“غني يا سمسمية لرصاص البندقية”.. أغان من “القناة” قاومت مع الشعب

“غني يا سمسمية لرصاص البندقية”.. أغان من “القناة” قاومت مع الشعب
كتب -

“ولكل إيد قوية.. حاضنة زنودها المدافع.. غنى للمدافع.. وللى وراها بيدافع.. ووصي عبدالشافع.. يضرب في الطلقة مية.”

تحمل أغاني “السمسية” طابع المقاومة في الكثير من أدوارها، وتشتهر بالأغاني الحماسية التي كانت تُعزف للجنود على الجبهة قبل حرب أكتوبر، فارتبطت السمسية في ذهن كثيرين بأغاني المقاومة، وحكايات الغريب وأغاني القناة.

في ذكرى نصر أكتوبر تحدثنا مع الريس زكريا إبراهيم، مؤسس فرقة الطنبورة، عن أغانى المقاومة الشعبية فى مدن القناة .

والريس زكريا من مواليد 1952 في حى العرب بمدينة بور سعيد، عاصر التهجير عام 1969، وكان عمره وقتها 17 عاما.

قسم الريس زكريا الأغاني إلى مراحل تاريخية، كل مرحلة ارتبطت بمدينة، فالمرحلة الأولى لمدينة الإسماعيلية في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، والمرحلة الثانية في عام 1956 والعدوان الثلاثي وارتبطت ببورسعيد، والمرحلة الثالثة مرحلة التهجير ومدينة السويس بأغاني المقاومة المميزة.

أما حركة الفدائيين في منطقة القناة وقبل ثورة يوليو، وخاصة في الإسماعلية وأحداث 25 يناير 1952 ومبنى محافظة الاسماعلية، الصمود أمام الإنجليز فارتبطت بأغاني المقاومة، وكانت هذه الأغنية: “في يناير 25 من عام 52 ضربوا المحطة بالمدافع ميدان.. واستشهد بعض الأبطال دماهم للثورة شرار.. ال‘سماعلية شباب أحرار”.

وفى مرحلة 52 ثورة يوليو ظهرت أغاني للثورة مثل: “ثورة ولا كل الثورات.. ثورة كان ليها حكايات”، وأثناء حرب 56 في بورسعيد، ظهر كم كبير من الأغاني، التى تنبع من الحركة الوطنية، منها “في بور سعيد الوطنية.. شباب مقاومة شعبية.. دافعوا بشهامة وروجولية.. حربوا جيش الاحتلال.. مبروك يا جمال”، وأخرى “في بور سعيد شباب ورجال حاربنا جيش الاحتلال سبع ليالي وصبحية اه يا سلا يا سلام”.

وأيضا أغنية:

بلدي يا بلد الفدائيين.. بلدى يا بلد الثوريين.. بافخر بيكى في كل مكان.. و أحلف بيكى ألف يمين .. أه بلدى يا بلد الفدائيين”.

مؤلفو أغاني المقاومة الشعبية في السمسمية

من أشهر مؤلفي الموجة الأولة لأغانى المقاومة الشعبية فى السمسمية: محمد أبو يوسف- كامل عيد- الدَّاش عبدالسلام، وهناك كتاب آخرين كثر، لكن أغانيهم لم تنتشر مثل الثلاثة المذكورين وذلك لشعبية أغانيهم وتبنيهم للوجدان الجمعي وارتباط أغاني المقاومة بالوضع السياسي آنذاك.

وليس كل أهل السمسية من جمهور المخانات

الداش كان صاحب مخانة

كامل عيد كان رجل مثقف ثم كتب للسمسمية

محمد أبو يوسف كان صحبجى ضمة بالاساس

السمسية

السمسمية تاريخيا قبل 1956 كانت غير منتشرة في بور سعيد، نعم كانت موجودة لكن لم تكن نالت حظها في الانتشار، واقتصر وجودها على بعض المقاهي والغرز والمخانات وارتبطت بنوعية معينة من جلسات السمر فوق سطح أو جلسات خاصة.

أما الأكثر انتشارًا في شوراع بور سعيد في ذلك الوقت، فكان أغاني الضمة وهى أغاني صوفية في الأصل، وهي عبارة عن تخريجة بين الأغاني الصوفية القديمة والأغاني الحديثة المصاحبة للجرامافون في بداية القرن العشرين، لكن بموسيقى وإيقاعات الحضرة والذكر.

