فى الذكرى الـ42 لنصر أكتوبر.. محارب فيومي يروي تفاصيل الحرب والانتصار

فى الذكرى الـ42 لنصر أكتوبر.. محارب فيومي يروي تفاصيل الحرب والانتصار
كتب -

محمد الفيومي:

“مخفتش من الموت”.. والمشير الجمسي كرمني

رأيت مناظر موجعة تدفع للثأر أكثر من الالتزام بتعليمات القيادة

مصر  تستاهل من ولادها كل تعب وجهد

حوار – زينب علاء:

“صديقي العزيز.. أكتب إليك وأنا على الجبهة، أتشاطر السلاح والأفراح والأتراح مع الرفقاء، اشتقت إلى رؤيتك على المدفعية، وإلى لحظات النصر، وإجلاء العدو من سيناء والقنال، من صديق الجبهة والمدفعية، أكتوبر 1975”.. كان هذا خطاب مر عليه ما يقرب من 40 عامًا، أرسله محمد الفيومي، أحد جنود 6 أكتوبر 1973 إلى أحد رفاقه في فترة الحرب.. “ولاد البلد” استضافت البطل، ليحدثنا عن النصر والجبهة والرفاق، والكثير من الذكريات.

* ماذا يقول محمد الفيومي عن نفسه؟

أنا جندي ﻣﺠﻨﺪ محمد محمود أبو العطا رقم ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻭ 601 – اﻟﻔﻮﺝ 47 ﺩﻓﺎﻉ ﺟﻮي، ﻣﻦ ﻧﺰﻟﺔ ﺍﻟﺤﺮﻳشي ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻟﻔﻴﻮﻡ، ﻣﻮﺍﻟﻴﺪ 12 مارس 1951، ﺟﻨﺪﺕ ﺑﺎﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ في 3 مارس 1971، لي تسعة من الأخوة أنا الثاني بينهم، شرفت بالخدمة في الجيش المصري وخضت حرب 1973 على سلاح الدفاع الجوي.

* بماذا كنت تشعر وقت طلبك للخدمة في هذا الظرف العصيب؟

وقتها كان عندي 21 سنة، لم أتلق تعليمي، كنت مجرد فلاح بسيط منعته ظروف أسرته من أن يكمل تعليمه، ولم أفكر في الزواج، وقت النكسة في 1967، كان عمري 17 سنة، كنت في أشد الغيظ ولم يكن باستطاعتي تقديم أي شيء لمساعدة بلدي في هذه الظروف، وبعد 4 سنين طلبت للخدمة، الأسرة كلها كانت مبتهجة بالخبر، استشعرت إن ده الوقت الذي كنت أتمناه إني أشارك في حرب وآخذ ثأرنا من الصهاينة.

* ماذا كانت استعدادات سريتك قبل الحرب؟

ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﻔﺘﺮﺓ ﻛﻨﺎ نجري ﻋﻤلية ﺗﺠﻬﻴﺰﺍﺕ، ﻭﺗﺤﺮﻛﺎﺕ وﺗﻨﻘﻼﺕ ﻣﻦ ﻣﻮﻗﻊ ﻟﻤﻮﻗﻊ لتمويه العدو، كان موقعنا قبل الستار الترابي بـ500 متر، كنت أقود مدفعية طراز 100 مللي، يوم 4 أكتوبر تحركت السرية بمعدتها لموقع جديد، حسب التعليمات التي صدرت من قيادة العمليات، وجاءت الأوامر بعدم التحرك أو نظهر للعدو، من الضفة الثانية.

كنا صائمين، ويوم 5 أكتوبر لقينا المراكب المطاطية والخراطيم وفرق من الضفادع البشرية، ويتم التجهيز لاختراق الساتر الترابي، التزمنا الموقع حسب التعليمات وكانت سريتنا أحد نقاط البدء باختراق الساتر الترابي.

* متى صدرت التعليمات بساعة الصفر وبدء القتال؟

لما صدرت التعليمات بالتزام الموقع وفرق المشاة والضفادع البشرية قربت مننا حسينا إن وقت الحرب اقترب، ويوم 6 أكتوبر صدرت تعليمات من القيادة، بعدم إطلاق أية نيران من مدافع السرية، لمرور طيران مصري سيخترق جبهة العدة، ويمطرهم بالقذائف، ﺍﻟﺤﺮﺏ بدأت ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ الثانية إﻻ ﻋﺸﺮ ﺩﻗﺎﺋﻖ، وبدأ الاشتباك، أول ما شفنا الطيران المصري يمر.

