في صحبة السيد عبدالرحيم القنائي

كتبت- هاجر جمال

يحتفل أهالي قنا كل عام، في مثل هذا الوقت بمولد السيد عبد الرحيم القنائي (1127- 1196م)، المغربي الأصل والنشأة، والذي أقام في قنا حتى وفاته،

كان موسم الحج العاشر، عندما التقى في مكة بأحد الشيوخ الأتقياء الورعين القادمين من مدينة قوص، عاصمة صعيد مصر، وهو الشيخ مجد الدين القشيري، ودار بينهما حديث، فتعارُف، فأُلفه، وأصر بعدها القشيري أن يصحب شيخنا عبد الرحيم إلى مصر وإلى قوص وقنا، حيث مجتمعها المتعطش إلى علم وفضل أولياء الله الصالحين.

ويقول الإمام السيوطي في كتاب حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة “وما زال الشيخ يحاوره ويدلل على حججه وعلى أن عبدالرحيم ليس له ما يربطه بمكة والمدينة أحد أو شيء، وأن واجبه الإسلامي يدعوه إلى الإقامة في قوص أو قنا ليرفع راية الإسلام، وليعلم المسلمين أصول دينهم وليجعل منهم دعاة للحق وجنودا لدين الله.”

إلى قنا

وافق عبد الرحيم على الرحيل إلى مصر فجاء بصحبة الشيخ مجد الدين القشيري الذى كان يعمل حينئذ إماما بالمسجد العمري بقوص، وكانت له مكانته المرموقة بين تلاميذه و مريديه وكان ذلك في عهد الخليفة العاضد بالله آخر خلفاء الدولة الفاطمية، ولكن عبد الرحيم لم يرغب البقاء في قوص، وفضل الانتقال لمدينة قنا تنفيذا لرؤى عديدة أخذت تلح عليه في الذهاب إلى قنا والإقامة بها، ولأن قوص ليست في حاجة شديدة إليه، فقد كانت وقتها مليئة بالعلماء والفقهاء وكبار المفكرين من أهل الدنيا والدين.

بعد أن أمضى عبدالرحيم ثلاثة أيام بقوص رحل إلى قنا، حيث التقى بالشيخ عبد الله القرشي، أحد أوليائها الصالحين، فانعقدت أواصر الألفة بينهما وتحابا في الله، وقد ساعد جو قنا الهادئ الشيخ عبدالرحيم على حياة التأمل فأمضى عامين كاملين يتعبد ويدرس ويختلي بنفسه ليتعرف على خباياها ولا يقطع عليه هذا الاختلاء وذاك التعبد إلا خروجه للتجارة، التي يعتمد عليها في معاشه، فقد كان قد اتخذ لنفسه منهاجا لا يحيد عنه طوال حياته، وهو العمل بيده حتى يكسب قوته.

درَّت عليه التجارة في قنا ربحًا وفيرًا ساعدته على الإنفاق على فقراء الطلاب والراغبين في العلم، وغير القادرين من أبناء المسلمين.

وقد كان للشيخ مدرسته الصوفية الخاصة، التي تسمح للطرق الصوفية الأخرى بالأخذ منها من غير الخروج على طرقها، إذ كان يقول: إن الدين الإسلامي، دين علم وإخلاص، فمن ترك واحدة فقد ضل الطريق.

وقد أفاض في شرح نظريته هذه في كتاباته إذ كان يهتم دائما بالحديث عن العلم، إيمانا منه بأن العلم دعوة سماوية ومتممة للعمل، وقد ترك الشيخ عبد الرحيم الكثير من المؤلفات منها تفسير القرآن الكريم ورسالة في الزواج وكتاب الأصفياء وغير ذلك الكثير.

وبعد تولي الأيوبيون مقاليد الأمور في مصر، عملوا جاهدين على القضاء على المذهب الشيعي السائد في عهد الدولة الفاطمية ونشر المذهب السني، وكانت وسيلتهم في ذلك تولية شؤون البلاد وحكمها لأصحاب المذهب السنى وخاصة المذهب الشافعي، مذهب الأيوبيين الخاص.

وأصدر الملك العزيز بالله ابن صلاح الدين الأيوبي قرارا بتعيين الشيخ عبد الرحيم شيخا لمدينة قنا، ومنذ ذلك التاريخ أصبح شيخنا يعرف بـ”القنائي” أو قطب قنا.

تزوج الشيخ عبد الرحيم بابنة الشيخ القشيري وبعد وفاتها تزوج ثلاثة أخريات أنجب منهن تسعة عشر بين بنين وبنات، واستقر الشيخ عبد الرحيم القنائي بقنا، بعد أن تولى شياختها وكان مركزه زاوية بجانب ضريحه الحالي يجتمع فيها بالوافدين عليه من كل مكان، حتى توفى سنة 592 هجرية بعد أن عاش نحو 70 عامًا.

 

الوسوم