كان لأهل الضمة طقوسهم الخاصة كصوفيين، وكانوا في البداية يرفضون دخول السمسمية لتصاحبهم واكتفوا بالآلات الإيقاعية، أمام “منقد” النار المشتعل، وهم جلوس على الأرض أو مكان منخفض.

لكن العام 1956 كان نقطة تحول لانتشار السمسمية، لأن ظروف الحرب مختلفة، وتطلبت غناء جديدًا، وكانت السمسية لديها الجواب على متطلبات أحداث الحرب، ففرضت نفسها على أغاني الشارع بجماهيرتها، وأصبح الإيقاع السريع موائم للظرف السياسي.

في عام 1967 بدأ التهجير من مدن القناة، وتأخر التهجير في مدينة بور سعيد لسنة 1969، بسبب وجود الأسطول الروسي، وبدأت تتغير الأغاني، لتصبح أغاني عن المهجر والحنين إلى مدينة بور سعيد.

ويصدح الفنان إبراهيم الباني، بأغنيته عام 1969 “يا مسافر بور سعيد عند البلد الحزينة.. سلم على كل نسمة بترفرر على المدينة.. وهات حفنة تراب.. واقطفلي عرق غاب.. اه يا بلدي يا عزيزة.. في نسمتك اللذيذة.. شوق يوم عن يوم بيزيد يا غالية يا بور سعيد”.

وكذلك أغنية “فجر الرجوع أهو لاح.. نور يا نور الصباح.. نور بلدنا الحبيبة.. خلي السحابة الكئيبة.. تبعد عن الشمس وعن ضى القمر.. عشان خلاص راجعين.. راجعين بور سعيد”.

وتشكل في مدن القناة ثلاث فرق في ثلاث مدن بثلاث شعراء لأغاني المقاومة، هم: كامل عيد، صاحب أغنية، بلدي يا بلد الفدائين، وهو مؤسس فرقة شباب النصر في بورسعيد أيضًا، والفرقة الثانية هي فرقة حافظ الصادق، الذي أنشأ فرقة الصامدين في الإسماعلية، والثالثة هي فرقة كابتن غزالي، الذي أسس فرقة ولاد الأرض في السويس، وكانت الأكثر انتشارًا وشعبية، ثم ظهرت الأغاني السويسية.

أمثلة من الأغاني السويسية

“غني يا سمسمية لرصاص البندقية.. ولكل إيد قوية.. حاضنة زنودها المدافع.. غني للجنود.. سمير وعلى ومسعود .. وغباشي لاجل يعود.. ومعاه النصر هدية”.

“فاكرينك يا سينا.. فاكرينك يا سينا.. ياقصتنا الحزينة.. يالون حصاك.. بدم أعادينا”.

“وعضم إخواتنا نلمه ونسنه.. ونعمل منه مدافع وندافع.. ونجيب النصر هديه لمصر”

“يا ريس البحرية يا مصري.. يا أبو العرق مصري.. يا أبو الكفاح مصري.. هات الدراع”.

السويس بعد حرب  1967

لا يشترط أن تكون هذه الفرق الثلاث السالفة هي التي مثلت أغاني المقاومة الشعبية في القناة، لكنها أشهر الفرق، فهناك فرق أخرى كانت تغني للمقاومة في مدن القناة، لكن بشكل أقل انتشارا وفي المقاهي بأعداد صغيرة.

وقد ارتبطت السمسمية بالظرف السياسي، فانتشرت في بور سعيد مع حرب 56، وفي السويس أثناء حربي 67 والاستنزاف، بينما الإسماعلية كان جوها أهدى في المقاومة من المدن الأخرى وبالتالي كانت أغاني المقاومة والكلام الثوري أقل.

وفى حرب أكتوبر 1973 زود بعض المغنين كلمات وأبيات إلى أشعار السمسمية لتناسب الحدث الجديد، مثل أغنية “مبروك يا ولاد بلدنا يوم عيد الانتصار.. في ديسمبر النصر جانا والفرحة في كل دار” وهي أغنية عن 56، زوّد عليها “وعبرنا بارليف 73”.

وفى ثورة يناير 2011 شاركت فرقة الطنبورة في الأحداث، وشاركت بخمس حفلات في ميدان التحرير.

عن الريس زكريا إبراهيم

من مواليد 1952 في حى العرب بمدينة بور سعيد، عاصر التهجير عام 1969، وكان عمره 17 عاما تقريبا.