كبرنا كلنا في صوت واحد “الله أكبر”، ويوم 7 و8 أكتوبر بدأ العدو يقذف بطلقات وأصيب مجند من سريتنا، ﻛﺎن هو موظف اللاسلكي بيننا وبين القيادة في القاهرة، أصيب إصابة ﺳﻄﺤﻴﺔ، ﻛﻨﺎ 4 ﺳﺮﺍﻳﺎ، اثنتين عبروا اﻟﻤﻌﺒﺮ، والباقين وقفوا بالقرب منا، نظرًا لثقل حمولة المدفعية وعدم تمكنها من عبور المعبر، وحتى يوم 21 لم يسقط شهداء آخرين من سريتنا.

وﻳﻮﻡ 23 أكتوبر وردت ﺗﻌﻠﻴﻤﺎﺕ من قائد السرية، ألا يتم الاشتباك ﻣﻊ أهداف ﺟﻮﻳﺔ، فمرت طائرة مدفعية، صوبنا ناحيتها أنا وزميلي عزت طه حسين على المدفع المجاور، ونجحنا في إسقاطها، ثم أﺑلغنا ﻋﻦ ﺳﻘوط الطائرة، ووبخنا على الاشتباك، وقلت له “يا فندم لو المدفع مش هيضرب، سيتم ضربه والتصويب ناحيته”، وظللنا موجودين في الموقع آﺧﺮ ﺿﻮء شمس، ثم صدرت أوامر بالرجوع.

* ماذا كانت علاقتك حينها برفقائك في الكتيبة؟

كنا جميعا روحًا واحدة لرجل واحد، نأكل ونشرب ونغنى، ونتدرب، الحياة علي الجبهة وقت الحرب كانت أفضل فترة عشتها في حياتي، شعرت بانتمائي لبلدي، وسلاحي كان صديقي وقت الشدة، ووقت الخوف، لم نكن نخشى شيئًا.

* ما أكثر ما يعلق في ذاكرتك من الحرب حتى الآن؟

لم أنسى حتى الآن مشهد استشهاد ﺯﻣﻴﻠﻨﺎ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻔﺘﺎﺡ، كان مجند مدفعية، ويوم حصلت غارة وتم ضرب أهداف تابعة للجيش المصري، وكان من ضمن الأهداف اللي تم قصفها، كانت مدفعية زميلنا عبد الفتاح، سقطت إحدى القذائف عليه فشطرت جسده نصفين، وآخرون منهم الضابط إسماعيل، أحد قادة السرايا، استشهد أمام عيني، ﻛﺎﻧﺖ أجسادهم أشلاء ممزقة، مناظر موجعة تدفع للثأر أكثر من الالتزام بتعليمات القيادة.

* هل تم تكريمك من أحد القادة فى سريتك أو على مستوى القوات؟

نعم كنا في عرض للمدفعية حضره المشير الجمسي، وزير الحربية آنذاك، كنت في أشد الحماسة وقتها، فمهارتي بالمدفعية جعلتني واثقًا من نفسي.

ووسط العرض قام المشير الجمسي وطلب المسؤول عن سريتي، ثم طلبني، ألقيت التحية وقتها وقال لي “أنت عسكري ماهر وجدع يا محمد، وأشار إلى بقية زملائي، وقال لهم تعلموا منه” وأعطاني مكافأة رمزية وقتها تبلغ عشرون جنيهًا، شعرت باعتزاز شديد ولم أنسى هذه الذكرى من يومها.

* ماذا يتمنى محارب قديم لمصر في هذه الظروف؟

والله البلد اللي حاربنها عشانها وضحينا بدمنا نتمنى من ربنا نشوفها أحسن بلد في الدنيا، مصر بلد تستاهل من ولادها كل تعب وجهد، ولو كان لي أن أطلب، لطلبت النظر إلى المقاتلين الذين علي قيد الحياة، وتكريمهم، فهم من أشجع الرجال.