عمالة الأطفال السوريين في مصر.. جريمة تُشرّعها ظروف اللجوء القاسية

عمالة الأطفال السوريين في مصر.. جريمة تُشرّعها ظروف اللجوء القاسية أحد الأطفال السوريين العاملين

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أمام كرسي عال تقف سلمى، ابنة 13 عامًا، على أطراف أصابعها لتصل إلى رأس “الزبونة” في إحدى صالونات الحلاقة بالقاهرة، وبيدها مقص يكبر أناملها الصغيرة.

غادرت سلمى مقاعد الدراسة تاركة تعليمها، لتعمل في أحد صالونات الحلاقة، بعد أن أخذت الحرب في سورية منها شقيقها، فلم تجد والدتها، ذات الـ45 عامًا، بُدًا من إبعاد ابنتها عن التعليم، توفيرًا للنفقات، وإرسالها لتتعلم مهنة، تضمن به دخلًا يعين الأسرة على مشقة الحياة.

سلمى لم تكن هي الطفلة السورية الوحيدة التي تركت مدرستها لأجل السبب ذاته، فهناك كثير من الأطفال السوريين اللاجئين في مصر تركوا التعليم واتجهوا إلى سوق العمل، لأسباب شتى ومختلفة.

ورغم أن القوانين والأعراف الدولية تمنع عمالة الأطفال وتعاقب المتسببين بها والمساعدين على تفشي ظواهرها، إلا أن أحدا لم يسأل يوما عن أولئك الأطفال الذين اضطرتهم الظروف إلى حمل الأحجار واستخدام الآلات الثقيلة الخطرة في الكثير من الأحيان، من أجل تأمين لقمة عيش لهم ولأسرهم، تقيهم من العوز وتبعدهم عما هو أكثر شرا من ذلك.

هل الحرب هي المجرم الوحيد في قتل أحلامهم؟ وما هو موقف الأهل من ضياع مستقبل أطفالهم في سبيل حفنة من المال الآنية؟ وماذا عن أصحاب العمل الذين يتجاوزون قوانين العمل بتشغيلهم أطفالا؟ وأين دور المنظمات الإنسانية الدولية من كل هذا؟

أسئلة تحاول “ولاد البلد” الإجابة عنها في سياق التحقيق التالي.

مخاطر جسدية ونفسية

كادت أن تُقطع يد الطفل السوري محمد، 11 عامًا، أثناء عمله وأخوه في إحدى محال صيانة السيارات في منطقة المطرية بمصر، محمد اضطر للعمل تحت وطأة خضوع والده الأربعيني لعملية جراحية في قلبه، أجبرته الابتعاد عن العمل والجلوس في المنزل مراعاة لصحته، إذ لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات العائلة.

وخلال هذه الأزمة لم يجد من يسانده في استمرار حياته وأسرته، من دفع إيجار منزل و طعام وشراب وغير ذلك، سوى أن يرسل طفليه للعمل مقابل أجر مادي بسيط جدا، لا يزيد عن  400 جنيه مصري للطفل الواحد كمقابل لعمل شهري يزيد عن 10 ساعات يوميًا.

ويقول والد الطفلين لم يكن هناك أي حل إلا أن يعملا، بعد أن طرق جميع أبواب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين السوريين في مصر، طالبًا منهم مساعدتهم لتأمين مقومات الحياة على الأقل، كي لا يحرم أطفاله من تعليمهم وهو أبسط حقوقهم، إذ ذهب إلى مقرها عارضا وضعه الصحي ووضعه المادي، دون جدوى.

رسالة عتاب

الحقوقي السوري فراس حاج يحيى يقول في حديثه لـ”ولاد البلد” إن أزمة عمالة الأطفال السوريين في مصر تتزايد بشكل ملحوظ، معاتبًا المنظمات الدولية والمؤسسات المصرية التي لا تتكاتف جهودها مع المؤسسات السورية في مصر، والتي لا يتناسب عددها وقدراتها مع المسؤولية الكبيرة الكامنة في تحمل جميع أزمات اللاجئين السوريين  في مصر.

حاج يحيى يرى أنه لا يوجد أي عذرٍ أو مبرر لاستغنائها عن دورها، خصوصا للسوريين حق على أخوتهم المصريين.

يتابع كانت هناك عدة مشروعات لم تنفذ بشكل فعلي ولم يكن هناك أي نتائج عملية منها فضاعت الجهود سدى واقتصر الأمر على بعض المبادرات الفردية الضعيفة، التي لم تحقق شيئا.

يضيف حاج يحيى أن الأطفال ليس عائقهم الوحيد هو ارتياد المدارس أو عدم تمكنهم من ارتيادها، إذ إن هناك العديد من المدارس المجانية، لكنهم يحتاجون إلى مبلغ مادي شهريًا، يساعدهم على العيش والاستمرار في الحياة بشكل طبيعي كأقرانهم.

