قريب

من جانبه يقول عادل الحلواني، مدير مكتب الائتلاف السوري في القاهرة، إن لمّ الشمل للأقارب من الدرجة الأولى أحد أهم حقوق اللاجئين السوريين التي يضمنها لهم القانون الدولي الإنساني، إلا أن هذا الحق لم يفعل حتى اليوم بخصوص السوريين في مصر، لافتًا إلى الأثر السلبي الواقع على السوريين بسبب حالة البعد عن ذويهم نتيجة هذا النوع من القررات التي أصبحت تلاحق السوري في دولٍ عدة.

ويشير الحلواني إلى أن هناك اجتماعات مع مستشارين من الخارج والداخل، من أجل تعديل مواد قانونية حتى يصادق عليها مجلس النواب المصري، وتتناسب مع لم الشمل للسوريين، لافتًا إلى إمكانية نجاح ذلك بنسبة 70%.

مافيات لا إنسانية تتاجر بالسوريين

يوضح يوسف المطعني، المحامي المصري المتخصص في الشأن السوري، أنه ليس هناك أي قرار يمنع أيًا كان من دخول مصر، لكن القرار المنصوص عليه هو “بعد الفحص الأمني”، أي اشتراط الدخول بالفحص الأمني.

ويشير المطعني إلى أن هذه المشكلة أدت إلى ظهور مافيات خفية وطرق ملتوية لإدخال الأهل السوريين إلى مصر، ما يجبر اللاجئ السوري الراغب بلمّ الشمل على دفع آلاف الدولارات كثمن لتأشيرة دخول، في وقت أحوج ما يكون فيه السوري إلى المال وإلى الدعم الاجتماعي والإنساني.

ويصف المحامي المصري ذلك بالاستغلال من قبل بعض الأفراد لظروف اللاجئين، لافتًا إلى ارتفاع المبالغ المادية والتي تصل إلى 3000 دولار وأكثر.

ويضيف المطعني أن التضييق على الدخول الشرعي للسوريين لمصر يفتح جبهة للدخول غير الشرعي عن طريق السودان، متحدثًا عن ما يعانيه السوريون في ذلك من مشاق، فضلًا عن تعرضهم للسرقة والنهب والموت أحيانًا في الصحاري والطرق التي يجهلونها، بعد أن يتركهم المهربون عرضة للضياع في الصحراء الواسعة.

هكذا يبقى حلم لم الشمل للسوريين في مصر، معلقًا في حبال الانتظار التي تزداد تعقيدًا يوما بعد يوم، في ظل عدم وجود منفذ قانوني يمكن من خلاله جمع شتات عائلات كثيرة فرقتها الحرب، ولم يعد يجمعها إلا وسائل تواصل افتراضية، تزيد الألم وتكرس حالة اليأس التي تأصل المعاناة السورية المستمرة منذ خمس سنوات.

الوسوم