في موسم الهجرة إلى الشمال.. القاهرة تكشف عن وجهها “العنصري”

في موسم الهجرة إلى الشمال.. القاهرة تكشف عن وجهها “العنصري”

تعاني القارّة الأفريقية من عدّة صراعات سياسيّة مسلّحة في عدد من البلدان، وتواجه ظروفًا اقتصادية صعبة تجبر سكّانها على النزوح الجماعي أو الهجرات غير الشرعيّة التماسًا للنجاة أو الحياة في بيئة أخرى أكثر أمنًا واستقرارًا، ومصر هي إحدى الدول التي يقصدها اللاجئون أو المهاجرون القادمون من جنوب القارّة، للمكوث فيها مؤقّتًا، أو الاستقرار، بقصد التعليم أو الاستشفاء، أو إعادة التوطين في بلدان أخرى من خلال مكاتب المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين، لكن كيف تجري معاملة هؤلاء اللاجئين خاصة من ذوي البشرة السوداء داخل بلد يعاني من الأمّية والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يشهدها بعد مرور أكثر من خمس سنوات على  ثورة يناير التي أطاحت بنظام مبارك الذي ساد البلاد لأكثر من 30 عامًا.

تنسيم عبدالرحمن، 21 عامًا، سودانية، قدمت إلى القاهرة في سنّ عشر سنوات، لتقيم مع والدتها في بيت جدّها، في منطقة مصر الجديدة، الأم التي أُغرمت بالقاهرة بثّت هذا الغرام لطفلتها التي أصبحت هي الأخرى متشوّقة للعيش في القاهرة، لرؤية جمالها الذي لطالما سمعت عنه من خلال قصص والدتها.

“كان الحماس يملؤني وأنا أستعّد لأول يوم لي في مدرستي القريبة من محلّ إقامتنا الجديد في القاهرة، لكن هذا الحماس ما لبث أن تحوّل إلى إحباط وخجل بانقضاء اليوم الأوّل لي وسط أقراني من أطفال القاهرة، في هذا اليوم اكتشفت أنني مختلفة عنهم، لون بشرتي مختلف وطريقة نطقي للحروف العربيّة مختلف، تعبيرات وجوههم أخبرتني أنني شخص مريب بالنسبة لهم، وعندما عدّت إلى أمّي في نهاية ذلك اليوم أخبرتها أنني لا أرغب في الذهاب إلى المدرسة مرّة أخرى”، تقول تنسيم.

استطاعت والدة تنسيم أن تقنع صغيرتها أن ما حدث معها أمر عاديّ تستطيع أن تتجاوزه بمرور الوقت، وبالنسبة لطفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها تقبّلت ما أخبرتها به والدتها، لكنّها مع مرور الوقت تاكّدت أن القاهرة ليست المكان الأمثل لها، لم يتوقّف الأمر عند تصرّفات طفولية من أقرانها تجاهها، بل امتدّ للمعلّمين الذين يتوجّب عليهم التحلّي بقدر من الثقافة واللياقة في التعامل مع أطفال صغار، واحد من معلّمي المدرسة كان يفرّق بين تلميذتين في فصل تنسيم لهما الاسم نفسه، كان ينادي إحداهما “رحاب البيضا” و”رحاب السمرا”.

تسنيم التي درست إدارة الأعمال في إحدى الجامعات الخاصّة في القاهرة، آثرت السفر إلى أمريكا حيث يعيش ويعمل والدها سودانيّ الجنسيّة، واصطحبت والدتها معها، أملًا في إيجاد مجتمع أفضل يستطيع أن يتقبّل الاختلاف حتى لو كان في لون البشرة، “هنا لا يوجد أدنى مقارنة مع ما كنت أعانيه في القاهرة، هنا الاختلاف الوحيد الذي أراه في عيون الناس هو حجابي بسبب أنني مسلمة، ورغم ذلك لا أستطيع تشبيه هذه المعاناة بما واجهته في القاهرة بسبب لون بشرتي، ورغم عشقي للقاهرة الجميلة فأنا لن أقصدها مرّة أخرى إلا لزيارة خاطفة لا تتجاوز عدّة أيّام”، تقول تسنيم.

يتركّز سكّان مصر في 7.7% فقط من إجمالى مساحتها التي تبلغ مليون كيلومترًا مربعًا، والكتلة السكانية الأكبر تنتشر بطول نهر النيل باتساع الدلتا، وتبلغ الكـثافة السكانية حوالي 1130 نسمة لكل كيلومترا مربعًا، للمساحة المأهولة فقط، وسجّلت القاهرة أعلى معدل للكثافة السكّانية وهو 47.285 نسمة كيلومترا مربعًا، يليها محافظة الجـيزة 6.122 نسمة لكل كيلومترا مربعًا، وفقًا لإحصائيات الهيئة العامة للاستعلامات.