قبل التهجير لم يكن الريس زكريا “صحبجيا”، لكنه كان يشاهد طقوس الضمة في الشارع من بعيد دون مشاركة، وكان يتدرب في فرقة بورسعيد للفنون الشعبية على الرقص الشعبي دون مشاركة رسمية في أي عروضها.

بعد التهجير اتجه إلى السنبلاوين وعاش بها، وعندما سمع “يا مسافر بورسعيد عند البلد الحزينة” اتبع نداء السمسمية، إذ كانت السمسية وسيلة ترابط لأهل القناة خارج مناطقهم الأصلية، فقد دخلت فرق السويس والإسماعلية في المحافظات التي هاجروا إليها، وشاركت في تطوير الرقص.

في عام 1971م التحق الريس زكريا بمعهد التعاون الزراعي بشبرا، وانتقل إلى القاهرة، واشترك بالحركة الطلابية بنشاط، وقبض عليه عام 1974 من نادي أدب قصر ثقافة بورسعيد.

مع وضع المنطقة الحرة في بورسعيد وتغير الموسيقى الشعبية وطبيعتها واختفاء الصحبجية القدماء، عمل على إعادة تجميع االسمسمية القديمة، وحاول العمل بعيدًا عن قصور الثقافة التابعة للحكومة.

في  عام 1980 فكر فى جمع تراث موسيقى السمسمية والطنبورة، وكتب في نشرة غير دورية اسمها التنوير عن جمع التراث فى القنا، كما أسس فرقة الطنبورة في 23 ديسمبر 1988 أثناء حفلة في حزب التجمع، لتعرض نشاطها في مدينة بور سعيد كل أربعاء.

كما أسس  فرق للتراث والموسيقى الشعبية المصرية، ويرعى  فرق أخرى، مثل الطنبورة- فرقة الوزيرى في الإسماعلية 1994 مع عازف السمسية محمد الوزيري، وتعرض فنونها كل ثلاثاء في مقهى أبوصباع بشارع عبد الحكيم عامر.

بجانب ذلك أسس فرقة الحنة السويسي عام 1994 وحفلتها كل إثنين، في مركز كابوريا الثقافي بالمثلث، ومن الفرق كون المركز الأوطي للثقافة، وهدفه تنظيم حفلات في الجامعات والريف وللصيادين.

في عام 1996 أسس فرقة الرانجو وعازفها حسن ديدموا، بجانب اكتشاف ورعاية فرقة البرامكة بالمطرية، وهم عائلة يتوارثون فنونهم من أجدادهم، وفي عام 2003 أسس فرقة الجركن البدوية، بمعاونة عازف المقرونة مدحت لتقديم التراث السيناوي، ورعاية فرقة مزامير النيل وتقدم تراث سوهاج وهم عائلة واحدة، بجانب فرقة الكفافة وتأسيس فرقة نوبة نور، برعاية فرقة دراويش أبو الغيط ، وتأسيس فرقة أسياد الزار.

حصل على العديد من الجوائز داخل وخارج مصر، وجمع تراث السمسمية من خلال التسجيل مع أكبر الناس سنا مثل علي أبو حجي مواليد 1913 وأحمد السواحلي مواليد 1916، ومطابقة الحكي الشفاهي للوصول إلى نص واحد.

مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية

أسس مركز المصطبة عام 2000، وهو مكتب وأرشيف واستوديو وإدارة، يعمل إدارة 12 فرقة منهم 7 فرق أسسهم الريس زكريا في تأسيسهم، و5 فرق برعايته، ويوثق مركز المصطبة الموسيقى الشعبية الأصلية، وينظم حفلات الفرق بمواعيد ثابتة ومنتظمة، بجانب تسجيل المواد الفنية، وإصدار أسطوانات لأغانيهم.

مسرح الضمة

نتج عن تكوين الفرق ضرورة أن تعمل هذه الفرق في مناطقها وفي القاهرة، بجانب التدريب المستمر ومقابلة الجمهور، فتؤدي الفرق حفلات أسبوعية، فكان المسرح مكان يلتقي فيه الجمهور وفرق المصطبة بشكل دائم، ليس مجرد حفلتين في العام بالأوبرا.

بجانب ذلك يهدف مسرح الضمة إلى إحياء الموسيقى الشعبية مع الفرق خارج الإطار الرسمي، وبعيدا عن تزمت العمل الحكومي وقصور الثقافة والهيريكلية الإدارية، التي يكون فيها الفنان الشعبي أقل مكانة فىيالسلم الوظيفي، بينما خارجه هو أهم شخص في المسرح.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

الوسوم