ولا ينكر يحيى وجود تعاطف مصري مع السوريين، إلا أن هذا التعاطف فردي ولا يظهر إلا في الأزمات الفردية، مثل أصحاب العمل المتعاطفين بشكل أو بآخر مع هؤلاء الأطفال، الذين ليس أمامهم إلا طريق العمل ليعيشوا حياة كريمة، منوها أنه يجب الإسراع في اتخاذ خطوات تفيد الأطفال “كافتتاح مدارس مسائية لهم يرتادوها بعد انتهائهم من عملهم”، فالوقوف إلى جانب هؤلاء الأطفال ضرورة يجب أن تساهم بها جميع مكونات المجتمع الرسمية والأهلية، لأنه ليس لهم أي ذنب بما فعلت الحرب وأدت بهم إلى هذا الوضع المأساوي.

الأمراض تأكل الأطفال العاملين

سنوات من العمل المتواصل في نقل الأوزان الثقيلة من مكان إلى مكان آخر، أدت إلى إصابة الطفل معتز بمرض الديسك في ظهره (الديسك مرض يصيب الظهر).

معتز طفل يبلغ من العمر 14 عامًا، لجأ للعمل في أحد المقاهي بعد أن كان يعمل في محلات الدهانات ومستلزمات البناء، وعزف عن ذلك العمل الشاق بعد مرضه، ظنًا منه أن نقل فناجين القهوة وكؤوس الشاي أقل حملًا عليه من السابق، وأن وزن تلك الخِرقة التي ينظف بها الطاولات أحن من الأكياس الثقيلة التي توقعه أرضًا، تاركًا في منزله والدة تنتظر شهريًا ما يقارب 300 جنيه فقط، واعتمادها الأكبر على البقشيش الذي يجنيه طفلها الكادح من الزبائن بشكل يومي، لتسد رمق جوع أطفالها بعد استشهاد والدهم في إحدى الغارات الجوية على أحياء مدينة حمص.

معتز حمل مسؤولية على ظهره أثقل من تلك الأكياس التي تزن ضعف وزنه ربما، فضلا عن اكتسابه عادة التدخين السيئة التي خرج بها من أجواء المقاهي القائمة على الشيشة والسجائر.

غياب رجال الأعمال

20%  من السوريين المقيمين في مصر هم من رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، كما يقول فراس حاج يحيى، الذي يتساءل عن دورهم الغائب في دعم أولئك الأطفال وأسرهم.

يوضح أن على أصحاب الأعمال الوقوف إلى جانب أبناء بلدهم في هذه الأزمة، التي يتعرضون لها خلال السنوات الأخيرة، ولو ساهم كل واحد منه بكفالة جزء من الأطفال الأكثر احتياجًا فإن احتواء هذه الأزمة سيكون أسهل، خصوصًا لو تكاتف أصحاب رؤوس الأموال لإنشاء مشاريع خاصة للأطفال المتسربين لأسباب مادية، يمكن أن تنتهي الأزمة، وإن لم يكن مشاريع فدخل مادي شهري ثابت لهم يعينهم على قضاء احتياجاتهم وبالتالي متابعة دراستهم.

منظمات دولية غائبة

“لا يعينونا إلا بالفتات” هكذا أجابت والدة أحد الأطفال العاملين، التي طلبت ألا يذكر اسمها، موضحة أن المنظمات الدولية التي تدعي معونة السوريين في مصر، لا تفعل ذلك إلا بالقليل، رغم قطعهم الوعود الكثيرة التي أثقلت كاهل الأمل لدى الناس، مشيرة أن طفلها يعمل كالكبار، بعد أن حولته ظروف اللجوء والحاجة إلى رجل المنزل الصغير، الذي يتحمل كافة أعبائه دون أن يكون له معين بعد أن قتلت الحرب أباه.

أفضل من أن يصبح سارقا

” الأطفال العاملون لدي يحتاجون للمال، وأنا لا أريدهم أن يصبحوا سارقين”، بهذه الكلمات يجيب أحد أرباب العمل عن سبب تشغيله الأطفال لديه، موضحًا أنه يراعي هؤلاء الأطفال كمحتاجين، وأنه لو منعهم من العمل فإن أحدا لن يتكفل بهم، وبالتالي سيتسبب في إنتاج سارق أو متسول في الشوارع، متواكل على غيره، فالعمل أفضل لهم لتأمين حياتهم وأسرهم.

هكذا يصبح التعليم حلما من أحلام الكثير من الأطفال السوريين، بعد أن كان حقا من حقوقهم، ليدخلوا سوق العمل مبكرا، تحيطهم الحياة بمصاعبها، ولا يعرفون سبيلا إلى الراحة من تلك المتاعب المتراكمة، ليصبح مقص سلمى أشد ثقلا من أكياس معتز وأكثر حدة من الآلة التي كادت تقطع يد محمد.

الوسوم