في أحد شوارع مدينة 6 أكتوبر الهادئة اقتربت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها 6 سنوات من مجموعة أطفال يشتركون في اللعب، تحمل هذه الصغيرة كرة بين يديها وتقترب من أقرانها لتدعوهم للعب معها، “نظروا لها نظرات استهجان، تعجّب أحدهم من عرضها وطلب منها ساخرًا أن تستحم أولًا”، ياسمين، طبيبة سودانيّة، 30 عامًا، “اضطرّتها” ظروف دراستها لطبّ الأسنان أن تقصد مستشفيات القاهرة منذ ثلاث سنوات لتكمل ما درسته في الخرطوم، كانت شاهدة على هذا الموقف الذي تعرّضت له الطفلة السودانيّة ذات البشرة السوداء.

“في المستشفى وكلّما اقتربت من مريض لتوقيع الكشف عليه أفاجأ بهذه النظرة المؤلمة والسؤال المتكرر عمّا إذا كنت أنا الطبيبة أم لا، الناس هنا لا يتقبّلون كوني طبيبة بسبب لون بشرتي، يعتبروننا بشرًا من درجة أدنى، غير مؤهلين لمثل هذه المهن الراقية، لا يليق بنا إلا العمل خادمات في المنازل”، ياسمين تنتظر أن تنهي دراستها لتعود إلي الخرطوم في أقرب وقت، لا تفكّر “أبدًا” في الاستمرار هنا في القاهرة، ستعود إلي بيئتها التي لا تجد في لون بشرتها أي شيء غريب أو مثير للريبة أو السخرية.

مصر بلد عبور للاجئين وملتمسي اللجوء ووجهة يقصدونها أيضاً، وخاصة اللاجئين الإيريتريين، والإثيوبيين، والعراقيين، والصوماليين، والسودانيين، والسوريين، وكذلك اللاجئون الفلسطينيون الفارُّون من الجمهورية العربية السورية، وفقًا للموقع الإلكتروني للمفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين.، وتشهد هذه البلدان صراعات مسلّحة إضافة إلي ظروف اقتصادية صعبة، تقع دول إرتريا والصومال والسودان جنوب مصر التي يقصدها اللاجئون والنازحون أملًا في الهروب إلى أوربا من خلال مكاتب المفوضيّة التي تعكف على التحقق من ادعاءات ملتمسي اللجوء ثمّ تقرر المساعدة المناسبة لهم.
منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف، أوصت  في بيان لها عقب حادثتي غرق لمهاجرين غير شرعيين في البحر الأبيض المتوسط، باتخاذ إجراءات جماعية وسريعة، وشجاعة ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة في بلدان المنشأ  – النزاعات والفقر والتمييز – لتجنب تكرار الخسائر المأساوية”.

داخل إحدى عربات المترو ارتدى عدد من الأطفال زيًّا مدرسيًّا موحّدًا، كانت أعمارهم متقاربة، حوالي 12 عامًا، بمرور الوقت راحوا يغنّون بلغة غريبة لم يستطع ركّاب العربة فهمها، مجموعة من البالغين المصريين وجدوا ان ما يفعله هؤلاء الصغار ذوو البشرة السوداء هو مادة للسخرية والضحك، أحدهم أمسك طفلة من شعرها كأنّها دميته، وآخر بدأ يشبههم بأوصاف ساخرة تتعلّق بلون البشرة، فتوقّف الأطفال عن الغناء وانتظروا وصول القطار إلي المحطّة التي يقصدونها، وعندما أصبحوا على الرصيف خارج العربة، وفي اللحظة التي أُغلقت فيها الأبواب كانت أفواههم تبصق على ركّابها بشكل عشوائيّ، يروي إبراهيم، 35 سنة، مدرّس لغة عربية، كان شاهدًا على ما حدث، “كنت ممن أصابهم بُصاق الأطفال، لكنني رأيت أن ما فعلوه كان عقابًا عادلًا لعنصريتنا، على عكس سيّدة كانت تجلس بجواري راحت تسبّهم، وتستنكر ما فعله هؤلاء الأغراب الذين تأويهم بلادنا”.

أسماء علي، استشاري التنمية والناشطة الحقوقية، كانت شاهدة على فضّ قوّات الأمن المصري لاعتصام اللاجئين السودانيين أمام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في العام 2005، وعملت في المفوضية بقسم الخدمات المجتمعية، منذ عام 2009، ما مكّنها من التعرّف على قصص كثيرة للاجئين خاصة اللاجئات اللاتي لا يتحدّثن اللغة العربيّة.

“الصورة الذهنية التي يبنّاها المصريون عن البشر ذوي البشرة السوداء، هي صورة الخادم أو حارس العقار، أو حتى العبد القادم من أدغال أفريقيا محمّلًا بالأمراض”، “امشي من هنا يا معفّنة”، “انت اتحرقت في الفرن”، “بطاطا محروقة”، هذه الأوصاف يقذفها العامة في وجوههنّ، كانت أسماء شاهدة على حالات كثيرة لضحايا تحرّش أو اغتصاب، استغلّ الجناة ظروفهم الاقتصادية الصعبة التي تجبرهنّ على العمل خادمات في البيوت، إضافة إلى عائق اللغة الذي يحول بين الضحايا وبين السلطات المحلّية التي تواجه مشكلات داخلية متجذّرة فيما يتعلّق بحقوق الإنسان. إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية غير المستقرّة التي تمرّ بها مصر.

تنويه: جرى تغيير بيانات بعض المصادر التي شاركت في التقرير وإخفاء بعضها بناءً على طلبها

  

الوسوم